الإجازة

تمهيـد :

تقسم طرق نقل الحديث وتحمله إلى ثمانية أقسام:

أولاً: السماع من لفظ الشيخ، وهو ينقسم إلى إملاء وتحديث من غير إملاء سواء كان من حفظه أو من كتابه. وهذا القسم أرفع الأقسام عند الجماهير وسنورد تفصيلات عن السماع في موضعه من هذا البحث.

ثانياً: القراءة على الشيخ وأكثر المحدثين يسمعونها عرضاً من حيث إن القارئ يعرض على الشيخ ما يقرؤه كما يعرض القرآن على المقرئ. ويتم العرض سواء كنت أنت القارئ، أو قرأ غيرك وأنت تسمع أو قرأت من كتاب، أو من حفظك، أو كان الشيخ يحفظ ما يقرأ ولا يحفظ لكن يمسك أصله هو أو ثقة غيره..

ويورد ابن الصلاح (المقدمة، ص ۶۵) والشهيد الثاني (الدراية: ص ۸۷) تفصيلات عن العرض وهل أنه مثل السماع من لفظ الشيخ في المرتبة أو دونه أو فوقه.

ثالثاً: الإجازة. وهي موضع بحثنا في هذه الكلمة.

رابعاً: المناولة. وقد تطرقنا إلى بيان الفرق بينها وبين الإجازة في موضعه من هذا البحث.

خامساً: الكتابة أو المكاتبة. وتتم عندما يكتب الشيخ إلى الطالب وهو غائب شيئاً من حديثه بخطه، أو يكتب له ذلك وهو حاضر. ويلتحق بذلك ما إذا أمر غيره بأن يكتب له ذلك عنه. (ابن الصلاح، المقدمة، ص ۸۳، والشهيد الثاني، الدراية ص ۱۰۴).

سادساً: الإعلام. وهو أن يعلم الشيخ الطالب أن هذا الكتاب أو الحديث روايته، أو سماعه من فلان مقتصراً عليه من غير أن يقول اروه عني، أو أذنت لك في روايته، ونحوه. (ابن الصلاح، المقدمة ص ۸۴ – والشهيد الثاني، الدراية، ص ۱۰۶).

سابعاً: الوجادة. ويتم هذا النوع من أخذ الحديث ونقله عندما يجد إنسان كتاباً، أو حديثاً لشخص رواه بخطه، ولم يلقه، أو لقيه، ولكن لم يسمع منه ذلك الذي وجده بخطه، ولا له منه إجازة، ولا نحوها.

ويحق لمن وجد ذلك أن يقول وجدت بخط فلان أو قرأت بخط فلان. أو في كتاب فلان بخطه: أخبرنا فلان بن فلان، ويذكر شيخه ويسوق سائر الأسناد والمتن. أو يقول: وجدت، أو قرأت بخط فلان، عن فلان ويذكر الذي حدثه، ومن فوقه. (ابن الصلاح، المقدمة، ص ۸۶).

ثامناً: الوصية بالكتب. وذلك أن يوصي الراوي بكتاب يرويه عند موته، أو سفره، لشخص. (ابن الصلاح، المقدمة، ص ۸۵). ولم يورد الشهيد الثاني النوع المذكور من طرق نقل الحديث وتحمله، وبين الطرق التي سردها في هذا الباب.

ينقسم السماع من لفظ الشيخ إلى إملاء، وتحديث من غير إملاء وسواء أكان من لفظ الشيخ، أو من كتابه، وهذا القسم أرفع الأقسام عند الجماهير (ابن الصلاح، المقدمة، ص ۱۴۰). أما الطالب الذي يدرس على الشيخ فيقول عند روايته عنه:

(سمعت) عند سماعه الحديث من الشيخ إذ لا يكاد أحد يقول سمعت في أحاديث الإجازة والمكاتبة ولا في تدليس ما لم يسمعه.

يقول الراوي (حدثني وحدثنا) للدلالة على قراءة الشيخ عليه ولكن اللفظين الأخيرين يحتملان الإجازة على رأي بعضهم بخلاف (سمعت).

يقول الراوي (أخبرنا) لظهور الإخبار في القول. ولكن لفظة أخبر تستعمل في الإجازة والمكاتبة فلذلك كان استعمالها أدون من العبارات السابقة في رقم ۱ و ۲ .

يقول الراوي (أنبأنا) وتغلب اللفظة المذكورة في الإجازة وهي قليلة الاستعمال هنا قبل ظهور الإجازة، فكيف بعدها (الشهيد الثاني، الدراية ص ۸۶ ).

كتب الحديث الأربعة عند الشيعة هي:

كتاب الكافي لمحمد بن يعقوب الكليني.
كتاب من لا يحضره الفقيه لمحمد بن علي بن بابويه القمي.
كتاب التهذيب لمحمد بن الحسن الطوسي.
كتاب الاستبصار لمحمد بن الحسن الطوسي أيضاً.

الجرح والتعديل:

يقوم الجرح والتعديل على معرفة صفة من تقبل روايته، ومن ترد روايته، وما يتعلق بذلك من قدح وجرح وتوثيق وتعديل ويشترط فيمن يحتج بروايته أن يكون عدلاً ضابطاً لما يرويه، ويعني ذلك أنه يجب أن يكون مسلماً، بالغاً عاقلاً، سالماً من أسباب الفسق وخوارم المروءة، متيقظاً غير مغفل، حافظاً إن حدث من حفظه ضابطاً لكتابه إن حدث من كتابه.

وتثبت عدالة الراوي بتنصيص المعدلين على عدالته كما تثبت بالاستفاضة أي اشتهاره بين أهل النقل أو نحوهم من أهل العلم بالثقة والأمانة ويورد ابن الصلاح قائمة بأسماء مشاهير المحدثين الذين لا يحتاجون إلى توثيق لاشتهارهم بالأمانة والصدق. وكان من بين هؤلاء: مالك، وشعبة، والسفيانيان والأوزاعي والليث، وابن المبارك، ووكيع، وأحمد بن حنبل، ويحيى بن معين، وعلي بن المديني (المقدمة، ص ۵۰).

ويمثل ابن الصلاح وجهة نظر الجمهور من أهل السنة والحديث في وثاقة من ذكر من المحدثين لذا جاءت قائمته خالية من أي محدث من محدثي الشيعة يستحق التوثيق لشهرته بالصدق. وللشيعة وجهة نظرهم الخاصة في الجرح والتعديل ويرجعون في معرفة ضعفاء المحدثين وثقاتهم إلى كتب ألفها علماؤهم أمثال النجاشي والشيخ أبي جعفر الطوسي، والسيد جمال الدين أحمد بن طاوس، والعلامة جمال الدين بن المطهر، والشيخ تقي الدين بن داود وغيرهم…

الإجازة في اللغة والاصطلاح :

الإجازة في اللغة: إعطاء الإذن. ولهذا المعنى أشار الفيروزآبادي بقوله: المحدثين آراء طائفة من اللغويين في معنى الإجازة في اللغة.

والإجازة في الاصطلاح، (إذن وتسويغ… وعلى هذا تقول أجزت له رواية كذا كما تقول أذنت له وسوغت له) وللشيخ أقا بزرك الطهراني رأي مفاده أن الإجازة تعني (الكلام الصادر عن المجيز المشتمل على إنشائه الإذن المشتملة على ذكر الكتب التي صدر الإذن في روايتها عن المجيز إجمالاً أو تفصيلاً، وعلى ذكر المشايخ كل واحد من هؤلاء المشايخ طبقة بعد طبقة إلى أن تنتهي إلى المعصومين (عليهم السلام)).

ويبدو مما سبق أن الإجازة، إذن ورخصة تتضمن المادة العلمية الصادرة من أجلها، يمنحها الشيخ لمن يبيح له رواية المادة المذكورة فيها عنه. وتكون الإجازة بهذا المعنى طريقة من طرق نقل الحديث وتحمله، من الشيخ إلى من أباح له نقل الحديث عنه.

