أهم جهود النبي(ص) لقيادة الإمام علي(ع)/1

حديث يوم الإنذار

نزل أمر السماء إلى رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) يأمره أن يدعو عشيرته إلى الإسلام ( وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَْقْرَبِينَ ) ( 1 ) ، فدعا النبيّ عشيرته ، ولمّا اجتمعوا عند رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) ، راح يعدّهم لتلقّي ما دعاهم إليه ، وبعد مقدّمات أبلغهم دعوته ، ثمّ انعطف يقول :

” فأيّكم يوازرني على هذا الأمر على أن يكون أخي ووصيّي وخليفتي فيكم ” ، وفي بعض النصوص التاريخيّة : ” خليفتي من بعدي ” .

لم يلبِّ للنبيّ ( صلى الله عليه وآله ) دعوته من الحاضرين غير عليّ بن أبي طالب الذي وثب من بين الجمع مجيباً النبيّ ؛ فما كان من رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) بعد أن سمع جواب عليّ ، إلاّ أن قال على مسمع من الملأ : ” إنّ هذا أخي ووصيّي وخليفتي فيكم ؛ فاسمعوا له وأطيعوا ” .

وهكذا أعلن النبيّ ولاية عليّ بن أبي طالب وإمامته والدعوة لم تزل في أوّل يوم من أيّام مرحلتها العلنيّة . لقد فهم الحاضرون في ذلك اليوم مغزى هذه الرسالة بوضوح ، وأدركوا تماماً من كلام النبيّ ( صلى الله عليه وآله ) إمامة عليّ ولزوم طاعته ، لذلك انبرى بعضهم مخاطباً أبا طالب : ” قد أمرك أن تسمع لابنك وتُطيع ! ” ( 2 ) ، بيد أنّهم عتَوا واستكبروا وأخذتهم العزّة بالإثم ، فأنِفوا أن يستجيبوا للحقّ ، وأن يذعنوا إليه .

لقد دأبنا في صفحات هذه ” الموسوعة ” على ذكر الحديث بطرق مختلفة ونقول متعدّدة ، بحيث لا تُبقي مجالاً للشكّ . ونعطف على ذلك شهادة أبي جعفر الإسكافي المعتزلي الذي عدَّ الحديث صحيحاً ( 3 ) ، كما ذهب إلى الشيء ذاته علماء آخرون منهم شهاب الدين الخفاجي في ” شرح الشفا للقاضي عياض ” ( 4 ) ، والمتّقي الهندي ، الذي ذكر تصحيح ابن جرير الطبري للحديث(5)، وإضافة إلى ذلك ثَمّ آخرون أكّدوا على صحّة حديث الإنذار يوم الدار(6).

أحاديث الوصاية

تهدف الوصاية إلى الحفاظ على الدين وديمومة النهج والطريق ، وهي بهذا اللحاظ سيرة مضى عليها جميع رسل السماء . وفي إطار إشارته إلى هذه الحقيقة في مواضع متعدّدة ومناسبات مختلفة ، سجّل رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) للإمام أمير المؤمنين ( عليه السلام ) موقعه في الوصاية ، فكان ممّا قال : ” إنّ لكلّ نبيّ وصيّاً ووارثاً ، وإنّ عليّاً وصيّي ووارثي ” ( 7 ) .

لقد بلغت أحاديث رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) حيال عليّ ( عليه السلام ) في هذا المعنى حدّاً من الكثرة بحيث أمسى لفظ ” الوصيّ ” نعتاً للإمام أمير المؤمنين ( عليه السلام ) ، وصفة يُعرف بها دون لبس أو غموض .

وعندما كان يُطلق مصطلح ” الوصيّ ” في الأحاديث والكلام والأشعار كانت الغالبيّة من مسلمي صدر الإسلام تفهم منه دلالته على الإمام عليّ ( عليه السلام ) من دون تردّد ، ومن ثَمّ دلالته بالضرورة على الخلافة والإمامة ( 8 ) .

ثمّ جاء الدور لبني أُميّة ، الذي يبدو أنّهم بذلوا جهوداً كبيرة علّهم يطمسون هذا العنوان الوضئ ويُزيلونه عن الإمام ، ويُباعدون بينه وبينه ، فكم بذلوا في سبيل هذا الغرض المنحطّ ، وكم وضعوا من الأحاديث ( 9 ) ، لكن أنّى للحقّ أن يُقهر بحراب أهل الباطل !

أحاديث الوراثة

ألِفَ الذهن الإنساني على الدوام عناوين ” الإرث ” و ” الميراث ” و ” الوراثة ” ، بحيث استوعبت هذه الحقيقة الأُمور الماديّة والمعنويّة ، والناس تُظهر دهشتها – في العادة – لإنسان يسكت عن كيفيّة التصرّف بتركته من بعده ، وما يتركه الناس يتمثّل تارة بالأُمور المادّية وأُخرى بالأُمور والمواريث المعنويّة .

لقد جرت سنّة الإرث ، وتواضع الطبع الإنساني في هذا المجال على وجود الوارث والمؤتمن ، من دون أن يُنكر ذلك أحد ، بل التقى الناس على امتداح هذه السنّة مهما كانت انتماءاتهم الحضاريّة والثقافيّة والفكريّة .

