أهم جهود النبي(ص) لقيادة الإمام علي(ع)/2

أحاديث إثنا عشر خليفة

من بين الأحاديث المهمّة الجديرة بالتأمّل بشأن مستقبل الأُمّة ، هي تلك التي تتحدّث عن عدد خلفاء الرسول ( صلى الله عليه وآله ) .

إنّ هذه الأحاديث الوفيرة التي جاءت في نقول متعدّدة ، وطرق مختلفة وصحيحة ( 37 ) ، لتُشير إلى أنّ خلفاء النبيّ اثنا عشر خليفة .

تُطالعنا إحدى صيغ الحديث بالنصّ التالي : ” لا يزال الدين قائماً حتى تقوم الساعة أو يكون عليكم اثنا عشر خليفة كلّهم من قريش ” ( 38 ) .

وقد جاء في نصّ آخر بالصيغة التالية : عن جابر بن سمرة قال : كنت مع أبي عند النبيّ ( صلى الله عليه وآله ) فسمعته يقول : ” بعدي اثنا عشر خليفة ” ، ثمّ أخفى صوته ، فقلت لأبي : ما الذي أخفى صوته ؟

قال : قال : ” كلّهم من بني هاشم ” ( 39 ) .

وفي نصّ آخر : ” يكون من بعدي اثنا عشر أميراً ” ( 40 ) .

ما الذي قصده رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) من هذه الأحاديث ؟ هل تحدّث عن واقع سوف يحصل أم رام الحديث عن حقيقة ينبغي أن تكون ؟ هل رام أن يستشرف المستقبل ليشير إلى الذين سيخلفونه في الواقع التاريخي ، ويتسنّمون هذا الموقع من بعده أم أنّه استند إلى حقيقة تنصّ صراحة أنّ خلفاءه اثنا عشر خليفة ، وأنّ هؤلاء هم الذين ينبغي أن يكونوا خلفاء ، ليس من ورائهم أحد حتى آخر الدهر ؟

لا يبدو أنّ هناك شكّ في أنّ رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) كان بصدد إعلان الخليفة ، وتحديد من يتبوّأ مكانه ويمارس الحاكميّة على الأُمّة كما يمارسها هو ، ويواصل نهج النبيّ في الخلافة .

بيد أنّ البعض سعى إلى اصطناع مصاديق لهذا الكلام الإلهي الذي نطق به الرسول ( صلى الله عليه وآله ) تتطابق ورغباته ( 41 ) ، فذهب إلى أنّ المراد من الاثني عشر هم الخلفاء الأربعة ، ومعاوية وولده يزيد وهكذا ! ( 42 )

وعلى طبق هذا التفسير يكون النبيّ ( صلى الله عليه وآله ) قد نصب هؤلاء خلفاء له ، وأهاب بالأُمّة اتّباعهم وإطاعتهم والتسليم إليهم ! أي طاعة يزيد وعبد الملك بن مروان وأضرابهم ، ( كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَهِهِمْ إِن يَقُولُونَ إِلاَّ كَذِبًا ) ! ( 43 )

كيف يمكن تصوّر رسول الكرامة والإنسانيّة ، ومبعوث الحريّة والقيم العليا ، وهو يختار لخلافته الظلمة والفسّاق ، ويحثّ الأُمّة على طاعة المجرمين والفاسدين ؟ ! ( 44 ) لا جدال أنّ من يُذعن لأصل الرواية – ولا مفرّ من ذلك – يتحتّم عليه التسليم لتفسير الشيعة الذي يذهب إلى أنّ هؤلاء الخلفاء هم عليّ وآل عليّ ( عليهم السلام ) ، كما ذكرت ذلك بعض الروايات عن رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) ، وأتت على أسمائهم صراحة ،

حيث يمكن أن يُلحظ ما يلي :

1 – إنّهم اثنا عشر معروفون ينطبقون – في عددهم وأسمائهم – مع الحديث .

2 – إنّ الأئمّة من قريش ؛ وهم من قريش .

3 – رأينا بعض الروايات تحمل في ذيلها عبارة : ” كلّهم من بني هاشم ” .

والأمر كذلك في عليّ وآل عليّ ( عليهم السلام ) ؛ فهم جميعاً من بني هاشم ، يؤيّد ذلك الكلام العلوي المنيف الذي يقول فيه أمير المؤمنين ( عليه السلام ) : ” إنّ الأئمّة من قريش غُرِسوا في هذا البطن من هاشم ، لا تصلح على سواهم ، ولا تصلح الولاة من غيرهم ” ( 45 ) .