الإجازة الشفهية والإجازة التحريرية :

ويمنح الشيخ الإجازة لطالبها بطريقتين: إحداهما الإجازة بالمشافهة وثانيهما الإجازة التحريرية. والإجازة الشفهية أقدم عهداً من الإجازة التحريرية.

وقد منح الإمام جعفر الصادق (ت ۱۴۸ هجري) إجازة شفهية لأحد تلامذته. فروى التلميذ المذكور أنه قال لإمامه عند فراقه إياه أحب أن تزودني. فقال الإمام ائت أبان بن تغلب (ت ۱۴۱ هجري) فإنه سمع مني حديثاً كثيراً فما روى لك عني فاروه عني[۱].

ويستفاد من الخبر السابق أن الإمام الصادق (عليه السلام) أجاز أبان مشافهة أن يروي الحديث عنه، كما أجاز لتلميذه أن يعد ما يرويه له أبان كأنه صادر عنه.

وكان أبان هذا من أشهر تلامذة الصادق وأبيه محمد الباقر (عليهم السلام) (ت ۱۱۷ هجري)، وتعد إجازته المذكورة من الإجازات الحديثية التي ينتهي إسنادها إلى الأئمة.

وكان لأبان بن تغلب أصل[۲]، يعني ذلك أن أبان روى عن الأئمة لأن من لم يرو عنهم، أو عن الذين رووا عنهم، لا يمكن أن يكون من بين أصحاب الأصول حسب اصطلاح المحدثين من الشيعة.

وكانت إجازة أحمد بن علي البلخي (ت ۳۸۵ هجري) لهارون بن موسى التعلكبري من الإجازات الشفهية. ويروي التعلكبري عن مائة وأربعة رجال وامرأة واحدة.

وكانت روايته عن المذكورين على ثلاثة أقسام: القسم الأول بالمشافهة. والقسم الثاني بالمشافهة بالبعض والإجازة في الباقي. والقسم الثالث بالإجازة دون المشافهة. وقد نال الكلوذاني إجازة ابن بابويه القمي.

قال النجاشي: أخبرنا أبو الحسن العباس بن عمر بن عباس الكلوذاني قال: أخذت إجازة علي بن الحسين بن بابويه لما قدم بغداد سنة ثمان وعشرين وثلاثمائة بجميع كتبه ونال الطوسي إجازة كل من الحسن بن محمد المرعشي الطبري. وقال السبكي أخبرنا أبو سعيد خليل بن كيكلدي الحافظ سماعاً فيما أحسب، فإن لم يكن فهو إجازة. ومن الجدير بالذكر أن السماع الذي أشار إليه السبكي في روايته آنفة الذكر هو أعلى طرق نقل الحديث وتحمله.

أما الإجازات التحريرية فبالرغم من تأخر استعمالها بالقياس للإجازات الشفهية فإن لدينا منها ما يعود تاريخه للقرن الثالث للهجرة. ومن أقدم الإجازات التحريرية، نقلاً عن القاسمي، ما قاله الإمام أبو الحسن محمد بن أبي الحسين بن الوزان. قال: ألفيت بخط أبي بكر أحمد بن أبي خيثمة صاحب التاريخ ما مثاله: قد أجزت لأبي زكريا يحيى بن مسلمة أن يروي عني ما أحب من كتاب التاريخ الذي سمعه مني أبو محمد القاسم بن الأصبغ، ومحمد بن عبد الأعلى كما سمعاه مني، وأذنت له في ذلك، ولمن أحب من أصحابه، فإن أحب أن تكون الإجازة لأحد بعد هذا، فأنا أجزت له ذلك بكتابي هذا، وكتب أحمد بن أبي خيثمة بيده في شوال من سنة ست وسبعين ومائتين.

وقال الشيخ الطوسي عند ترجمته لأحمد بن محمد بن سعيد (ت ۳۳۳ هجري) أخبرنا بجميع رواياته وكتبه أبو الحسن أحمد بن محمد الأهوازي، وكان معه خط أبي العباس وبإجازته، وشرح رواياته، وكتبه عن أبي العباس أحمد بن محمد بن سعيد.

ويقول النجاشي إن أحمد بن عبد الله الوراق، دفع إلى شيخ الأدب، أبي أحمد، عبد السلام بن الحسين البصري رحمه اللّه كتاباً بخطه، قد أجاز له فيه جميع روايته.

ويبدو من الأمثلة المتقدمة أن الإجازات التحريرية المذكورة كانت عبارة عن رخص خطية، منحها شيوخ لمن أباحوا لهم الرواية عنهم، بعد أن تأكد لديهم صلاح المستجيز لتحمل الحديث، وروايته عنهم.

واعتاد الشيوخ أن يكتبوا إجازاتهم على الكتاب الذي درسه عليهم أحد التلامذة، أو أباحوا له روايته دون أن يدرسه عليهم. ومن أقدم ما عثرت عليه من الإجازات المسجلة على كتاب معين، ما رواه عبد الكريم بن طاوس (ت ۶۳۹ هجري) من أنه كان يحتفظ بنسخة من مزار ابن داود القمي، مقابلة بنسخة مكتوب عليها ما صورته: قد أجزت هذا الكتاب وهو أول كتاب الزيارات من تصنيفي، وجميع مصنفاتي ورواياتي، ما لم يقع فيها سهو ولا تدليس، لمحمد بن عبد الله بن عبد الرحمن بن سميع أعزه اللّه، فليرو ذلك عني إذا أحب، لا حرج عليه فيه أن يقول أخبرنا، وحدثنا.

وكتب محمد بن داود القمي في شهر ربيع الآخر، سنة ستين وثلاثمائة، حامداً شاكراً… وهذه الرواية مطابقة لما أورده الطوسي بخطه.

وتكون الإجازات التي تكتب على ظهور الكتب مقتضبة عادة، لا تحتوي أحياناً طرق الرواية، ولا أسماء الشيوخ الذين تلقى المجيز معلوماته عنهم. ولعل ذلك يعود إلى قلة الفراغ المتوفر في ظهر الكتاب الذي تكتب عليه الإجازة.

ومن الأمثلة على تلك الإجازات ما نسخته من مخطوطة لكتاب نهج البلاغة وهو ما جمعه الشريف الرضي من كلام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام). والمخطوطة المذكورة من مخطوطات خزانة الدكتور حسين محفوظ في الكاظمية. وإليك نص الإجازة المشار إليها آنفا:

يقول العبد الضعيف أبو نصر علي بن أبي سعد بن الحسن بن أبي سعد الطبيب أسعده اللّه في الدارين بحق النبي محمد عليه وعلى أهل بيته أفضل الصلوات وأمثل التحيات. أجازني السيد الكبير ضياء الدين، علم الهدى رحمه اللّه، كتاب نهج البلاغة للسيد الإمام الرضي، ذي الحسبين، أبي الحسن محمد بن الحسين بن موسى ابن الإمام محمد بن موسى بن إبراهيم بن موسى بن جعفر بن محمد بن علي (مكرر) بن الحسين بن علي بن أبي طالب عليهم الصلاة والسلام. عن السيد المرتضى بن الداعي الحسني، عن الشيخ أبي عبد الله، جعفر بن محمد الرويستي، عنه رضي اللّه عنه. والغريبين عن الشيخ زاهر بن طاهر النيسابوري، المستملي، عن أبي عثمان القابوني، عن أبي عبد الله الهروي، المؤدب، مصنفه رحمه اللّه. وغرر الفوائد ودرر القلائد، عن السيد حمزة بن أبي الأغر. نقيب مشهد الحسين صلوات اللّه عليه، عن أبي قدامة، عن علم الهدى رضي اللّه عنه. وغريب الحديث لأبي عبيد القاسم بن سلام البغدادي، عن أبي علي الحسن بن أحمد بن الحسن الحداد، عن أبي نعيم الحافظ عن سليمان الطبراني الشامي، عن علي بن عبد العزيز البغوي، عن أبي عبيد رحمه اللّه وكذلك أجاز لي جميع ما له روايته من منقول، أو معقول. وكتب في رجب سنة سبع وثمانين وخمسمائة هجرية، محمدية، حامداً للّه تعالى، مصلياً على سيدنا محمد، وآله الطاهرين، واللّه حسبي ونعم الوكيل.