فتعالوا الآن لننظر ماذا فعل رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) بميراثه العظيم ، وهو خاتم النبيّين ، وحامل آخر رسالات السماء ، ومبلّغ دين أبديّ يترامى امتداداً فوق حدود المكان والزمان . إلامَ عَهِد بأمر هذا الدين من بعده ؟ هل أوصى الله سبحانه رسوله الكريم أن يعهد بالأمر إلى شخص محدّد ؟

إنّ أخبار ” الوراثة ” ونصوصها هي جواب جليّ على هذا السؤال المهمّ ؛ فقد راح رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) يُخبر تارة بأنّ اختيار الوارث هي سنّة جرى عليها جميع النبيّين قبله ، ومن ثَمّ يتحتّم عليه بوصفه خاتم المرسلين والحلقة الأخيرة في نبوّات السماء ، أن يختار وارثه ، كما تحدّث أُخرى وبصراحة على أنّ وراثته تكمن بالإمامة والعلم .

وهذا الموقع هو ما أكّد عليه الصحابة أيضاً منذ ذلك العصر ؛ حيث صاروا يُظهرون كلام رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) وتصريحه بهذه الحقيقة في مناسبات ومواضع ومناسبات مختلفة ، كما كانوا أحياناً يُشيرون في كلامهم إلى عليّ بن أبي طالب بموقع الوراثة ومقام الوارث ، من ذلك : سأل عبد الرحمن بن خالد قثم بن العبّاس : من أين ورث عليّ رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) ؟ قال : إنّه كان أوّلنا به لحوقاً ، وأشدّنا به لزوقاً .

لقد ضمّ فصل ” أحاديث الوراثة ” النصوص الروائيّة والتاريخيّة التي تفصح عن هذه الحقيقة من كتب الفريقين ، وهي تُشير إلى الكلمات النبويّة التي ذكر فيها رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) صراحة أنَّ عليّاً وارثه ؛ وارث علمه وخزانته ومكنون معرفته ، ومن ثَمّ فهو بالضرورة إمام الأُمّة ورمز مرجعيّتها الفكريّة والسياسيّة ( 10 ) .

أحاديث الخلافة

” الخلافة ” هي أيضاً تعبير قرآني ، ومصطلح ديني يُشير بوضوح إلى الاستخلاف في الأبعاد المختلفة إلاّ إذا استثني بُعد . وهذا ما يفسّر لنا الجهود الحثيثة التي بذلها الذين أمسكوا بأزمّة أُمور المسلمين بعد رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) ، وما بذلوه من مساع جبّارة كي يلبسوا هذا الرداء ، ويُحكموه على قاماتهم .

كان رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) قد صرّح بخلافة عليّ بن أبي طالب منذ الأيّام الأُولى لإعلان دعوته وإجهاره برسالة السماء ؛ هذا التصريح الذي يمكن تلمّسه في أحاديث كثيرة قالها النبيّ في مواضع متعدّدة ، ومواقع مختلفة ، وهي تُشير إلى حدود هذه الخلافة .

وهذا الجهد النبوي يكشف عن مدى عناية رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) بمستقبل الأُمّة ، واهتمامه الكبير بمصير الرسالة من بعده .

أحاديث المنزلة

من بين أعظم الصفات التي نَحَل بها النبيّ ( صلى الله عليه وآله ) عليّ بن أبي طالب ( عليه السلام ) ، ومن أكثر العناوين النبويّة ألَقاً – ممّا أطلقه النبيّ على الإمام أمير المؤمنين – هو عنوان ” المنزلة ” ، حيث ساوى النبيّ عليّاً بنفسه ، ووصفه أنّه مثله في القيادة . هذه المجموعة من الأحاديث النبويّة تشتهر بين العلماء والمحدّثين بأحاديث المنزلة ، وذلك انسجاماً مع صريح ما يقضي به الكلام النبوي في هذا المضمار .

لقد عبّر رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) عن هذا الموقع الرفيع الذي يحظى به الإمام أمير المؤمنين بصيغ متعدّدة ، مثل قوله : ” أنت منّي بمنزلة هارون من موسى إلاّ أنّه لا نبيّ بعدي ” .

كما صدع بهذه الحقيقة وأعلنها على المسلمين مرّات ومرّات ؛ ليكون بذلك قد أوضح للجميع – وللتاريخ أيضاً – مساواة عليّ ومماثلته له في القيادة . وكان من بين المواضع التي أعلن فيها النبيّ هذا الكلام المعجز حول عليّ ، غزوة تبوك .

ففي ظلّ أوضاع صعبة ومُضنية جهّز النبيّ جيشاً كبيراً ، ثمّ خرج من المدينة قاصداً أن يقاتل به الروم . لقد كانت تبوك هي أقصى نقطة قصدها رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) في حروبه ، وأبعدها عن المدينة جغرافيّاً . وفي المدينة حيث كان يعيش النبيّ استطاع النفاق أن يتبلور آنئذ في إطار حركة منظّمة ، راحت تترصّد الوضع بصدور موبوءة بالحقد والضغينة ، وتخطّط بخفاء كي تنقضّ على المجتمع الإسلامي الفتيّ بضربة قاصمة .

لقد غادر النبيّ المدينة في سفر طويل ، وهو يتوجّس خيفة من فتن المنافقين وكيد الحاقدين ، فماذا يفعل ؟ وكيف يؤمّن وضع المدينة ويطمئنّ عليها ؟

اختار ( صلى الله عليه وآله ) أن يُبقي عليّاً في المدينة ، يخلفه في أهله ، ويصون له دار هجرته ومن بقي من قومه . هكذا مضى الأمر .