4 – إنّهم من أهل بيت رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) ، وهذا يتطابق مع ما سبق وقد ذكرناه في الصفحات السابقة ، كما يتوافق مع نصوص كثيرة ستأتي الإشارة إليها لاحقاً .

5 – كما أنّه يتطابق بدقّة مع ما جاء عن أئمّة أهل البيت ( عليهم السلام ) في تفسير هذه الجملة – كما سلفت الإشارة لذلك – حيث ذُكرت أسماء هؤلاء الخلفاء الكرام بشكل كامل وتامّ .

6 – على أساس روايات كثيرة تحدّث رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) عن دوام إمامة المهدي ( عليه السلام ) واستمرارها إلى ما قبل القيامة ، والمهدي المنتظر هو الحلقة الأخيرة في سلسلة الأئمّة الاثني عشر في المعتقد الشيعي . من هذه الروايات :

* المهديّ منّا أهل البيت يُصلحه الله في ليلة ( 46 ) .

* المهديّ من عترتي من ولد فاطمة ( 47 ) .

* لو لم يبقَ من الدنيا إلاّ يوم لبعث الله عزّوجلّ رجلاً منّا يملؤها عدلاً كما مُلئت جَوراً ( 48 ) .

* لا تقوم الساعة حتى يلي رجل من أهل بيتي يواطئ اسمه اسمي ( 49 ) .

* الأئمّة بعدي اثنا عشر ؛ تسعة من صلب الحسن ، والتاسع مهديّهم ( 50 ) .

واستكمالاً للحديث في هذا المضمار نعرض فيما يلي عدداً من النقاط الأُخرى :

1 – يُعدّ حديث ” اثنا عشر خليفة ” أو ” اثنا عشر أميراً ” المروي عن جابر بن سمرة ، من الأحاديث المشهورة التي أُخرجت بطرق متعدّدة كما أسلفنا الإشارة إلى ذلك . والذي عليه عقيدة أغلب الذين وثّقوا الحديث ورووه أنّ الرسول ( صلى الله عليه وآله ) أدلى به في ” حجّة البلاغ ” ، بيد أنّ عمليّة دراسة طرق الحديث وتحليل صيغه الروائيّة تدلّ بوضوح أنّ رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) أدلى بهذا الحديث في مكانين ، هما :

أ : مسجد النبي

وفاقاً لرواية مسلم وأحمد بن حنبل ، جاء نصّ جابر بالصيغة التالية : ” سمعت رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) يوم الجمعة عشيّة رجم الأسلمي ، يقول : لا يزال الدين ” ( 51 ) إلى آخر النصّ . المعلوم أنّ ماغر بن مالك الأسلمي المذكور في النصّ قد تمّ رجمه بالمدينة جزماً ( 52 ) . علاوة على ذلك ثمّة نصوص أُخرى تتحدّث صراحة أنّ الراوي سمع الحديث في مسجد النبيّ ( صلى الله عليه وآله ) ، كما في قوله : ” جئت مع أبي إلى المسجد والنبيّ يخطب ” إلى آخر الحديث ( 53 ) ، حيث يدلّ لفظ ” المسجد ” في الرواية على المسجد النبوي ظاهراً .

ب : حجّة البلاغ

هذه المجموعة من الأخبار مرويّة عن جابر بن سمرة بن جندب أيضاً ، وقد ذكر فيها أنّه سمع مقالة النبيّ هذه في ذلك الموسم العظيم ( 54 ) ( حجّة البلاغ أو حجّة الوداع ) ، وفي الموقف بعرفات ( 55 ) .

2 – إنّ استثمار رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) للموسم ، وتوظيفه لاجتماع الأُمّة العظيم في عرفات ؛ لكي يعلن هذه الحقيقة ويصدع بها ، لهو أمر خليق بالاعتبار ، وينطوي على الدروس والعِبَر . فقد حرص النبيّ ( صلى الله عليه وآله ) على أن يستفيد من هذا الحشد الكبير في الإعلان عن ” حديث الثقلين ” ، وذلك في واحدة من المرّات المتكرّرة التي كان النبيّ قد أعلن فيها هذا الحديث المصيري على الأُمّة .