وقد وجدت تحت الإجازة السابقة على الصفحة نفسها، إجازة أخرى تتصدرها العبارة التالية (كان في ظهر النسخة التي عورضت نسختي بها). – ويظهر أن مالك النسخة التي كتبت عليها الإجازة السابقة قابل نسخته بنسخة أخرى فوجد عليها الإجازة التي سنورد نصها بعد قليل، فنقل ذلك النص على نسخته رغبة في توثيقها. وإليك نص الإجازة الثانية:

قرأ، وسمع عليّ، كتاب (نهج البلاغة) الأجل، الإمام، العالم، الوالد الأخص الأفضل، جمال الدين، زين الإسلام، شرف الأئمة ، علي بن محمد بن الحسن، المتطبب، أدام اللّه جماله، وبلغه في الدارين آماله، قراءة، وسماعاً يقتضيها فضله. وأجزت له أن يرويه عني، عن المولى السعيد والدي، سقاه اللّه صوب الرضوان، عن ابن معبد الحسني، عن الإمام أبي جعفر الطوسي، عن السيد الرضي رضي اللّه عنه، ورويته له عن الشيخ الإمام عبد الرحيم بن الأخوة البغدادي، عن الشيخ أبي الفضل محمد بن يحيى الناتلي، عن أبي نصر عبد الكريم بن محمد سبط بشر الديباجي، عن السيد الرضي رضي اللّه عنه. ورواه لي أبي، قدس اللّه روحه، عن الشيخ الإمام أبي جعفر محمد بن علي بن الحسن، المقري، النيسابوري، عن الحسن بن يعقوب، الأديب، عمن سمعه من الرضي، رضي اللّه عنه، كتبه علي بن فضل الحسيني، حامداً، مصلياً، في رجب سنة تسع وثمانين وخمسمائة.

ومن الأمثلة على الإجازات المكتوبة على ظهر كتاب معين ما رواه المجلسي الذي قال إنه وجد هذه الإجازة قد كتبت على ظهر كتاب إرشاد العباد تأليف الشيخ السعيد، المفيد، بهذا اللفظ: قرأ علي الأجل العالم، الأوحد، مجد الدين، بهاء الإسلام جمال العلماء، أبو العلاء أدام اللّه توفيقه، كتاب الإرشاد، من أوله إلى آخره، وصححه بجهده فصح له إن شاء اللّه قراءة إتقان. وأجزت له روايته، عن السيد السعيد المرتضى بن الداعي بن القاسم الحسني، عن الشيخ أبي عبد الله، جعفر بن محمد الدرويستي، عن مصنفه. وكتب الحسن بن الحسين بن علي الدرويستي، نزيل قاشان بخطه. سنة ست وسبعين وخمسمائة، حامداً، مصلياً على نبينا محمد، وآله الطاهرين.

وإليك صورة إجازة الشيخ محمد بن جمهور الأحسائي للسيد الفاضل محسن الرضوي، مع ذكر الطرق السبعة لابن جمهور المذكور في أول كتاب غوالي اللآلي:

وبعد فقد سمع مني مؤلفي هذا، وهو كتاب غوالي اللآلي، العزيز به في الأحاديث الدينية، من أوله إلى آخره للسيد الحسيب… السيد محسن… وقد رويت له الكتاب المذكور، وجميع ما هو فيه مزبور ومسطور بطريق السماع مني حال قراءته عليه وهو يسمعه عني الذي هو أعلى طرق الرواية وأحق ما يحصل به الدراية، وكان سماعه سماع العالم العارف، وتلقيه تلقي الفاهم الواقف، على ما اشتمل عليه من أسرار الروايات، الصادرة عن أطايب البريات، النبي والأئمة البررة، الهداة… وقد سأل وقت سماعه مني، وروايته عني عن جميع مشكلاته… وكان ذلك في مجالس متعددة متباعدة، آخرها في منتصف شهر ذي القعدة من أواخر شهور سنة سبع وتسعين وثمانمائة… وكتب المجيز… محمد بن علي بن إبراهيم الأحسائي…

ويبدو مما سبق أن الإجازة المذكورة كانت مقرونة بدراسة جدية في مجالس، أو دروس منتظمة تناول فيها الشيخ تدريس كتابه، وحل معضلاته.

أما الإجازات التحريرية المستقلة عن الكتاب، أو الكتب، التي درسها الشيخ، أو أباح روايتها دون تدريسها، فتكون عادة مفصلة، فضلاً عن كونها مشتملة على طرق الرواية التي تلقى عنها الشيخ المجيز معلوماته التي أجاز روايتها لتلميذه. ومن الأمثلة على النوع المذكور من الإجازات، إجازة الحسن بن يوسف، المعروف بالعلامة الحلي (ت ۶۲۷ هجري) لبني زهرة وأورد المجلسي نص الإجازة المذكورة وذكر أنه نقلها من خط المجيز نفسه.

وقد أورد الشيخ الحلي في الإجازة المذكورة، بعد الحمد، والثناء على طالب الإجازة، وأقربائه الذين شملهم بالإجازة، ما يأتي: (وقد أجزت له، أدام اللّه أيامه، ولولديه الكبيرين… أن يروي هو وهم عني جميع ما صنفته في العلوم العقلية، والنقلية، أو أنشأته أو قرأته، أو أجيز لي روايته، أو سمعته من كتب أصحابنا السابقين، وجميع ما أجازه لي المشايخ الذين عاصرتهم، واستفدت من أنفاسهم…).

ويبدو من العبارة السابقة أن إجازة االشيخ الحلي لبني زهرة كانت إجازة عامة بجميع مؤلفاته، فضلاً عن جميع ما قرأ على الشيوخ، أو أجازوه روايته، أو سمعه عليهم، أي درسه فعلاً عن طريق السماع، وهو أعلى طرق تحمل الحديث. يضاف إلى ما سبق أن الشيخ الحلي أباح لحامل الإجازة ذكر طرق الرواية التي تلقى عنها الشيخ نفسه معلوماته المشتملة عليها الإجازة.

ثم يستمر الحلي بذكر الشيوخ الذين روى عنهم فيقول:

(فمن ذلك جميع ما صنفه نصير الملة والحق والدين محمد بن الحسن الطوسي وقرأه، ورواه عني عنه ومن ذلك جميع ما صنفه الشيخ جعفر بن الحسن بن سعيد، وقرأه، ورواه، وأجيز له روايته عني عنه ومن ذلك جميع ما صنفه السيدان الكبيران السعيدان رضي الدين علي، وجمال الدين أحمد بن موسى بن طاوس الحسنيان، قدس اللّه روحهما، وروياه، وقرأه وأجيز لهما روياته عني عنهما… من ذلك جميع ما صنفه الشيخ السعيد نجيب الدين، يحيى بن سعيد ورواه وأجيز له روايته، ومن ذلك جميع ما رواه الشيخ مفيد الدين، محمد بن الجهم، وأجيز له روايته وقرأه على المشايخ ومن ذلك جميع ما صنفه الشيخ السعيد جمال الدين، علي بن سليمان البحراني ورواه وقرأه، وأجيز له روايته عني، عن ولده الحسين عنه ومن ذلك جميع ما صنفه الشيخ السعيد جمال الدين، حسين بن أمان النحوي، وجميع ما قرأه، ورواه، وأجيز له روايته عني وعنه ومن ذلك جميع ما صنفه الشيخ المعظم، شمس الدين، محمد بن أحمد الكشي وما قرأه، ورواه، وأجيز له روايته عني، عنه ومن ذلك جميع ما صنفه شيخنا السعيد نجم الدين علي بن عمر الكاتبي القزويني، ويعرف بدبيران، وما قرأه، ورواه، وأجيز له روايته عني، عنه ومن ذلك جميع ما صنفه الشيخ السعيد، برهان الدين النسفي ورواه أو قرأه، أو أجيز له روايته عني، عنه).