وعندما رآى المنافقون والذين في قلوبهم مرض ، أنّ خطّتهم تلاشت بوجود عليّ كما تتلاشى خيوط العنكبوت ، وأحلامهم ضاعت ببقاء الإمام أمير المؤمنين في المدينة ، راحوا يُرجفون بأنّ النبيّ ما ترك عليّاً في المدينة إلاّ لموجدة عليه ، وأنّه لو كان له به غرض لما خلفّه على النساء والصبيان !

راحت شائعات حركة النفاق تزحم أجواء المدينة ، وصارت أراجيفهم تحاصر عليّ بن أبي طالب – ليث الوغى وفارس ساحات الجهاد – وتنهال عليه من كلّ حدب وصوب ، فماذا هو فاعل أمير المؤمنين ؟

سرعان ما لحق برسول الله ( صلى الله عليه وآله ) وقصّ عليه أراجيف المنافقين ، فما كان من النبيّ الأقدس إلاّ أن تحدّث إلى عليّ بما يكشف عن حظوة كبيرة عند النبيّ ، ومكانة لا تُدانيها مكانة أحد من العالمين ، فقال له بفيض حنان : ” ارجع يا أخي إلى مكانك ؛ فإنّ المدينة لا تصلح إلاّ بي أو بك ؛ فأنت خليفتي في أهلي ودار هجرتي وقومي ، أما ترضى أن تكون منّي بمنزلة هارون من موسى إلاّ أنّه لا نبيّ بعدي ؟ ” .

بصراحة لا يشوبها لبس سجّل النبيّ ( صلى الله عليه وآله ) لعليّ بن أبي طالب ( عليه السلام ) جميع ما له من مناصب ومواقع ومسؤوليّات ما خلا النبوّة ، وأوضح دون أدنى شائبة أنّ الإمام أمير المؤمنين هو الذي يجسّد عمليّاً ديمومة الخطّ النبوي ، وينهض بمسؤوليّات النبيّ عند غيابه ، في زعامة الأُمّة وقيادتها ، وممارسة المرجعيّة الفكريّة والعلميّة للرسالة الإسلاميّة .

تسجّل بعض النصوص التاريخيّة أنّ النبيّ ( صلى الله عليه وآله ) خاطب عليّاً بهذه الجملة صراحة : ” إنّه لابدّ من إمام وأمير ؛ فأنا الإمام ، وأنت الأمير ” ( 11 ) .

أحاديث الإمارة

حثّ القرآن جميع المؤمنين ودعاهم بصراحة تامّة إلى إطاعة ” أُولي الأمر ” ( 12 ) ؛ حيث جعل إطاعة هؤلاء واتّباعهم رديفاً لإطاعة الله وإطاعة رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) . والسؤال : من هم مصداق ” أُولي الأمر ” ؟ أفيجوز أنّ نعدّ الطغاة والجبّارين المحترفين – الذين يتسنّمون السلطة متّخذين جماجم الأبرياء سلّماً يرقون به إلى مسند العرش – مصداقاً لأُولي الأمر ؟ أبداً لا يجوز هذا .

فلا ريب أنّ مصداق ” أُولي الأمر ” ينطبق على أُولئك الذين يعيشون حياتهم على نهج نبوي وضّاء ، ويبذلون وجودهم لله ، وفي سبيل الله ، ويُفنون أعمارهم من أجل إعلاء كلمة الحقّ ، وبسط العدالة في ربوع الحياة . وهذا أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب يتبوّأ من هذا العنوان ذروته العليا ، ويقف على أقصى نقطة من قمّته الشاهقة ، كما تفصح عن ذلك الكثير من الأحاديث النبويّة ؛ تلك النصوص الوضّاءة الموحية التي تبعث على الدهشة والجلال .

دعونا نتخطّى ذلك إلى ما هو أبعد منه مدىً وأعمق أثراً ؛ فهذا رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) اختصّ عليّ بن أبي طالب وحده بلقب ” أمير المؤمنين ” ؛ فلا يحقّ هذا اللقب لأحد غيره قط كما نصّ على ذلك صراحة النهي النبوي .

ولدينا فيض من النصوص التي تتحدّث عن هذا المعنى ، وهي من الكثرة بحيث صنّف من بعضها السيّد الأجلّ ، قدوة السالكين ، وأُسوة العابدين وجمال العارفين رضي الدين عليّ بن طاووس الحلّي كتاباً أطلق عليه عنوان : ” اليقين باختصاص مولانا على ( عليه السلام ) بإمرة المؤمنين ” ، والملاحظ أنّ هذه الأحاديث النبويّة تذكر الإمام عليّ بلقب ” أمير المؤمنين ” مرّة ، ولقب ” أمير البررة ” ثانية ، و ” أمير كلّ مؤمن بعد وفاتي ” ثالثة ( 13 ) .

وهذا الإمام الحسن ( عليه السلام ) يشرط على معاوية في معاهدة الصلح أن لا يتسمّى ب‍ ” أمير المؤمنين ” ولا يُطلق على نفسه هذا اللقب ( 14 ) .

أحاديث الإمامة

” الإمام ” في المعنى اللغوي هو المتقدّم ، والمقتدى به ، وقائد القوم ، ورئيس القبيلة ( 15 ) ، وهو في الثقافة القرآنيّة والدينيّة – دون شكّ – قائد الأُمّة في مختلف الأبعاد ، وزعيم الأُمّة في إدارة أُمور المجتمع . هذه الحقيقة يمكن تلمّسها في الرسالتين المتبادلتين بين الإمام أمير المؤمنين ( عليه السلام ) ومعاوية .

