إرث المرأة في جزيرة العرب قبل الإسلام

لم يكن في جزيرة العرب قبل الإسلام نظاماً سياسياً موحّداً تمسكه الدولة والقانون، لذا كان يُوزّع الإرث وفق عاداتهم وتقاليدهم، وكانوا لا يُقسّمون من ميراث المتوفّي لأحد من ورثته من بعده، ممّن كان لا يُلاقي العدوّ ولا يُقاتل في الحروب، من صغار ولده ولا النساء.

وروت رواية عن النبي(ص) في هذا المجال:

ذكر الواقدي عن الكعبي في تفسيره عن أبي صالح، عن ابن عباس، أنّ أوس بن ثابت الأنصاري تُوفّي وترك امرأة يقال لها أُمّ كجّة وثلاث بنات له منها، فقام رجلان من بني عمّه يقال لهما: سويد وعرفجة، فأخذا ماله ولم يُعطيا امرأته ولا بناته شيئاً، فجاءت أُمّ كجة إلى رسول الله(ص) فذكرت ذلك، فنزلت آية المواريث: (لِّلرِّجَالِ نَصيِبٌ مِّمَّا تَرَكَ الوَالِدَانِ وَالأَقْرَبُونَ وَلِلنِّسَاء نَصِيبٌ مِّمَّا تَرَكَ الوَالِدَانِ وَالأَقْرَبُونَ) النساء: 7.

وفي رواية أُخرى: قالت أُمّ كجّة: يا رسول الله، تُوفّي زوجي وتركني وابنتاه فلم نُورّث، فقال سويد وعرفجة: يا رسول الله، لا تركب فرساً، ولا تحمل كلاً، ولا تنكأ عدوّاً، يكسب عليها ولا تكتسب، فقال رسول  الله(ص): انصرفوا حتّى أنظر ما يحدث الله لي فيهنّ، فانصرفوا فأنزل الله: لِّلرِّجَالِ نَصيِبٌ مِّمَّا تَرَكَ الوَالِدَانِ… الآية.

فبعث إليهما لا تقربا من مال أوس شيئاً، فإنّ الله قد جعل لهنّ نصيباً، ولم يُبيّن حتّى يتبيّن، فنزلت: يُوصِيكُمُ اللَّهُ…، فأعطى أُمّ كجّة الثمن.

وهذا الأمر الذي ذُكر هو ما كان سائداً في عرف الجاهلية، فكانوا لا يورّثون إلّا مَن قاتل على ظهور الخيل، وطاعن بالرماح، وضارب بالسيف حتّى إشتهر بينهم: لا يرثنا إلّا مَن يحمل السيف ويحمي البيضة.

قال العلّامة الطباطبائي في تفسير الميزان:

وفي تفسير القمّي في رواية أبي الجارود عن أبي جعفر(ع) في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَحِلُّ لَكُمْ أَن تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا﴾ النساء: 19.

فإنّه كان في الجاهلية في أوّل ما أسلموا من قبائل العرب، إذا مات حميم الرجل وله إمرأة ـ ألقى الرجل ثوبه عليها ـ فورث نكاحها بصداق حميمه الذي كان أصدقها، فكان يرث نكاحها كما يرث ماله، فلمّا مات أبو قيس بن الأسلت ألقى محصن بن أبي قيس ثوبه على امرأة أبيه، وهي كبيشة بنت معمّر بن معبد فورث نكاحها، ثمّ تركها لا يدخل بها ولا يُنفق عليها، فأتت رسول الله(ص) فقالت: يا رسول الله، مات أبو قيس بن الأسلت فورث محصن ابنه نكاحي، فلا يدخل عليّ ولا يُنفق عليّ، ولا يُخلّي سبيلي فألحق بأهلي، فقال رسول الله(ص): ارجعي إلى بيتك، فإن يُحدث الله في شأنك شيئاً أعلمتك، فأنزل: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَمَقْتًا وَسَاءَ سَبِيلًا﴾ النساء: 22.

فلحقت بأهلها، وكانت نساء في المدينة قد ورث نكاحهن، كما ورث نكاح كبيشة غير أنّه ورثهنّ من الأبناء، فأنزل: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا﴾.

بقلم: السيد علي علم الهدى