ويستمر الشيخ الحلي بذكر طرق الرواية في الإجازة المذكورة على غرار ما اقتبسناه آنفاً أعلاه حتى يشغل ست صحائف من كتاب المجلسي الذي وردت فيه الإجازة وبعد ما أوردناه من الاقتباسات عن إجازة الحلي لبني زهرة نقرر ما يأتي:

أولاً: نؤكد ما سبق أن أشرنا إليه في بداية هذا البحث، مع أن الإجازة إذن ورخصة. ويترتب على ذلك أن الحلي، قد أذن لطالب الإجازة أن يروي عنه ما حدده له بالإجازة، سواء كان كذلك من مؤلفاته أو من مروياته.

ثانياً: لقد أورد الحلي أسماء الشيوخ الذين روى عنهم عن طريق، أو أكثر من طرق تحمل الحديث. فالشيوخ الذين درس عليهم فعلاً وصف روايته عنهم بأنها كانت عن طريق السماع، أي السماع من لفظ الشيخ، سواء كان ذلك من إملائه، أو من كتابه. أما الشيوخ الذين قرأ عليهم الحلي دون أن يسمع عنهم، فقد عبر عن تلقيه الحديث عنهم ب(القراءة) وهي طريقة من طرق نقل الحديث وتحمله تعرف بالعرض، أو القراءة على الشيخ. وتختلف عن السماع الذي هو أعلى طرق نقل الحديث وتحمله، في أن التلميذ لم يسمع الحديث من لفظ الشيخ بل يكتفي بقراءة كتاب على الشيخ، والأخير يسمع. وقد يكون القارئ غير الطالب ولكن سماعه أمر ضروري.

وقد وصف الحلي روايته عن الشيوخ الذين أجازوه بأنها كانت عن طريق الإجازة. ومن المعلوم أن الشيخ قد يجيز التلميذ الرواية عنه دون أن يقرأ الأخير عليه، ودون أن يلقاه في بعض الأحيان.

ثالثاً: كانت إجازة الحلي لبني زهرة غير مقتصرة على الحديث بل إنها تناولت علوماً أخرى. فذكر الحلي في إجازته المذكورة أنه أجاز بني زهرة جميع مصنفات أبي سعيد بن عبد الملك بن قريب الأصمعي وجميع رواياته من الأشعار، والنحو والفقه، وسائر العلوم. وجميع كتاب صحاح اللغة لإسماعيل بن حماد الجوهري و(خطب ابن نباتة وخطب ولده).

وأجازهم أيضاً (عن أبي العباس المبرد بجميع كتبه وبالأسناد عن المبرد عن أبي عثمان المازني بجميع كتبه وبهذا الأسناد نروي كتب الأخفش عنه، وعن الأخفش جميع كتب سيبويه، وجميع كتب الخليل بن أحمد).

ومن الجدير بالذكر أنه ليس من الضروري أن تكون الإجازة دائماً نثرية، بل قد تكون شعراً ومن ذلك الإجازة الشعرية التالية التي منحها صفي الدين الحلي لأحد تلامذته:

أجزت لسيدي ومليــك رقي وما أنشأت من جد وهزل

ولم أقصد بذاك ســوى قبولي ولو نسبوا إليه جميع علمي

رواية ما حوى من نسج فكري وما أبدعت من نظم ونثر

لمرسوم أشار به وأمــــري لكان كنقـطة في لج بحر

أنواع الإجازات :

للإجازة أنواع:

أولها: أن يجيز لمعين في معين، مثل أن يقول المجيز لطالب الإجازة (أجزت لك الكتاب الفلاني، أو ما اشتملت عليه فهرستي هذه) فهذا أعلى أنواع الإجازة المجردة عن المناولة.

وقد ذهب العلماء في جوازها، أو عدمه، مذاهب مختلفة، تصدى ابن الصلاح لذكرها، ومناقشتها وقال لقد (خالف في جواز الرواية بالإجازة جماعات من أهل الحديث والفقهاء، والأصوليين وذلك إحدى الروايتين عن الشافعي روى عن صاحبه الربيع بن سليمان، وقال كان الشافعي لا يرى الإجازة في الحديث. قال الربيع: أنا أخالف الشافعي في هذا.

وأضاف ابن الصلاح إلى ما سبق قوله إن حسين بن محمد المروروذي، وأبا الحسن الماوردي ممن قالا بإبطالها ثم يبين ابن الصلاح أن الحافظ أبا نصر السجزي قال سمعت جماعة من أهل العلم يقولون قول المحدث قد أجزت لك أن تروي عني تقديره قد أجزت لك ما لا يجوز في الشرع، لأن الشرع لا يبيح رواية من لم يسمع).

ويخلص ابن الصلاح، بعد مناقشة آراء العلماء، إلى نتيجة وهي (أن الذي استقر عليه العمل، وقال به جماهير أهل العلم من أهل الحديث، وغيرهم، القول بتجويز الإجازة، وإباحة الرواية بها…).

وبعد أن يناقش الشهيد الثاني آراء القائلين، بما فيهم الشافعي، بعدم صحة الإجازة في الحديث يقول (إن المشهور بين العلماء، والمحدثين والأصوليين أنه يجوز العمل بها). ويضيف إلى ما سبق قوله إن الإجازة عرفاً في قوة الإخبار بمرويات الشيخ جملة، فهو كما لو أخبره تفصيلاً، والإخبار غير متوقف على التصريح نطقاً كما في القراءة على الشيخ، والغرض حصول الإفهام وهو يتحقق بالإجازة.

واعتقد بأن تردد طائفة من العلماء في قبول صحة النوع المذكور من الإجازات، لا يضعف من قيمتها كطريقة من طرق نقل الحديث وتحمله. ويمكن أن ينظر إلى آراء القلة في صدد عدم الجواز، بأنها من نوع الآراء الشاذة التي لا يصح الأخذ بها. ثم إن تبني المحدثين للإجازة في مختلف العصور، وتجويزهم إياها يضعف من أهمية أقوال المعترضين على صحتها.

ومن الأمثلة على النوع المذكور من الإجازة، إجازة الشيخ علي بن محمد بن عبد الحميد النيلي للشيخ أحمد بن محمد بن فهد الحلي التي جاء فيها: (أجزت للشيخ الأجل محمد بن فهد، كتاب شرائع الإسلام في معرفة الحلال والحرام من مصنفات المولى، نجم الدين أبي القاسم الحسن بن سعيد، وكتب الفقير إلى اللّه تعالى علي بن محمد بن عبد الحميد النيلي، وذلك في عشرين شهر جمادى الآخرة سنة إحدى وتسعين وسبعمائة).

ثانياً: الإجازة لمعين في غير معين مثل أن يقول (أجزت لك، أو لكم، جميع مسموعاتي، أو جميع مروياتي) وما أشبه ذلك. ويرى ابن الصلاح أن الخلاف في هذا النوع من الإجازات أقوى وأكثر، ولكن الجمهور من العلماء، والمحدثين يرون تجويز الرواية بها.

ويعزو الشهيد الثاني السبب في اختلاف المحدثين بجواز الرواية بها و عدمه إلى عدم انضباط المجاز مما يجعله بعيداً عن الإذن الإجمالي المسوغ به. ولو قيدت الإجازة بوصف خاص كمسموعاتي من فلان، أو في بلد كذا، لأصبحت متميزة، وحينئذ تكون أولى بالجواز.

ومن الأمثلة على النوع المذكور من الإجازة، ما قاله الطوسي عند ترجمته لأحمد بن محمد بن سعيد (وأجاز لنا ابن أبي الصلت عنه بجميع رواياته). وروى النجاشي أن العباس بن عمر الكلوذاني قال (أخذت إجازة علي بن الحسين بن بابويه القمي لما قدم بغداد سنة ۳۲۸ هجري بجميع كتبه).