لقد تحدّث الإمام في إطار رسالة مطوّلة عن موقعه وموقع أهل البيت ( عليهم السلام ) ، وذكّر بوصايته عن النبيّ ، وخلافته لرسول الله ( صلى الله عليه وآله ) ؛ فما كان من معاوية إلاّ أن قال في الجواب نصّاً : ” ألا وإنّما كان محمّد رسول الله من الرسل إلى الناس كافّة ، فبلّغ رسالات ربّه ، لا يملك شيئاً غيره ! ” وهذا النصّ يحصر وظيفة النبيّ بالتبليغ فقط ؛ فهو مبلّغ رسالة لا أكثر ، وليس بإمام ، ولا زعيم ، ولا قائد ، ولا رجل سياسة ، ولا أيّ شيء آخر .

فردّ الإمام عليّ ( عليه السلام ) على كلام معاوية الذي أنكر فيه بقية شؤون النبيّ ، وفي الطليعة شأنه كإمام ؛ ردَّ عليه بصراحة مسفرة ، وهو يكتب : ” والذي أنكرت من إمامة محمّد ( صلى الله عليه وآله ) ، زعمت أنّه كان رسولاً ولم يكن إماماً ؛ فإنّ إنكارك على جميع النبيّين الأئمّة ، ولكنّا نشهد أنّه كان رسولاً نبيّاً إماماً ” ( 16 ) .

يُسفر هذا الحوار المتبادل في الرسالتين عن موقع الإمامة في الفكر الإسلامي ، وهو إلى ذلك يكشف عن الأسباب الكامنة من وراء عداء بني أُميّة لهذا العنوان .

على ضوء هذا التوضيح يمكن أن نُدرك الآن عمق الأخبار والأحاديث الكثيرة التي أكّد فيها رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) على إمامة عليّ بن أبي طالب ( عليه السلام ) ، من بينها قوله : ” يا عليّ ، أنت وصيّي وخليفتي وإمام أُمّتي بعدي ” أو قوله : ” أنت إمام كلّ مؤمن ومؤمنة ، ووليّ كلّ مؤمن ومؤمنة بعدي ” ( 17 ) وغير ذلك من النصوص التي جاءت تأكيداً وإلفاتاً لديمومة الإمامة في وجود عليّ بن أبي طالب .

أحاديث الولاية

من العناوين البارزة التي جاءت بها الروايات ، وأكّدتها أيضاً آيات تفسّرها أحاديث حيال عليّ بن أبي طالب ( عليه السلام ) ، هو عنوان ” الوليّ ” .

لا جدال في أنّ استعمال مادة ” ول ي ” بمعنى القيّم ، والقائد ، والزعيم ، والأولى بالتصرّف ، والأحقّ بالقيمومة والأمر ؛ هو أمر شائع الاستعمال في الأدب العربي ، كما سنُشير إلى ذلك أثناء دراسة حديث الغدير وتحليله .

إنّ النصوص التي تضمّنت إطلاق رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) عنوان ” الوليّ ” و ” الولاية ” على عليّ بن أبي طالب ، لهي كثيرة في الحديث والأخبار النبويّة ، فلطالما أشار النبيّ إلى عليّ بهذا الوصف الجليل في مواضع كثيرة ، وما أكثر المواقع التي عرض بها هذا العنوان المثير للانتباه .

فخطاب النبيّ بهذه الصيغة : ” يا عليّ ، أنت وليّ الناس بعدي ؛ فمن أطاعك فقد أطاعني ، ومن عصاك فقد عصاني ” ( 18 ) تردّد كثيراً بحيث امتلأت منه مصادر أهل السنّة ومدوّناتهم الحديثيّة ، وقد أوردنا شطراً مهمّاً منها في ظلّ عنوان ” أحاديث الولاية ” ( 19 ) .

إنّ هذه الأحاديث – بالأخصّ حين تأتي بقيد ” من بعدي ” – لا تدع مجالاً للشكّ في أنّ رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) قد حدّد من خلال ذلك طبيعة المسار السياسي الذي يخلفه ، وأومأ بوضوح إلى القيادة السياسيّة التي تتسنّم الأُمور من بعده .

تجلّي الولاية في القرآن

لم يقتصر وصف ” الوليّ ” و ” الولاية ” لعليّ في الحديث النبوي وحده ، بل امتدّ إلى آي القرآن الكريم ، كما دلّلت على ذلك روايات كثيرة ، ومن بين هذه الآيات قوله سبحانه : ( إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آَمَنُواْ الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَوةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَوةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ ) ( 20 ) إذ ليس ثمّ شكّ في شأن نزول هذه الآية وانطباقها على الإمام عليّ ( عليه السلام ) في إطار الواقعة المعروفة ؛ حيث دخل سائلٌ المسجد ، فأومأ إليه الإمام بإصبعه ، فأقبل السائل حتى أخذ الخاتم من خنصره وانصرف .