بشكل عامّ عندما نطلّ على هذه المراسم نجدها شهدت عرض ” الثقلين ” بوصفهما معاً السبيل إلى هداية الأُمّة ، وفي المشهد ذاته تمّ تحديد مصاديق العترة والإعلان عنها بوضوح ، وفي الذروة الأخيرة من هذا الموسم سجّل المشهد نزول آية ” إكمال الدين ” وإعلان الولاية ، هذا الإعلان الذي ترافق مع إنذار للنبيّ ( صلى الله عليه وآله ) يفيد أنّ عدم إبلاغه ما أُنزل إليه من ربّه يتساوق مع ضياع الرسالة وعدم إبلاغها بالمرّة .

بعبارة أُخرى : كأنّ المشهد يُخبرنا بوقائعه وما حصل فيه ، أنّ رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) كان في الموسم هذا بشأن أن يُلقي على الأُمّة نظرة مستأنفة في جميع محتويات الرسالة ، ويستعيد أُمور هذا الدين ، وقد راح في الأيّام الأخيرة من سفره يركّز على الحجّ والولاية أكثر . لننظر إلى الإمام الباقر ( عليه السلام ) وهو يقول : ” حجّ رسول الله . . . ” ( 56 ) .

3 – تنطوي بعض صيغ الحديث ونقوله على نقطة تستثير السؤال وتستحق التأمّل ؛ فقد انطوت بعض نقول الحديث على جملة : ” كلّهم من قريش ” ، وهي تدلّ على أنّ جابراً لم يسمع هذه الجملة ، فسأل عنها أباه ، فذكر له أنّ النبيّ ( صلى الله عليه وآله ) قال في تتمّة الحديث : ” كلّهم من قريش ” أو ” كلّهم من بني هاشم ” .

هذه الصيغ على ثلاثة أضرب ، هي :

أ : إنّ جابراً قال فقط : ” ثمّ قال كلمة لم أفهمها ” ( 57 ) .

أو : ” ثمّ تكلّم بكلمة خفيت عليّ ” ( 58 ) من دون إيضاح علّة خفاء الصوت ، وسبب عدم السماع .

ب : وفي بعضها عزى جابر عدم سماعه تتمّة الحديث إلى النبيّ ( صلى الله عليه وآله ) قائلاً : ” ثمّ خفّض صوته ، فلم أدرِ ما يقول ” ( 59 ) .

أو : ” ثمّ همس رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) بكلمة لم أسمعها ، فقلت لأبي : ما الكلمة التي همس بها النبيّ ( صلى الله عليه وآله ) ؟ ” ( 60 ) .

أو : ” ثمّ أخفى صوته ، فقلت لأبي : قد سمعت رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) يقول : يكون بعدي اثنا عشر أميراً ، فما الذي أخفى صوته ؟ قال : كلّهم من قريش ” ( 61 ) .

ج : ذكر في بعضها أنّ سبب عدم سماع كلام النبيّ كان لغط الناس واهتياجهم ، حيث ضاع كلام رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) ولم يعد يُسمع وسط ضجيج الحاضرين وصراخهم . والذي يبعث على الدهشة والأسى أنّ النبيّ ( صلى الله عليه وآله ) في الوقت الذي كان يتحدّث فيه إلى الناس ، نجد الذين يستمعون إليه يرفعون أصواتهم خلافاً لصريح الأمر الإلهي : ( لاَ تَرْفَعُواْ أَصْوَتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِىِّ ) ( 62 ) ، وقد علت أصواتهم وزاد اهتياجهم حتى لم يعد يتميّز كلام النبيّ وما يقوله في هذا الضجيج ، بحيث لم يكن بمقدور الراوي – جابر – أن يتابع بقيّة الكلام ، فلاذ بالآخرين ، فذكروا له أنّ النبيّ ( صلى الله عليه وآله ) قال : ” كلّهم من قريش ” . لقد جاءت صيغ متعدّدة تدلّ على هذا المعنى ، منها :

* ” ثمّ لغط القوم وتكلّموا ، فلم أفهم قوله بعد كلّهم ” ( 63 ) .

* ” فقال كلمة صمّنيها ” ( 64 ) .

* ” ثمّ تكلّم بكلمة أصمّنيها ( 65 ) الناس ، فقلت لأبي – أو لابني – : ما الكلمة التي أصمّنيها الناس ؟ قال : كلّهم من قريش ” ( 66 ) .