ثالثاً: الإجازة لغير معين، ويتحقق النوع المذكور من الإجازة عندما يقول الشيخ (أجزت للمسلمين أو أجزت لكل أحد، أو أجزت لمن أدرك زماني)، وقد ناقش ابن الصلاح آراء المحدثين حول جواز هذا النوع من الإجازة أو عدمه، فتوصل إلى أن كثيراً منهم أباحوها، وكان من بين هؤلاء أبو عبد الله بن منده الذي قال (أجزت لمن قال لا إله إلا اللّه وأبو محمد بن سعيد الأندلسي الذي أجاز لكل من دخل قرطبة من طلبة العلم).

وقد بين الشهيد الثاني أن الشهيد الأول، محمد بن مكي (ت ۷۸۶ هجري) كان من بين الشيوخ الذين جوزوا صحة النوع المذكور من الإجازة، وذلك أنه طلب من شيخه السيد تاج الدين بن معية الإجازة له ولأولاده ولجميع المسلمين، ممن أدرك جزءاً من حياته جميع مروياته، فأجازهم ذلك بخطه.

رابعاً: الإجازة للمجهول أو بالمجهول، ومن أمثلته قول الشيخ: (أجزت لمحمد بن خالد الدمشقي) وفي وقته ذلك جماعة مشتركون في هذا الاسم والنسب ثم لا يعين المجاز له منهم، أو يقول (أجزت لفلان أن يروي عني كتاب السنن) وهو يروي عدداً من كتب السنن المعروفة بذلك ثم لا يعين.

ويرى ابن الصلاح أن هذه إجازة فاسدة لا فائدة لها، ومن الواضح أن ابن الصلاح استند في حكمه على فساد النوع المذكور من الإجازة للجهل بالمجاز له، أو المادة المجازة.

ويورد ابن الصلاح أنواعاً أخرى من الإجازة، منها الإجازة للمعدوم. ويدخل في هذا الباب الأطفال الذين لم يولدوا حين منح الإجازة. ومنها إجازة ما لم يسمعه المجيز، ولم يتحمله أصلاً بعد ليرويه المجاز له إذا تحمله المجيز بعد ذلك.

ونظراً لكون الأنواع الأخيرة من الإجازة نادرة الاستعمال، وأن المحدثين يختلفون اختلافاً كبيراً في جوازها، أو عدمه، لم نر ضرورة للبحث فيها.

خامساً: المناولة: وهي نوعان:

أحدهما : المناولة المقرونة بالإجازة، وهي أعلى أنواع الإجازة على الإطلاق، وتختلف الإجازة عن المناولة بكون الأخيرة تفتقر إلى مشافهة المجيز للمجاز وحضوره دون الإجازة.

ويرى بعض العلماء أنها أخفض من الإجازة، لأنها إجازة مخصوصة بكتاب بعينه بخلاف الإجازة.

ويقارن الشهيد الثاني بين المناولة المقترنة بالإجازة، وبين السماع فيتوصل إلى أنها دون السماع على الأصح لاشتمال القراءة على ضبط الرواية وتفصيلها بما لا يتفق بالمناولة.

وثانيهما: المناولة المجردة عن الإجازة، ويتحقق النوع المذكور من المناولة عندما يناول الشيخ تلميذه كتاباً ويقول هذا سماعي، أو روايتي من غير أن يقول اروه عني، أو أجزت لك روايته عني، ونحو ذلك، ولم تبح غالبية العلماء الرواية بهذا النوع من المناولة، بينما جوزها البعض الآخر، لحصول العلم بكون المادة المناولة للتلميذ من مرويات الشيخ، وأن الإذن بالرواية للمادة المذكورة مفهومة ضمناً، بالرغم من عدم إفصاح الشيخ بذلك.

ويشترط الشهيد الثاني للرواية بالمناولة أن يقول الراوي (حدثنا فلان مناولة وأخبرنا مناولة) دون أن يقتصر على حدثنا وأخبرنا، لأن اللفظتين الأخيرتين تستعملان عند السماع على الشيخ، أو القراءة عليه.

ويميل ابن الصلاح إلي اعتداد المناولة طريقة خاصة من طرق تحمل الحديث وتلقيه، لا نوعاً من أنواع الإجازة، كما ذهب الشهيد الثاني الذي عرضنا رأيه قبل قليل.

ويرى ابن الصلاح أن المناولة على نوعين: أحدهما المناولة المقرونة بالإجازة، ومن صورها أن يدفع الشيخ إلى الطالب أصل سماعه، أو فرعاً مقابلاً به، ويقول هذا سماعي أو روايتي عن فلان، فاروه عني، أو أجزت لك روايته عني، ثم يملكه إياه أو يقول: خذه وانسخه، وقابل به، ثم رده إلي، أو نحو هذا. ومنها أن يجيء الطالب إلى الشيخ بكتاب، أو جزء من حديثه، فيعرضه عليه فيتأمله الشيخ وهو عارف متيقظ، ثم يعيده إليه، ويقول به: وقفت على ما فيه وهو حديثي عن فلان، أو روايتي عن شيوخي فيه، فاروه عني، أو أجزت لك روايته عني.

ونختم الكلام عن أنواع الإجازات بما أورده ابن شهرآشوب (ت ۵۸۸ هجري) في مقدمة كتابه الموسوم ب(مناقب آل أبي طالب) المطبوع في النجف الأشرف سنة ۱۹۵۶ م، عن دراسته للحديث بالطرق المعروفة لنقله وتحمله، ومن بينها الإجازة التي هي موضوع بحثنا.

يقول ابن شهرآشوب إنه لم يبدأ بتأليف كتابه المذكور إلا بعد أن أصبح مؤهلاً لهذا الأمر: (وذلك بعدما أذن لي جماعة من أهل العلم والديانة بالسماع، والقراءة، والمناولة، والمكاتبة، والإجازة. فصحت لي الرواية عنهم بأن أقول: حدثني، وأخبرني، وأنبأني، وسمعت، واعترف لي بأنه سمعه ورواه كما قرأته، وناولني من طرق الخاصة).

ومن الجدير بالذكر أن ابن شهرآشوب يقصد بـ(الخاصة) الشيعة، وهو اصطلاح يستعمله السلف مقابل (العامة) وهم أهل السنة.

وبعدما قدمنا عن الإجازة وأنواعها نستنتج ما يأتي:

أولاً: أن الإجازة كما يظهر من الأمثلة السابقة تقليد تعليمي إسلامي، عام، تبناه شيوخ من حملة الحديث ينتمون إلى طوائف إسلامية مختلفة.

ثانياً: أن الإجازة إذن ورخصة، يمنحها الشيوخ لمن يبيحون له الرواية عنهم، ولا علاقة لها بمعهد تعليمي كما هي الحال في أنظمتنا التربوية في العهد الحاضر.

ومما يؤيد ذلك اقتران الإجازة باسم الشيخ المجيز دون ذكر اسم معهد معين، ويعود ذلك إلى أن الدراسة في البلاد الإسلامية قبل ظهور المدارس في أواخر القرن الرابع للهجرة، كانت تقوم على العلاقة الشخصية بين الشيخ والطالب ولم يكن الطلاب ينخرطون في معاهد معينة لإكمال تحصيلهم. ثم إن تعدد الإجازات لطالب واحد، يدل أن الطالب المذكور درس على أو استجاز شيوخاً متعددين، لا ينتمون إلى معهد معين، فهارون التلعكبري (ت ۳۸۵ هجري) مثلاً، نال ۲۲ إجازة من شيوخ مختلفين.

ثالثاً: إن الإجازة بنوعيها التحريري، والشفهي، إذن لرواية الحديث، أو غيره من العلوم من شيخ، أو شيوخ، وليست شهادة تعليمية يستدل بها على درجة تحصيل حاملها. فهي والحالة هذه طريقة من طرق تحمل الحديث.