لقد وثّق هذه الواقعة عدد كبير من المحدّثين والمفسّرين ، وذكروا صراحة أنّ الآية نزلت بشأن عليّ ( عليه السلام ) ( 21 ) . لكن يبدو أنّ بعض المفسّرين لم يرُق لهم أن يُسفر الحقّ ويرمي بضيائه على الأُفق ، فلاذوا بشُبَه راحوا يُثيرونها ، وجنحوا إلى تسويفات واهية علّهم يقلبوا الحقيقة ، ويكفئوا الحقّ على وجهه ؛ فقالوا – مثلاً – : إنّ ( الَّذِينَ ) جمع ، فكيف ينطبق على عليّ ( عليه السلام ) وهو واحد !

لقد نسوا – وربّما تناسوا – أنّ هذا مألوف ، واستعماله شائع في الأدب العربي ، كما كثُر في القرآن ؛ إذ يجيء الخطاب للجماعة مع أنّ المراد واحد بهدف التكريم أو أيّ باعث آخر ، كمثل قوله سبحانه : ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِم بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُواْ بِمَا جاءَكُم مِّنَ الْحَقِّ يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْ أَن تُؤْمِنُواْ بِاللهِ رَبِّكُمْ إِن كُنتُمْ خَرَجْتُمْ جِهَدًا فِي سَبِيلِي وَأُبْتِغَآءَ مَرْضَاتِى تُسِرُّونَ إِلَيْهِم بِالْمَوَدَّةِ وَأَنَا أَعْلَمُ بِما أَخْفَيْتُمْ وَما أَعْلَنتُمْ وَمَن يَفْعَلْهُ مِنكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَآءَ السَّبِيلِ ) ( 22 ) ؛ فلا جدال أنَّ الآية نزلت في حاطب بن أبي بلتعة بعدما بعث كتاباً إلى قريش ، كما ذكر ذلك المفسّرون ( 23 ) .

كذلك قوله سبحانه : ( فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ يُسَرِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشَى أَن تُصِيبَنَا دائرَةٌ ) ( 24 ) ، حيث قصدت الآية عبد الله بن أُبَيّ كما أجمع المفسّرون على ذلك في شأن النزول ( 25 ) .

على هذا يتّضح أنّ إيرادات هذا البعض من المفسّرين لم تأتِ بباعث البحث الناشئ عن الشكّ في فضيلة عظيمة كهذه . على أنّ أمثال هذه المواقف كثير وليس بعزيز .

ثمّ إنّ الآية تحصر ” الولاية ” من دون لبس ب‍ ” الله ” ، و ” الرسول ” و ” عليّ ” .

ومن الجليّ أنّه لو كان معنى الولاية في الآية هو ” النصرة ” أو ” المحبّة ” فلا معنى للتخصيص ، ولن يكون هناك ما يسوّغ الحصر ( 26 ) .

لقد قصدنا في هذا المدخل أن نتابع تلك الجهود الحثيثة التي بذلها رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) لتعيين الإمامة من بعده ، وتحديد الهادي الذي يأخذ بيد الأُمّة في المستقبل . كما جاءت الإشارة إلى هذه الآيات – كمثال – لتسلّط الضوء على دور الوحي في هذه المهمّة التي بلغ فيها رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) الذروة لأجل تثبيت الولاية ، من خلال ما نهض به عمليّاً من تفسير هذه الآيات وتبيينها .

أحاديث الهداية

إمامة الأُمّة هي هداية الناس إلى المنزل المقصود ، وتوجيهها صوب المقصد الأعلى ، وسوقها تلقاء الكمال الإنساني الميسور . وعلى هذا ، أفيمكن لمن لم يتوفّر على الهداية الكاملة ، ولم يعِش الدين إدراكاً عميقاً في وجوده أن يأخذ بيد المجتمع صوب تلك الهداية ؟ أو يكون لمن لا يهتدي إلاّ أن يُهدى أن يتبوّأ هذا الموقع ؟ لقد أوضح النبيّ أنّ هادي الأُمّة والإمام الذي يأخذ بيد المؤمنين إلى برّ الأمان في المستقبل هو عليّ بن أبي طالب . فأمير المؤمنين ( عليه السلام ) هو الذي يسوق الأُمّة صوب الحقيقة ، ويأخذ بيدها إلى الينابيع الصافية النقيّة ، وهو الذي يتبوّأ في الأُمّة موقع الهداية بعد النبيّ .

هذا ما أفصح عنه رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) حين عدّ عليّاً ” هادي ” الأُمّة ، والمصداق الرفيع لهذا الموقع وهو يفسّر قوله سبحانه : ( إِنَّمَا أَنتَ مُنذِرٌ وَلِكُلِّ قَوْم هَاد ) ( 27 ) بقوله ( صلى الله عليه وآله ) : ” المنذر أنا ، والهادي عليّ بن أبي طالب ” ( 28 ) .

أحاديث العصمة

إنّ ” العصمة ” بمعنى الوقاية من الذنب والخطأ والجهل ، والاحتراز من الاعوجاجات التي تشوب السلوك ، هي من الخصائص الحتميّة لرسل السماء ؛ ويبدو أن ليس هناك نحلة أو فرقة من المسلمين تشكّ في ضرورة عصمة الأنبياء ، فالأنبياء ( عليهم السلام ) معصومون بنصّ القرآن ، وهذه حقيقة أجمع عليها المتكلّمون والعلماء ؛ إذ ليس هناك من يناقش في أصل العصمة وضرورتها ، إنّما يمكن أن يكون لبعضهم كلام في حدّها وحدودها .