* كما جاء أيضاً : ” فصرخ الناس ، فلم أسمع ما قال ” ( 67 ) .

وبتأمّل ما أوردناه يهتدي الباحث إلى نقاط ، لا يخلو ذكرها من فائدة :

1 – تحظى قضيّة الخلافة ومستقبل الأُمّة ومصيرها بعد النبيّ ( صلى الله عليه وآله ) بحسّاسيّة فائقة ، بحيث كان النبيّ عندما يصل إلى النقطة الجوهريّة ويبلغ لبّ المسألة يخفض صوته حتى لكأنّه يهمس ، وفي موقع آخر كان الناس يبادرون إلى اللغط وإثارة الضوضاء حال سماعهم الكلام النبوي ، يُظهرون بذلك إباءهم له .

2 – تذكر بعض الروايات في تصوير الحالة ” خفض الصوت ” ، وبعضها الآخر ذكرت ” اللغط والضجيج ” ، حيث يرتبط كلّ وصف من هذه الأوصاف بمورد من موارد النقل . فجابر يذكر أنّه لم يسمع الكلام النبوي في المسجد لأنّ النبيّ ( صلى الله عليه وآله ) خفض صوته ، أمّا في الحديث الذي جاء في مسند أحمد بن حنبل ، فقد ذكر جابر أنّه لم يسمع الكلام للغط القوم وهياجهم .

والظاهر أنّ خفض النبيّ صوته كان في المسجد النبوي في المدينة ، ولغط الناس وهياجهم كان في حجّة الوداع ، كما أشارت لذلك الروايات المتقدّمة .

3 – إنّه لأمر حريّ بالانتباه ما جاء في أحد النقول ، من أنَّ النبيّ قال عندما أخفى صوته : ” كلّهم من بني هاشم ” .

والحقّ ، لا يستبعد أن تكون تتمّة الكلام – على وجه الحقيقة – هي جملة :

” كلّهم من بني هاشم ” ، التي أثارت الهياج ، وعلا كلام كثيرين عند سماعها ، فلم يذعنوا لها ، وأبوا قبولها ، والنقطة التي تزيد من قوّة هذا الاستنتاج هي مشهد السقيفة وما جرى في ذلك اليوم من حوادث ، ففي صراع يوم السقيفة لم يستند أيّ من أطراف اللعبة على مثل هذا الكلام ، ولم يذكر أحد أنّه سمع النبيّ ، يقول :

” كلّهم من قريش ” برغم أنّ هذا الكلام كان يمكن أن يكون مؤثّراً في حسم الموقف .

لهذا كلّه ، يمكن القول أنّ تتمّة الحديث النبوي كانت : ” كلّهم من بني هاشم ” لا غير ، ثمّ بمرور الوقت وعندما حانت لحظة تدوين الحديث قدّروا أنّ من ” المصلحة ” استبدال ” كلّهم من بني هاشم ” بتعبير ” كلّهم من قريش ” !

مهما يكن الأمر ، ينطوي هذا الحديث بنقوله الكثيرة وطرقه المتعدّدة التي أيّدها محدّثو أهل السنّة أيضاً ؛ ينطوي على رسالة واحدة لا غير هي الإعلان عن ولاية عليّ بن أبي طالب وأولاده ، والتصريح بخلافة عليّ ( عليه السلام ) بعد النبيّ ( صلى الله عليه وآله ) بلا فصل . ومن ثمّ فهو دليل آخر على السياسة النبويّة الراسخة في تحديد مستقبل الحكم وقيادة الأُمّة من بعده .

أحاديث السفينة

والنبيّ ( صلى الله عليه وآله ) يعيش بين الأُمّة كان يُمسك بجميع الأُمور ، ويُشرف على الشؤون كافّة ، ولم يكن المجتمع الإسلامي على عهد النبيّ قد اتّسع بعدُ ، بيد أنّ هذا المجتمع الفتيّ كان يواجه مصاعب كثيرة على الصعيدين الداخلي والخارجي ، ويعاني عدداً من الانحرافات ؛ فتيّار النفاق – مثلاً – كانت بذوره الأُولى قد نشأت في تضاعيف ذلك المجتمع ، وهكذا لاحت أيضاً إرهاصات ارتداد البعض انطلاقاً من المجتمع ذاته .