رابعاً: ليس من الضروري أن يكون الشيخ مانح الإجازة قد درس التلميذ حامل الإجازة. بل يجوز أن يمنح شيخ إجازة لرواية مادة علمية، وغالباً ما تكون تلك المادة حديثاً نبوياً، عنه دون أن يكون قد درس المادة المذكورة لحامل الإجازة وقد اعتاد أصحاب الرجال والتراجم عند ترجمتهم لرجل من رجال الحديث أن يعبروا عن دراسته على شيخ من شيوخه بقولهم (سمع) أو (تلقى العلم سماعاً) من الشيخ المذكور ويعنون بذلك أنه درس عليه فعلاً.

ويجنبون عادة استعمال الاصطلاحين المذكورين، وما في معناهما، إذا كان التلميذ قد تلقى المادة العلمية من شيخه عن طريق الإجازة التي كثيراً ما يمنحها الشيخ لتلميذه دون أن يكون قد درس عليه فعلاً.

خامساً: كان للإجازة أهمية خاصة في درس علم الحديث وتدريسه، وذلك لأنها كانت من بين وسائل حفظ السند، أو سلسلة الرواة الذين يعد توثيقهم ركناً أساسياً في صحة الحديث.

ومن المعلوم أن دراسة علم الحديث وتدريسه، كانا قد احتلا الصدارة في النظام التربوي الإسلامي، ومن الأدلة على ذلك أن البحث في الحديث والمحدثين شغل الجزء الأكبر من تاريخ بغداد للخطيب وتاريخ دمشق لابن عساكر، ثم إن كتب الحديث الأربعة عند الشيعة، تعد بمثابة العمود الفقري لدراسة الحديث عندهم.

وكان التقليد التعليمي عند المسلمين في القرون الإسلامية الأولى، يؤكد على ضرورة سماع الحديث شفاهاً من شخص سمعه في الطريقة نفسها، والحديث لا يكون كاملاً بنفسه، بل إنه مرتبط بالإسناد، أو سلسلة الرواة التي تنتهي عند أول من سمعه عن النبي (صلى الله عليه وآله).

ولذا قيل إن من يريد معرفة العلوم الدينية دون التقييد بالإسناد يكون كمن يريد أن يرتقي سقفاً بدون سلم، وكان التقليد المذكور من أهم الدوافع إلى حصول ما نسميه الرحلة في طلب العلم، في النظام التربوي الإسلامي، ويوضح لنا السيد رضي الدين علي بن طاوس رأيه عن

أهمية الإجازات في أوائل كتابه الموسوم بـ(الإجازات) بقوله، نقلاً عن المجلسي: لما كان الموت محتوماً على الإمام منهم والمأموم، أحوج الأمر إلى الروايات والإجازات فيما يغفل عنهم، ولأنه ما يقدر كل أحد من المكلفين أن يلقى بنفسه إمام زمانه ويسمع ما يحتاج إليه، للدنيا والدين، فلم يبق بد من ناقل ومنقول إليه، ليثبت الحجة بذلك عليه، واعلم أنه كان من عادة جماعة من الأوائل، أن تكون كتب أصولهم معلومة عند الذي يروي عنه، وعند الناقل وجماعة يحفظون ما يروون، ويفرقون بين المعتدل منه والمائل، وبين المائل من الرواة والمعادل، فلما غلب حب الدنيا على كثير من هذه الأمة، وأضاعوا أمراً أمروا بإتباعه من الأئمة ابتلوا بقصور الهمة، فدرست عوائد التوفيق في الرواية وفوائد التحقيق إلى الدراية، وصار الأمر كما تراه يروي الإنسان ما لا يحقق أكثر معناه، وما لا يعرف ما رواه، وتعذر العارف بما كان معروفاً بين أعيان الإسلام، وصار ضياء هذه الطرق مبهماً للظلام، فتعلق ما يجدوه من جملة الكلام وطالبيها على ضعف بدون ما كان من الكشف وقنعوا بالدون فيما يرون، فاللّه جل جلاله بعثهم بما عنه مسؤولون وإليه محتاجون.

ويظهر من النص السابق أن ابن طاووس يقرر أن المؤمنين مكلفون بتلقي ما يصلح لهم أمور دينهم ودنياهم عن طريق الأئمة، بحكم كونهم مبلغين للرسالة المحمدية للمسلمين، ونظراً لاستحالة لقاء كل فرد لإمامه، وجب وجود ناقل يحمل تلك الرسالة عن الأئمة إلى المكلفين بتلقيها، ويتم النقل المذكور من جيل من العلماء إلى جيل آخر عن طريق الروايات، وإجازة نقل الحديث وتحمله، وترتب على ذلك أن أصبحت الإجازات العلمية من أهم الوسائل التي من شأنها تحقيق عملية النقل المذكور.

وقد وردت إشارات يستفاد منها أن الإجازة، فضلاً عن كونها طريقة من طرق نقل الحديث العامة، يمكن أن تكون وسيلة لحفظ الأحاديث لدى أشخاص غير موجودين عند منحهم إياها، أو أنهم غير مؤهلين لتلقيها لصغر سنهم.

ومما جعل ذلك ممكناً إباحة منح الإجازة للطبقات الآتية. دون أن يتم اللقاء بين الشيخ المانح والتلميذ الممنوح، وذلك أن الرواية عن تحديث لا تصح إلا بالملاقاة وقابلية الفهم، بينما لا يشترط هذان الشرطان دائماً في الإجازة.

ومن الأمثلة على ما سبق، ما روي عن أبي غالب (ت ۳۶۸ هجري) في رسالته إلى ابن ابنه أبي طاهر محمد بن عبد الله التي قال فيها: (وكان مولدك في قصر عيسى ببغداد سنة ۳۵۲ هجري، وقد خفت أن يسبق أجلي إدراكك، وتمكنك من سماع الحديث، وتمكني من حديثك بما سمعته، وأن أفرط في شيء من ذلك، كما فرط جدي وخال أبي، أن لم يجذباني إلى سماع جميع حديثهما مع ما شاهداه من رغبتي في ذلك، ولم يبق في وقتي من آل أعين أحد يروي الحديث ويطلب علماً، وشححت على أهل هذا البيت الذي لم يخل من محدث أن يضمحل ذكرهم، ويندرس رسمهم، ويبطل حديثهم من أولادهم، وقد بينت لك آخر كتابي هذا أسماء الكتب التي بقيت عندي من كتبي، وما حفظت أسناده، فإن كان قد غاب عني شرحت لك ممن سمعت ذلك، وأجزت لك خاصة روايتها عني (إلى أن قال): وعملت هذه الرسالة سنة ۳۵۶ هجري.

وكان للعرف العلمي الذي أباح الإجازة والاستعمال الفعلي لها، أثرهما الفعال في إضعاف حجج المعارضين التي ينصب كثير منها على جهالة بعض عناصر نوع أو أكثر من أنواع الإجازات، ومن ذلك الإجازة لغير معين، أو الإجازة بغير معين.

ويحدد ابن الصلاح طائفة من الشروط التي يجب تحققها لصحة الإجازة بقوله «إنما تستحسن الإجازة إذا كان المجيز عالماً بما يجيز والمجاز له من أهل العلم لمسيس حاجتهم إليها، وبالغ بعضهم في ذلك فجعله شرطاً فيها، وحكاه أبو العباس الوليد بن بكر المالكي عن مالك.

وقال الحافظ أبو عمر: (الصحيح أنها لا تجوز إلا لماهر بالصناعة، وفي شيء معين لا يشكل إسناده).

ثم أن زوال الأسباب التي جعلت طائفة من العلماء ترجح السماع على الإجازة مع الزمن، لعب هو الآخر دوره في إضعاف حجج المعارضين الرامية إلى حصر نطاق الإجازة، وعدم التوسع في عدها من طرق نقل الحديث وتحمله.

ففي عصر السلف، قبل جمع الكتب المعتبرة، التي يعول عليها، ويرجع إليها، كان ترجيح المساع على الإجازة، يستند على أن السلف كانوا يجمعون الحديث من صحف الناس، وصدور الرجال، خوفاً من التدليس والتلبيس.