أمّا عقيدة الشيعة التي تستند إلى ” النصّ ” على الإمامة بعد رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) ، وتركّز على أنّ الإمامة قائمة على أساس النصوص الثابتة ، فهي تؤمن بأنّ جميع خصائص رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) – ما خلا النبوّة – تتجسّد في الإمام ، وتواصِل حضورها في خليفته من بعده ، وهي تعدّ ذلك أمراً قطعيّاً على أساس نصوص كثيرة ودلائل عقليّة وافرة نُقّحت في مظانّها .

لقد ركّز علماء الشيعة ومتكلّموهم على هذا الأصل إزاء بقيّة الفرق الإسلاميّة ، وعدّوا هذا الموقع ضرورياً لخليفة النبيّ ، وذلك في مقابل التيّارات الأُخرى في الساحة الإسلاميّة من تلك التي لم تتبنّ ضرورة النصّ ، على أنّ طبيعة هذه المواقف ، وتحليل خلفيّاتها التاريخيّة وبناها الفكريّة ، هو أمر خارج عن نطاق هذا البحث .

لكن يحسن بنا الآن أن نتوقّف مع ملاحظة سريعة ، قبل أن نواصل متابعة الجهود النبويّة لتشييد قواعد الإمامة العلويّة ، وتثبيت إمامة عليّ بن أبي طالب ( عليه السلام ) ، وطبيعة النهج الذي اعتمده رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) لعرض هذه الحقيقة ؛ فقد استند متكلّمو الشيعة ومفسّروهم منذ القدم إلى ” آية التطهير ” من بين ما استندوا إليه في إثبات عصمة ” الأئمّة ” وطهارة ” أهل البيت ” ، وهو استدلال متين كشف عن قوّته وإحكامه في الدراسات المختصّة بذلك . بيد أنّ ما يعنينا أمره في هذا المجال ، وله صلة وثيقة ، بل ضروريّة ببحثنا ، هو معرفة طبيعة عرض هذه المسألة ، والكيفيّة التي استند إليها رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) في بيانها ، وهنا بالذات تكمن الملاحظة التي أحببنا المكوث عندها قليلاً .

لقد مضت على رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) – بعد أن تلا آية التطهير على المسلمين – أيّام وأشهر طويلة وهو يقف إلى جوار بيت عليّ ، وينادي إذا حضر وقت الصلاة :

” الصلاة يا أهل البيت ” ( 29 ) . على هذا ليس هناك شكّ في أنّ ” أصحاب الكساء ” هم مصداق ” أهل البيت ” ، وأنّ عليّ بن أبي طالب ( عليه السلام ) هو سيّد أهل البيت وذروة السنام فيه . إنّما الذي يحظى بأهمّية أكبر بنظرنا هو ما كان يفعله الرسول في ثنايا تركيزه على الإعداد لقيادة المستقبل ، وكجزء من برنامجه لإعلان الإمامة التي تخلفه ، إلى جوار تأكيده على التصريح بطهارة أهل البيت وعصمتهم ، وحتى بعد إعلان هذه الفضيلة راح يكرّر على الدوام قوله ( صلى الله عليه وآله ) : ” أنا حرب لمن حاربكم ، وسلم لمن سالمكم ” ( 30 ) ، فماذا يعني هذا التكرار ، وما هو مغزاه ؟ يبدو أنّ رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) كشف للأُمّة – من خلال تفسيره النافذ البصير لقوله سبحانه : ( وَمَا جَعَلْنَا أُلرُّءْيَا الَّتِى أَرَيْنَكَ إِلاَّ فِتْنَةً لِّلنَّاسِ وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي الْقُرْءَانِ ) ( 31 ) – عن وجود أُسرة ستنقضّ على المجتمع الإسلامي ، وتسومه الأذى والعذاب والظلم ، وبتشبيهه حركة هذه الأُسرة بنزو القردة كشف عن هويّتها القرديّة ، وحذّر الأُمّة من أن تترك أُمور دينها تقع في يوم من الأيّام بيد رجال هذه العشيرة ، أو أن تكون قيم هذا الدين ومثله العليا لعبة بأيديهم يعبثون بها كيفما شاؤوا ( 32 ) . على الجانب الآخر من المشهد ، حرص رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) – من خلال التركيز على طرح ” أهل البيت ” كأناس مطهّرين ، وثلّة معصومة نقيّة من المثالب والعيوب – أن يسجّل للأُمّة خطّ الإمامة المعصومة ، والقيادة النزيهة للمستقبل ( 33 ) .

وكان لآية التطهير الدور العظيم في بيان فضائل ” آل الله ” والكشف عن مناقبهم ومنزلتهم الرفيعة ، وعلى هذا الضوء يتبيّن أنّ السرّ من وراء كلّ هذه الجهود النبويّة في الكشف عن مقصود الآية وتحديد مرادها ، وكذلك ما بذله الأئمّة ( عليهم السلام ) على هذا الصعيد ، وأيضاً ما قام به الأُمويّون في المقابل ومفسّروا البلاط من سعي هائل لصرف الآية عن ” آل الله ” أو إشراك الآخرين معهم في هذه الفضيلة على أقلّ تقدير ، إنّما يكمن في مفهومها الرفيع ، وما تنطوي عليه من دلالة قاطعة على طهارة الإمام أمير المؤمنين وعصمته ، ومن ثَمّ عصمة أهل البيت بالضرورة .