لقد كان الرسول القائد ينظر ليوم تغيب فيه هذه الشعلة المتوهّجة ، ويفقد المجتمع وجود النبيّ ، فيما ينبغي للأُمّة أن تشقّ طريقها من بعده ، وتواصل الدرب . إنّ كلّ ما توفّرنا على ذكره يُشير إلى التخطيط لمستقبل الأُمّة وتدبير غدها الآتي ؛ هذا الغد الذي سينشقّ عن أجواء تتفجّر جوانبها بالفتنة ، وتضطرم بالعواصف العاتية وأمواج الضلال .

على ضوء هذه الخلفيّة انطلقت كلمات رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) تُدلّ الأُمّة على الملاذ الآمِن الذي تعتصم به من الفتن والضلال فيما اشتهر ب‍ ” حديث السفينة ” ، الذي جاء في أحد نصوصه : ” ألا إنّ مثل أهل بيتي فيكم مثل سفينة نوح ؛ من ركبها نجا ، ومن تخلّف عنها هلك ” . ما أروعه من تشبيه دالّ وموقظ ، يبعث على التيقّظ والحذر !

فرسول الله ( صلى الله عليه وآله ) يتطلّع صوب المستقبل من وراء حُجب الغيب ، فيبصره مليئاً بالفتن والضلالات التي يشبّهها بالأمواج المتلاطمة العاتية ، أمواج مهولة تُغرق مَن يعرض لها ، وتدفعه نحو قاع سحيق ، وما أكثر من يتسلّق الأوهام حذر هذه الأمواج ، بيد أنّها سرعان ما تفترسه وتأتي عليه في ملاذه الواهن ، فيُدركه الغرق ويصير هباءً ضائعاً .

فإذاً ينبغي أن تكون الأُمّة على حذر ، وأن تُدرك أنّ طريق النجاة الوحيد يكمن في ركوب ” السفينة ” ، واللوذ بأهل البيت ( عليهم السلام ) ، والاعتصام بحجزتهم ، والتمسّك بتعاليمهم وسنّتهم .

ليس هناك شكّ في دلالة الحديث على وجوب إطاعة أهل البيت ( عليهم السلام ) وإلاّ هل لعاقل تأخذه أمواج عاتية ، فيُشرف حتماً على الغرق والضياع ، ثمّ يتردّد في النجاة ، ولا يركب سفينة الإنقاذ !

من جهة أُخرى إنّ التطلّع صوب هذه السفينة يستتبع الهداية بالضرورة والنجاة من أمواج الفتن والضلالات ، فالسفينة منجية ، وإذاً فهؤلاء الكرام معصومون منزّهون عن الزلل والخطأ ( 68 ) .

أحاديث الثقلين

من بين الخطوات التي تدبّرها الرسول القائد لمستقبل الأُمّة ، للحؤول دون تفشّي الضلالة ، وشيوع الجهل في وسطها ، وانحدارها إلى هوّة الحيرة والضياع ، هي جهوده التي بذلها لتعيين المرجعيّة الفكريّة ، وتحديد مسار ثابت للحركة الفكريّة ، وبيان كيفيّة تفسير القرآن والرسالة والمصدر الذي يستمدّ منه ذلك .

هذه الحقيقة ربّما عبّرت عن نفسها بأنصع وجه في ” حديث الثقلين ” .

لقد تضوّعت مواطن كثيرة بشذى الحديث ؛ حيث صدع به النبيّ ( صلى الله عليه وآله ) مراراً بمحتوىً واحد وصيغ بيانيّة متعدّدة ، وفي مواضع مختلفة ؛ في عرفة ، ومسجد الخيف ، وفي غدير خمّ ، كما أتى على ذكره في آخر كلام له وهو على مشارف الرحيل وقد ثقل عليه المرض ، في الحجرة الشريفة ، وغير ذلك . وبالإضافة إلى أهل البيت ( عليهم السلام ) فقد روى الحديث عدد كبير من الصحابة ، كما ذهب إلى صحّته كثير من التابعين والعلماء ( 69 ) .

إنّ للحديث صيغاً متعدّدة ، جاء في إحداها : ” إنّي تارك فيكم ما إن تمسّكتم به لن تضلّوا بعدي ، أحدهما أعظم من الآخر ؛ كتاب الله حبلٌ ممدود من السماء إلى الأرض ، وعترتي أهل بيتي ، ولن يتفرّقا حتى يردا عليّ الحوض ، فانظروا كيف تخلفوني فيهما ” ( 70 ) .