وقد زالت معظم مبررات الخوف المذكور بعد شيوع التدوين، وظهور كتب الصحاح في الحديث عند أهل السنة، وكتب الحديث الأربعة وغيرها من كتب الحديث، عند الشيعة، وأصبح الترجيح لما ورد في الكتب المذكورة وغيرها من كتب الحديث يقوم، خلافاً لما كان في عصر السلف، حين كانت الرواية الشفهية هي المعتبرة على الجرح والتعديل للرواة .

ولعبت كتب الطبقات، أمثال: (طبقات ابن سعد) (ت ۲۳۰ هجري)، و (الاستيعاب في معرفة الصحاب) لابن عبد البر (ت ۴۶۳ هجري)، وتاريخ بغداد للخطيب البغدادي (ت ۴۶۳ هجري)، وتاريخ ابن عساكر (ت ۵۷۱ هجري)، وأسد الغابة في معرفة الصحابة لابن الأثير (ت ۶۳۰ هجري) دوراً كبيراً في تسهيل الجرح والتعديل وتثبيته على أسس صحيحة.

وبنى الشيعة جرحهم وتعديلهم للرواة فضلاً عن الكتب السابقة، على كتب خاصة بهم تسمى كتب الرجال. ومن أشهر كتب الرجال عند الشيعة: رجال البرقي (ت ۲۶۰ هجري) ورجال الكشي (ت ۳۴۰ هجري)، ورجال النجاشي (ت ۴۵۰ هجري)، ورجال الطوسي (ت ۴۶۰ هجري) ورجال ابن داود الحلي (من علماء القرن السابع الهجري)، ورجال العلامة الحلي (ت ۷۲۶ هجري)، ولؤلؤة البحرين للشيخ يوسف البحراني (ت ۱۱۸۶ هجري)، والفوائد الرجالية للسيد محمد مهدي بحر العلوم (ت ۱۲۱۲ هجري).

وترتب على ما سبق أن الإجازة كطريق من طرق نقل الحديث وتحمله، أصبحت بعد شيوع التدوين، وثبوت طريقة الجرح والتعديل للرواة، من الطرق المقبولة لنقل الحديث وتحمله بين المحدثين ومن الوسائل الشائعة بينهم.

سادساً: لقد لعبت الإجازة دوراً مهماً في حفظ سلسلة السند وربطها بالمصدر الأول الذي أخذ عنه الحديث ويتم الربط المذكور حينما يذكر مانح الإجازة في إجازته طرق روايته التي تلقى عنها الحديث حتى يوصلها إلي النبي (صلى الله عليه وآله) أو إلى شخص ثقة يستطيع إيصالها إلى صاحب الرسالة (صلى الله عليه وآله).

وتنتهي سلسلة سند الحديث عند أهل السنة بالنبي (صلى الله عليه وآله) مباشرة، في حين أن السلسلة المذكورة عند الشيعة تنتهي بالنبي (صلى الله عليه وآله) مباشرة أو بصورة غير مباشرة أي عن طريق الأئمة.

ولا تقتصر مهمة الإجازة المذكورة على حفظ سند الحديث بل إنها ساعدت على حفظ سند الكتب التي لا تمت للحديث بصلة، ويذكر مانح الإجازة في الغالب طرق الرواية التي تلقى عنها الكتاب المذكور حتى يوصلها إلى مؤلف الكتاب.

ومن الأمثلة على ذلك الإجازة الخطبة التي توصل سند كتاب (نهج البلاغة) إلى جامعه الشريف الرضي.

وإليك ما يلي من الأمثلة التوضيحية: (وبعد فقد قرأ علي هذه الكلمة من أدعية مولانا وسيدنا الإمام زين العابدين علي ابن الإمام السبط الشهيد أبي عبد الله الحسين ابن إمام المتقين وسيد الوصيين أمير المؤمنين أبي الحسن علي بن أبي طالب (عليه السلام) المولى محمد ابن الشيخ العلامة علي ابن الشيخ بدر الدين حسن الشهير بالجبعي، رفع اللّه درجاتهم في أعلى عليين، قراءة مهذبة مرضية، وأجزت له أدام اللّه أيامه أن يروي ذلك عني فإني رويتها قراءة على عبد الحميد بن السيد جمال الدين أحمد بن علي الهاشمي ورواها عن الشيخ حسن بن سليمان الحلي، بإسناده المتصل إلى سيدنا ومولانا زين العابدين (عليه السلام) فليرو ذلك لمن يشاء وأحب فإنه أهل لذلك، وكتب، علي بن محمد في رابع شهر رمضان المعظم قدره من شهور سنة إحدى وخمسين وثمانمائة).

ويظهر مما سبق أن المجيز أوصل سنده إلى مؤلف الصحيفة السجادية وهو الإمام علي بن الحسين (عليه السلام) أما الإجازات التي تحفظ سند الرواية حتى توصله إلى مؤلف الكتاب. فإليك أمثلة عليها:

(قرأ علي السيد الولد العزيز، أحمد بن أبي المعالي الموسوي، كتاب أسرار العربية، تصنيف الشيخ عبد الرحمن بن محمد بن سعيد الأنباري، وأجزت له روايته عني عن الشيخ، عن والده المصنف المذكور، فليرو ذلك متى شاء وفقه اللّه لمراضيه، وكتب محمد بن أبي الحسن عن الشيخ أبي الرضا في شعبان المعظم سنة ثلاثين وسبعمائة).

(وقرأ علي أيضاً السيد شمس الدين المذكور، كتاب المقامات الحريرية من أوله إلى آخره، وأجزت له روايته عن المصنف). وكان تاريخ الإجازة المذكورة في صفر سنة ثلاثين وسبعمائة أيضاً.

سابعاً: أن أهم نقد وجه للإجازة هو أنها أصبحت بالنسبة لبعض طالبيها بمثابة هواية يعملون على الحصول عليها بوسائل مختلفة. وبلغ الأمر ببعضهم أنهم أخذوا يطوفون على بيوت الشيوخ، ويقتفون خطاهم أينما حلوا. ليحصلوا على إجازاتهم لأولادهم الذين لم يولدوا بعد. كما أن بعض مشاهير الشيوخ أخذوا يمنحون الإجازات طلباً للشهرة.

ثامناً: كانت الإجازات التحريرية المفصلة، خاصة تلك التي لا تكتب على ظهور الكتب بل تكون مستقلة وثائق صحيحة يمكن أن تتخذ بمثابة دليل على ثقافة العلماء الماضين، وما قرؤوه وسمعوه أو أجيز لهم دون قراءة أو سماع، من كتب أو معلومات شفهية.

ولعل ما ذكره الحسن بن يوسف، المعروف بالعلامة الحلي، في إجازته الكبيرة التي منحها لبني زهرة، عن مؤلفاته، وعما قرأه أو سمعه من كتب وعن الإجازات التي أباح له فيها شيوخه نقل العلوم وتحملها عنهم، يساعدنا على معرفة طرف من ثقافة الشيخ المذكور ويمكننا من الوقوف على أنواع العلوم التي قرأها أو سمعها على شيوخه هذا فضلاً عن تلك التي صح له أن يرويها عن طريق الإجازة دون سماع أو قراءة.

يقول الحلي في الإجازة المذكورة (وقد أجزت له أن يروي هو وهم (أخوه وولداه) عني جميع ما صنفته في العلوم العقلية، والنقلية، أو أنشأته، أو قرأته، أو أجيز لي روايته أو سمعته من كتب أصحابنا السابقين وجميع ما أجازه لي المشايخ الذين عاصرتهم).

ثم يفصل العلامة الحلي ما أوجز فيبدأ بذكر شيوخه، وما أخذ عنهم من علوم، فيقول (فمن ذلك جميع ما صنفه والدي سديد الدين، يوسف بن علي المطهر، وقرأه ورواه، وأجيز له روايته عني عنه).

ومن ذلك جميع ما صنفه الشيخ محمد بن الحسن الطوسي وقرأه عني عنه.