ولم تكن هذه الآية وحدها في الميدان ، فبالإضافة إلى آية التطهير والجهود النبويّة الحثيثة التي بذلها رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) في إبلاغها وتطبيقها على أهل البيت ( عليهم السلام ) ، توالت إلى جوارها روايات كثيرة نعت فيها النبيّ عليّ بن أبي طالب بالصدق والطهارة والنقاء والتزام الحقّ واستقامة السلوك وطُهر الفطرة ، ثمّ توّج ذلك كلّه بالإعلان أنّ عليّاً هو عدل القرآن ، ومعيار الحقّ ، والميزان الذي يفرّق بين الحقّ والباطل ، وبين الضلالة والصواب ، وهو فصل الخطاب . وفي ذلك دلالة قاطعة على أنّ من ينبغي أن يكون الأُسوة والإمام ، والقائد والمنار ، والزعيم والمولى هو عليّ بن أبي طالب لا غير .

ثمّ انظروا وتأمّلوا في قوله ( صلى الله عليه وآله ) : ” عليّ مع القرآن ، والقرآن مع عليّ ” ، ” عليّ مع الحقّ ، والحقّ مع عليّ ” ، ” عليّ على الحقّ ؛ من اتّبعه اتّبع الحقّ ، ومن تركه ترك الحقّ ” ، ” عليّ مع الحقّ والقرآن ، والحقّ والقرآن مع عليّ ” .

ماذا يعني هذا ؟ يعني أنّ عليّاً ثابت لا يزيغ ، صلبٌ لا تتعثّر به خطاه ، يقف في أعلى ذرى الاستقامة والصلاح ، لا يعرف غير الحقّ والصواب . إنّ عليّاً ليحمل على جبهته الوضيئة عنواناً رفيعاً اسمه ” العصمة ” ، ومن ثمّ ستكون الأُمّة في أمان من نفسها ، وسلامة من دينها وهي تهتدي بهدي عليّ ، وتقتدي به أُسوة ومناراً .

لقد توفّر هذا الفصل على بيان هذه الإشارات تفصيلاً من خلال النصوص الكثيرة التي رصدها ( 34 ) .

أحاديث العلم

يتبوّأ رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) المرجعيّة الفكريّة للأُمّة بالإضافة إلى الزعامة السياسيّة كما سلفت الإشارة لذلك ، فالأُمّة تواجه في معترك حياتها عشرات المعضلات الفكريّة على الصعيدين الفردي والاجتماعي ؛ فمن الذي يتولّى تذليل هذه العقبات ؟ ومن الذي يُميط اللثام عمّا يواجهه المجتمع من مشكلات معرفيّة ، ويفسّر للناس آيات القرآن ، ويعلّم الأُمّة أحكام دينها وكلّ ما يمتّ بصلة إلى المرجعيّة العلميّة والفكريّة ؟ ومَن الذي أراد له رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) أن يتبوّأ هذا الموقع في المستقبل بحيث تلوذ به الأُمّة ، وتلجأ إليه بعد رحيل النبيّ ؟

لقد ضمّت المصادر القديمة نصوصاً نبويّة مكثّفة تدلّ بأجمعها على أنّ النبيّ اختار عليّ بن أبي طالب للمرجعيّة العلميّة والفكريّة من بعده ، منها الحديث النبوي الكريم : ” أنا مدينة العلم ، وعليّ بابها ” فعلاوة على شوق عليّ ( عليه السلام ) إلى العلم ، وتطلّعاته الذاتيّة إلى المعرفة ، وتوقه الشديد للتعلّم ، واستعداده الخاصّ على هذا الصعيد ، كان رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) لا يُخفي حرصه على إعداد عليّ إعداداً علميّاً خاصّاً ، وزقّهِ العلم زقّاً ، وإشباع روحه بالمعرفة ، والفيض عليه من الحقائق الربّانيّة العُليا .

لقد جاء الكلام النبوي الكريم : ” أنا مدينة العلم وعليّ بابها ؛ فمن أراد المدينة فليأتِ الباب ” ليدلّ دلالة قاطعة لا يشوبها أدنى لبس ، على أنّ العلم الصحيح عند عليّ وحسب لا عند سواه ( 35 ) .

لقد طلب النبيّ عليّ بن أبي طالب في اللحظات الأخيرة من حياته ، وراح يسرّ له بينابيع المعرفة ، فقال عليّ بعد ذلك واصفاً الحصيلة التي طلع بها من إسرار النبيّ له : ” حدّثني ألف باب ، يَفتح كلُّ باب ألفَ باب ” . وهذه هي الحقيقة ، يدلّ عليها قول رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) : ” أنا دار الحكمة ، وعليّ بابها ” .

ثمّ هل انشقّت الحياة الإنسانيّة عن إنسان غير عليّ يقول : ” سلوني قبل أن تفقدوني ” ؟ وهل عرفت صفحات التاريخ من ينطق بهذا سوى أمير المؤمنين ؟

لقد أجمع الصحابة على أعلميّة عليّ بن أبي طالب ، وتركوا للتاريخ شهادة قاطعة تقول : أفضلنا عليّ . ولِمَ لا يكون كذلك والإمام أمير المؤمنين نفسه يقول : ” والله ما نزلت آية إلاّ وقد علمت فيمَ نزلت ، وأين نزلت ، وعلى من نزلت ؛ إنّ ربّي وهب لي قلباً عقولاً ، ولساناً ناطقاً ” .

وما أسمى كلمات الإمام الحسن ( عليه السلام ) وما أجلّ كلامه وهو يقول بعد شهادة أمير المؤمنين : ” لقد فارقكم رجل بالأمس لم يسبقه الأوّلون بعلم ولا يُدركه الآخرون ” .