كلام عظيم ، ومنقبة شاهقة ، وفضيلة سامية لا نظير لها ، وهداية تبعث على السعادة ، وتوجيه يعصم من الضلالة والردى .

النقطة الأهمّ التي يحويها هذا الكلام النبوي العظيم ، والحقيقة العظمى التي يجهر بها دون لبس ، هي مرجعيّة أهل البيت ( عليهم السلام ) ، والحثّ على وجوب اتّباعهم والائتمام بهم في الأقوال والأفعال ، وقد صرّح بهذه الحقيقة الرفيعة عدد كبير من العلماء ، منهم سعد الدين مسعود بن عمر التفتازاني ؛ أحد كبار متكلّمي أهل السنّة ، حين قال : ” إنّه ( صلى الله عليه وآله ) قرنهم بكتاب الله في كون التمسّك بهما منقذاً من الضلالة ، ولا معنى للتمسّك بالكتاب إلاّ الأخذ بما فيه من العلم والهداية ، فكذا في العترة ” ( 71 ) .

على صعيد آخر تتمثّل أهمّ مهامّ النبيّ ( صلى الله عليه وآله ) ومسؤوليّاته بالهداية وإزالة الضلالة . هذا من جهة ، ومن جهة أُخرى ؛ فإنّ ما يأتي في طليعة واجبات الأُمّة وأكثرها بداهة ، هو ضرورة تمسّكها بكلّ ما يبعث على الهداية ، ويعصم من الضلال . وهذا ما فعله رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) تماماً ، وهو يضع المسلمين أمام هذا الواجب ، في قوله : ” ما إن تمسّكتم بهما لن تضلّوا ” ؛ وعندئذ هل يسع إنسان أن يتردّد في وجوب اتّباع ” العترة ” الهادية ، والتسليم إليها وهي العاصمة عن الضلال ؟ !

ممّا يدلّ عليه الحديث أيضاً أنّ التمسّك بهذين الثقلين الكريمين يكفي لبلاغ المقصد الأسنى وتحصيل الهداية ، وأن ليس وراءهما إلاّ الضلال ( فمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلاَّ الضَّلَلُ ) ( 72 ) .

من جهة أُخرى يسجّل حديث الثقلين ” عصمة ” العترة من دون لبس وغموض ؛ فمن زاوية عدّ رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) التمسّك بها واجباً ضروريّاً من دون أيّ قيد أو شرط ، فهل من المنطقيّ أو المعقول أن نتصوّر النبيّ يدفع الأُمّة إلى التمسَّك بمرجعيّة أشخاص ، ويحثّها على التمسّك بتعاليمها دون قيد أو شرط ، وأشخاص هذه المرجعيّة يعيشون الضلال ؟ ثمّ إنّ هذه العترة هي عدل قرآن ( لاَّ يَأْتِيهِ الْبَطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَلاَ مِنْ خَلْفِهِ ) ( 73 ) ، فهكذا العترة أيضاً .

وأخيراً دلّ الحديث على أنّ التمسّك بالعترة هو سدّ يحول دون الضلالة ، فإذا ما كان الضلال سائغاً بحقّ هذه المرجعيّة فهل يمكنها أن تكون عاصمة عن الضلال ؟ ! فالعترة إذاً معصومة جزماً بدلالات الحديث .

ـــــــــــــــــــــــــــ

( 37 ) راجع على سبيل المثال : صحيح مسلم : 3 / 1451 ، باب 33 ” الناس تبع لقريش والخلافة في قريش ” ، المعجم الكبير : 2 / 195 – 199 وص 232 ؛ الخصال : 466 – 480 ، إحقاق الحقّ : 13 / 1 – 48 ، أهل البيت في الكتاب والسنة : 73 .

( 38 ) صحيح مسلم : 3 / 1453 / 1822 .

( 39 ) ينابيع المودّة : 3 / 290 / 4 .

( 40 ) سنن الترمذي : 4 / 501 / 2223 .

( 41 ) راجع : الإمامة وأهل البيت : 2 / 54 ، حيث توفّر على ذكر هذه المصاديق .

( 42 ) راجع : شرح العقيدة الطحاويّة : 2 / 736 والإمامة وأهل البيت : 2 / 56 .