ومن ذلك جميع ما صنفه الشيخ السيد نجم الدين أبو القاسم، جعفر بن الحسن بن سعيد، وقرأه ورواه، وأجيز له روايته عني عنه.

ومن ذلك جميع ما صنفه رضي الدين علي وجمال الدين أحمد بن موسى بن طاوس وروياه، وقرآه وأجيز لهما روايته عني عنهما.

وكان ذلك جميع ما صنفه الشيخ السعيد نجيب الدين يحيى بن سعيد، ورواه وأجيز له روايته.

ومن العلامة الحلي أثناء ذكره للشيوخ المذكورين يورد معلوماته عن ثقافة أولئك الشيوخ، ومركزهم الاجتماعي، والديني.

وعندما ذكر الشيخ محمد بن الحسن المعروف بالخاجا نصير الدين الطوسي، مثلاً، أثنى على علمه وخلقه، وبين أنه كان وزيراً للسلطان هولاكو، وعند ذكره لجعفر بن الحسن بن سعيد، وصفه بأنه أفضل أهل عصره في الفقه، ولما ذكر السيدين آل طاووس أثنى على علمهما وبين أنهما كانا ذوي كرامات، ويظهر مما سبق أن الحلي أمدنا في إجازته المذكورة بمعلومات تاريخية وثقافية، عن شيوخه قد لا تتيسر أحياناً في المصادر التاريخية والرجالية.

ثم يستمر الحلي بذكر شيوخه فيقول (ومن ذلك جميع ما صنفه الشيخ المعظم شمس الدين، محمد بن أحمد الكشي، في العلوم العقلية، والنقلية، وما قرأه ورواه وأجيز له روايته عني عنه، وهذا الشيخ كان من أفضل علماء الشافعية، وكان من أنصف الناس في البحث، كنت أقرأ عليه اعتراضات، في بعض الأوقات فيفكر، ثم يجيب تارة، وتارة أخرى يقول حتى نفكر في هذا، عاودني هذا السؤال، فأعاوده يوماً، أو يومين وثلاثة فتارة يجيب، وتارة يقول هذا عجزت عن جوابه).

ومن ذلك جميع ما صنفه شيخنا السعيد نجم الدين علي بن عمر الكاتبي القزويني، أو ما قرأه، ورواه، أو أجيز له روايته عني عنه، كان من فضلاء العصر وأعلمهم بالمنطق، وكان من أفضل علماء الشافعية.

ومن ذلك جميع ما رواه الفاروقي الواسطي، وقرأه وأجيز له روايته. وهذا الشيخ كان رجلاً صالحاً من فقهاء السنة وعلمائهم.

ومن ذلك جميع روايات الشيخ تقي الدين، عبد الله بن جعفر بن علي بن الصباغ الكوفي، ومقروءاته، ومسموعاته وما أجيز له روايته عني عنه. وهذا الشيخ كان صالحاً من فقهاء الحنفية بالكوفة.

وقد يسر لنا العلامة الحلي في الفقرات الأخيرة التي اقتبسناها من إجازته المذكورة، الوقوف على معلومات مفيدة عن بعض التقاليد التربوية الإسلامية المرعية بين الشيخ والتلميذ في عهده، فالحلي كان يذكر فضائل شيخه الشافعي ويبين تواضعه العلمي وذلك أنه كان لا يجيب دون تثبت وروية، وأنه عند عجزه عن الجواب يصارح تلميذه دون تردد.

يضاف إلى ما سبق أن الحلي يبين لنا، في الفقرات الأخيرة أيضاً، أنه تلمذ على عدد من شيوخ أهل السنة رغم أنه شيعي جعفري المذهب وبهذا أظهر الحلي، فضلاً عن سوقه الدليل على وحدة الثقافة الإسلامية، أن الحكمة ضالة المؤمن يبحث عنها أنى وجدها، وأن الاختلاف في المذاهب لا يصلح أن يكون في كل زمان ومكان، عائقاً دون تعاون من اختلفوا في المذاهب في المجالين الفكري والاجتماعي.

ونخلص من تحليلنا السابق للفقرات التي اقتبسناها من إجازة العلامة الحلي لبني زهرة، إلى أن الإجازات التحريرية المفصلة، التي على غرار إجازة الحلي المذكور، وثائق صحيحة يمكن أن تتخذ بمثابة دليل على ثقافة مانحيها وعلم شيوخهم من العلماء. كما أنها تصلح لأن تلقي أضواء عامة على التاريخ الفكري للعصر الذي منحت فيه.

عاشراً: يمكن أن تعد الإجازات من بين الوسائل التي تزودنا بمعلومات جغرافية وتاريخية عن مراكز العلم في العالم الإسلامي، وعن انتقال الأفراد نحوها. ومن الأمثلة التي وردت فيها المعلومات المذكورة إجازة الشيخ محمد بن مكي المعروف بالشهيد الأول إلى الشيخ شمس الدين، أبي جعفر محمد ابن الشيخ تاج الدين أبي محمد عبد العلي بن نجدة.

قال الشهيد الأول: وأجزت له جميع (مصنفات شاذان بن جبرائيل نزيل مهبط وحي اللّه ودار هجرة رسول اللّه) , وقال أيضاً: (وأما مصنفات القاضي الإمام الحبر المحقق خليفة الشيخ أبي جعفر الطوسي في البلاد الشامية عز الدين عبد العزيز بن البراج…), وقال أيضاً: (وأما الخلاصة المالكية الألفية، فإني رويتها بحق قراءة بعضها، وإجازة الباقي على الشيخ العلامة ملك النجاة شهاب الدين أبي العباس أحمد بن الحسن الحنفي فقيه الصخرة الشريفة ببيت المقدس، زاده اللّه شرفاً بحق قراءته على الشيخ الإمام العلامة برهان الدين إبراهيم بن عمر الجعبري بمقام نبي اللّه إبراهيم) , وقال أيضاً: (ومما أرويه كتاب الجامع الصحيح تأليف الإمام المحدث أبي عبد الله محمد بن أسماعيل البخاري عن عدد من العلماء منهم الشيخ الإمام العلامة شرف الدين محمد بن بكتاش التستري ثم البغدادي الشافعي، مدرس المدرسة النظامية والشيخ الإمام القارئ، ملك القراء والحفاظ، شمس الدين، محمد بن عبد الله البغدادي الحنبلي، والشيخ الإمام فخر الدين محمد بن الأعز الحنفي، والشيخ الإمام المصنف المدرس بالمدرسة المستنصرية عن الشيخ الإمام، رحلة الأمصار رشيد الدين، محمد بن أبي القاسم عبد الله بن عمر المقري شيخ دار الحديث بالمستنصرية. وكتب أضعف العباد محمد بن مكي عاشر شهر رمضان المعظم قدره سنة سبعين وسبعمائة).

ويبدو من المقتبسات التي أوردتها آنفاً، أن عدداً من المواقع الجغرافية التي سكنها العلماء الذين وردت أسماؤهم بالإجازة، أصبحت معلومة لنا عن طريق ذكرها فيها، هذا فضلاً عن المؤسسات العلمية التي درس فيها بعض أولئك العلماء.

وبعد ما ذكرناه عن الإجازة وأنواعها وما بيناه من حجج المعارضين لقبولها بين طرق نقل الحديث وتحمله نخرج بنتيجة وهي أن الإجازة، رغم كل حجج المعترضين كانت من التقاليد التعليمية المهمة في النظام التربوي عند المسلمين، وقد عدها كثير من علماء الحديث من بين الوسائل السليمة التي يتم عن طريقها نقل مختلف العلوم وخاصة العلوم الدينية، من جيل إلى جيل.

—————

[۱] رجال النجاشي.

[۲] الأصل هو الكتاب الذي جمع فيه مصنفه الأحاديث التي رواها عن النبي أو الأئمة أو عن الذي روى عنهم. وبلغت عدة الأصول أربعمائة كلها ألفت في عهد الأئمة الذين ينتهي عهدهم في حدود سنة ۲۶۰ هجري.ٍ

الكاتب: عبد اللّه الفياض