إنّ هذا وغيره – وهو كثير قد جاء في مواضع متعددة – ليشهد أنّ رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) قصد من وراء التركيز على هذه النقطة – التي أقرّ بها الصحابة تبعاً للنبيّ – أن يعلن عمليّاً عن المرجع الفكري للأُمّة مستقبلاً ، ويحدّد للأُمّة بوضوح الينبوع الثرّ الذي ينبغي أن تستمدّ منه علوم الدين ( 36 ) .

ــــــــــــــــــــــــــــ

( 1 ) الشعراء : 214 .

( 2 ) راجع : القسم الثاني / المؤازرة على الدعوة . ولمزيد الاطّلاع على تفاصيل واقعة يوم الإنذار أو يوم الدار في المصادر التاريخيّة ، راجع : تاريخ الطبري : 2 / 319 والصحيح من سيرة النبيّ : 3 / 61 حيث رصد عدداً كبيراً من مصادر هذه الواقعة .

( 3 ) شرح نهج البلاغة : 13 / 244 ؛ الغدير : 2 / 279 .

( 4 ) نسيم الرياض في شرح الشفاء : 3 / 35 .

( 5 ) كنز العمّال : 13 / 128 / 36408 .

( 6 ) راجع : كتاب ” حديث الإنذار يوم الدار ” ورسالة الثقلين / العدد 22 ص 111 .

( 7 ) تاريخ دمشق : 42 / 392 / 9005 . راجع : أحاديث الوصاية .

( 8 ) راجع : منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة : 16 / 19 ومعالم المدرستين : 1 / 289 فما بعد ، وهو بحث جدير بالقراءة .

( 9 ) لمزيد الاطّلاع على هذا الاتّجاه ونشاطاته وأفعاله راجع : معالم المدرستين : 1 / 483 .

( 10 ) راجع : أحاديث الوراثة .

( 11 ) راجع : أحاديث المنزلة .

( 12 ) إشارة إلى الآية 59 من سورة النساء .

( 13 ) راجع : أحاديث الإمارة ، وكتاب ” اليقين باختصاص مولانا على ( عليه السلام ) بإمرة المؤمنين ” .

( 14 ) علل الشرائع : 212 / 2 .

( 15 ) العين : 8 / 428 .

( 16 ) الغارات : 1 / 203 .

( 17 ) راجع : أحاديث الإمامة .

( 18 ) الأمالي للمفيد : 113 / 5 .

( 19 ) راجع : أحاديث الولاية .

( 20 ) المائدة : 55 .

( 21 ) راجع : أحاديث الولاية / ولاية عليّ ولاية الله والرسول .

( 22 ) الممتحنة : 1 .

( 23 ) تفسير الطبري : 14 / الجزء 28 / 58 ؛ تفسير التبيان : 9 / 575 .

( 24 ) المائدة : 52 .

( 25 ) تفسير الطبري : 4 / الجزء 6 / 278 ، الوسيط في تفسير القرآن المجيد : 2 / 197 ، زاد المسير : 2 / 289 .

( 26 ) راجع : أحاديث الولاية / ولاية عليّ ولاية الله والرسول . ولمزيد الاطّلاع على تفسير الآية راجع : الميزان في تفسير القرآن : 6 / 8 والكشّاف : 1 / 347 .

( 27 ) الرعد : 7 .

( 28 ) راجع : أحاديث الهداية .

( 29 ) أهل البيت في آية التطهير : 40 – 45 .

( 30 ) لمزيد الاطّلاع على صيغ الحديث وطرقه راجع : أهل البيت في الكتاب والسنّة : 165 .

( 31 ) الإسراء : 60 .

( 32 ) لمزيد الاطّلاع على تفسير الآية وتحذير النبيّ ( صلى الله عليه وآله ) راجع : شرح نهج البلاغة : 9 / 218 ، حيث نقل ابن أبي الحديد ذلك عن المفسّرين ، وقد ذكر في ج 15 / 175 : أنّه لا خلاف بين أحد في أنّه تعالى وتبارك أراد بها بني أُميّة . وتاريخ الطبري : 10 / 58 والنزاع والتخاصم : 79 وتفسير القرطبي : 10 / 286 وفتح القدير : 3 / 239 والدرّ المنثور : 5 / 310 وتفسير نور الثقلين : 3 / 179 وغير ذلك .

( 33 ) راجع : معالم الفتن : 1 / 43 – 121 . وقد استطاع الباحث سعيد أيّوب بذكاء يستحقّ الثناء أن يجمع الآيتين في أُفق واحد ، استشرف منه تحذير الأُمّة الإسلاميّة من المستقبل ، وتوجيهها للتمييز بين خطّين ؛ خطّ العصمة والطهارة ، وخطّ الرجس والفساد ، وحثّها على التزام جانب الحذر في اختيار من يتبوّأ نظام المجتمع ، كي تأمن العواقب الوخيمة .

( 34 ) راجع : أحاديث العصمة .

( 35 ) لمزيد الاطّلاع على توثيق صيغ الحديث وضبط طرقه وأسانيده ، وما يتّصل به من نقاط مهمّة راجع : نفحات الأزهار : ج 10 و 11 و 12 .

( 36 ) راجع : القسم الحادي عشر .

المصدر: موسوعة الإمام علي(ع) في الكتاب والسنة والتاريخ / الشيخ محمد الريشهري