( 43 ) الكهف : 5 .

( 44 ) راجع : الإمامة وأهل البيت : 2 / 56 – 76 . والكتاب من تأليف الباحث المصري وأُستاذ جامعة الإسكندريّة الدكتور محمّد بيّومي مهران من كبار كتّاب أهل السنّة ، حيث استعرض ما اقترفه معاوية ويزيد وعبد الملك من فظائع من خلال الوثائق والنصوص التاريخيّة ، ثمّ عاد يطرح على القرّاء السؤال التالي : مع هذا كلّه ، هل يقال إنّ هؤلاء خلفاء النبيّ ؟ !

( 45 ) نهج البلاغة : الخطبة 144 .

( 46 ) سنن ابن ماجة : 2 / 1367 / 4085 ، مسند ابن حنبل : 1 / 183 / 645 ، المصنّف لابن أبي شيبة : 8 / 678 / 190 .

( 47 ) سنن أبي داود : 4 / 107 / 4284 ، والطريف الذي يلفت النظر في هذا الكتاب أنّه أورد الرواية مورد البحث – اثنا عشر خليفة – في باب ” كتاب المهدي ” .

( 48 ) مسند ابن حنبل : 1 / 213 / 773 ، سنن أبي داود : 4 / 107 / 4283 نحوه .

( 49 ) مسند ابن حنبل : 2 / 10 / 3571 ، مسند البزّار : 5 / 225 / 1832 نحوه .

( 50 ) كفاية الأثر : 23 .

( 51 ) صحيح مسلم : 3 / 1453 / 10 ، مسند ابن حنبل : 7 / 410 / 20869 ، مسند أبي يعلى : 6 / 473 / 7429 ؛ الخصال : 473 / 30 .

( 52 ) راجع : صحيح البخاري : 5 / 2020 / 4969 و 4970 وصحيح مسلم : 3 / 1319 – 1323 .

( 53 ) المعجم الكبير : 2 / 197 / 1799 .

( 54 ) راجع : مسند ابن حنبل : 7 / 405 / 20840 و 20843 وص 408 / 20857 وص 430 / 20992 والمعجم الكبير : 2 / 197 / 1800 .

( 55 ) راجع : مسند ابن حنبل : 7 / 418 / 20922 وص 424 / 20959 و 20960 وص 429 / 20991 .

( 56 ) راجع : واقعة الغدير .

( 57 ) مسند ابن حنبل : 7 / 427 / 20976 .

( 58 ) مسند ابن حنبل : 7 / 427 / 20977 .

( 59 ) المعجم الكبير : 2 / 197 / 1799 .

( 60 ) المعجم الكبير : 2 / 196 / 1794 .

( 61 ) المعجم الكبير : 2 / 253 / 2062 .

( 62 ) الحجرات : 2 .

( 63 ) مسند ابن حنبل : 7 / 430 / 20991 ، المعجم الكبير : 2 / 196 / 1795 .

( 64 ) صحيح مسلم : 3 / 1453 / 9 ، مسند ابن حنبل : 7 / 428 / 20980 وفيه ” أصمّنيها ” .

( 65 ) أصمّنيها الناس : أي شغلوني عن سماعها ، فكأنّهم جعلوني أصمَّ ( لسان العرب : 12 / 343 ) .

( 66 ) مسند ابن حنبل : 7 / 435 / 21020 ؛ الخصال : 472 / 23 .

( 67 ) الخصال : 473 / 29 .

( 68 ) لمزيد الاطّلاع على متن حديث السفينة وسنده وطرقه وما يتّصل به من بحوث راجع : نفحات الأزهار : الجزء الرابع ، وأهل البيت في الكتاب والسنّة : 95 .

( 69 ) راجع : نفحات الأزهار : 2 / 90 ، وأهل البيت في الكتاب والسنّة : 135 .

( 70 ) سنن الترمذي : 5 / 663 / 3788 .

( 71 ) شرح المقاصد : 5 / 303 . ولمزيد الاطّلاع على آراء عدد من علماء أهل السنّة راجع : نفحات الأزهار : 2 / 248 .

( 72 ) يونس : 32 .

( 73 ) فصّلت : 42 .

المصدر: موسوعة الإمام علي(ع) في الكتاب والسنة والتاريخ / الشيخ محمد الريشهري