ارغام الإمام علي(ع) العدو على التسليم في غزوتين

غزوة بني النضِير

كان بنو النضير قد عقدوا حلفاً مع المسلمين ، ثمّ همّوا بقتل النبيّ ( صلى الله عليه وآله ) . وكان ( صلى الله عليه وآله ) قد عرف تحرّكاتهم السرّيّة بعد أُحد ، فقصد حصنهم لتقصّي الحقيقة ، وكان مطلبه الظاهري دفع دية رجلين من قبيلة بني عامر .

تظاهر بنو النضير باستقباله ( صلى الله عليه وآله ) في مشارف الحصن ، ولمّا نام ( صلى الله عليه وآله ) مع أصحابه في ظلّ الحصن ، خطّطوا لقتله ، لكنّه علم بمكيدتهم حين مهّدوا لتنفيذها فيمّم المدينة على غفلة منهم ( 1 ) بعد أن نقضوا حلفهم ونكثوا عهدهم ، فأمر بإجلائهم عن بيوتهم ، وترحيلهم عن ديارهم ، فكابروا ولجّوا ، فحاصرهم في ربيع الأوّل سنة ( 4 ) من الهجرة ( 2 ) .

وفي ضوء بعض المعلومات التاريخيّة نزحوا عن ديارهم أذلّةً صاغرين بعد أن قتل عشرة منهم ( 3 ) .

1 – الإرشاد : لمّا توجّه رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) إلى بني النضِير ، عَمِل على حصارهم ، فضرب قبّته في أقصى بني حُطَمة من البطحاء ، فلّما أقبل الليل رماه رجل من بني النضير بسهم فأصاب القُبّة ، فأمر النبيّ ( صلى الله عليه وآله ) أن تحوّل قبّته إلى السفح ، وأحاط به المهاجرون والأنصار .

فلمّا اختلط الظلام فقدوا أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب ( عليه السلام ) ، فقال الناس :

يا رسول الله ، لا نرى عليّاً ؟ فقال ( صلى الله عليه وآله ) : أراه في بعض ما يُصلح شأنكم . فلم يلبث أن جاء برأس اليهودي الذي رمى النبيّ ( صلى الله عليه وآله ) – وكان يقال له : عزورا – فطرحه بين يدي النبيّ ( صلى الله عليه وآله ) . فقال له النبيّ ( صلى الله عليه وآله ) : كيف صنعت ؟ فقال : إنّي رأيت هذا الخبيث جريئاً شجاعاً ، فكَمَنت له وقلت : ما أجرأه أن يخرج إذا اختلط الظلام يطلب منّا غُرّة ( 4 ) ، فأقبل مُصلِتاً سيفه في تسعة نفر من أصحابه اليهود ، فشددت عليه فقتلته وأفلت أصحابه ولم يبرحوا قريباً ، فابعثْ معي نفراً ؛ فإنّي أرجو أن أظفر بهم !

فبعث رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) معه عشرةً ، فيهم : أبو دجانة سِماك بن خرشة ، وسهل بن حنيف ، فأدركوهم قبل أن يَلِجوا الحصن ، فقتلوهم وجاؤوا برؤوسهم إلى النبيّ ( صلى الله عليه وآله ) ، فأمر أن تُطرح في بعض آبار بني حُطَمة .

وكان ذلك سبب فتح حصون بني النضير ( 5 ) .

غزوة بني قُرَيظة

أخفقت المؤامرة الكبرى التي تآزر عليها المشركون واليهود في غزوة الخندق ، ونكث بنو قريظة حلفهم الذي كان قد عقدوه مع المسلمين على عدم التعرّض لهم ، ومالؤوا المشركين ضدّ النبيّ ( صلى الله عليه وآله ) ( 6 ) ، فعزم ( صلى الله عليه وآله ) في غد ذلك اليوم الذي فرّ فيه المشركون على اقتحام حصن بني قريظة ، وهو آخر وكر فساد لليهود قرب المدينة ( 7 ) .

وبعد أن صلّى ( صلى الله عليه وآله ) صلاة الظهر ، أصدر أمره بالتعبئة العسكريّة ، وأخبر المسلمين بإقامة صلاة العصر في حيّ ” بني قريظة ” ( 8 ) .

وتجلّت شخصيّة الإمام ( عليه السلام ) في هذا التحرّك أيضاً ، وكان دوره فيه لافتاً للنظر لأُمور :

1 – كانت راية الإسلام الخفّاقة بيده المقتدرة ( 9 ) .

2 – كان آمراً على مقدّمة الجيش ( 10 ) .

3 – كان بنو قريظة قد تسامعوا به ، ولمّا رأوه ، قالوا : جاء قاتل عمرو بن عبد ودّ . يقول ابن هشام : نزل بنو قريظة على حكم سعد بن معاذ ؛ لأنّ عليّ بن أبي طالب قال : ” والله لأذوقنّ ما ذاق حمزة أو لأفتحنّ حصنهم ” ( 11 ) .

4 – رضي اليهود بحكم سعد بن معاذ فيهم ؛ إذ كانوا يظنّون أنّه سيحكم لهم بسبب الأواصر القديمة التي كانت تربطهم به ، لكنّه حكم بقتل رجالهم ، ومصادرة أموالهم ، وسبي ذراريهم ( 12 ) .

2 – الإرشاد : لمّا انهزم الأحزاب وولّوا عن المسلمين الدبُر ، عَمِل رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) على قصد بني قُرَيظة ، وأنفذ أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب ( عليه السلام ) إليهم في ثلاثين من الخَزرج ، فقال له : أُنظر بني قُرَيظة هل تركوا حصونهم !

فلمّا شارف سورهم سمع منهم الهُجْر ( 13 ) ، فرجع إلى النبيّ ( صلى الله عليه وآله ) فأخبره ، فقال :

دعهم ، فإنّ الله سيُمكّن منهم ، إنّ الذي أمكنك من عمرو بن عبد ودّ لا يخذلك ، فقفْ حتى يجتمع الناس إليك ، وأبشرْ بنصر الله ؛ فإنّ الله قد نصرني بالرعب بين يديّ مسيرة شهر .

قال عليّ ( عليه السلام ) : فاجتمع الناس إليّ ، وسرت حتى دنوت من سورهم ، فأشرفوا عليَّ ، فحين رأوني صاح صائح منهم : قد جاءكم قاتل عمرو ، وقال آخر : قد أقبل إليكم قاتل عمرو ، وجعل بعضهم يصيح ببعض ويقولون ذلك ، وألقى الله في قلوبهم الرعب ، وسمعت راجزاً يرجز :

قَتَل عليٌّ عَمْرا * صاد عليٌّ صَقْرا

قَصَم عليٌّ ظَهْرا * أبرَم عليٌّ أمْرا

هَتَك عليٌّ سِتْرا

فقلت : الحمد لله الذي أظهر الإسلام وقمع الشرك . وكان النبيّ ( صلى الله عليه وآله ) قال لي حين توجّهت إلى بني قُرَيظة : سِرْ على بركة الله ؛ فإنّ الله قد وعدك أرضهم وديارهم .

فسِرت مستيقناً لنصر الله عزّ وجلّ حتى رَكزت الراية في أصل الحصن ( 14 ) .

3 – السيرة النبويّة – في ذكر نزول بني قُرَيظة على حكم سعد بن معاذ – : إنّ عليّ بن أبي طالب صاح وهم محاصرو بني قريظة : يا كتيبة الإيمان . وتقدّم هو والزبير بن العوّام وقال : والله لأذوقنّ ما ذاق حمزة أو لأفتحنّ حصنهم ؛ فقالوا : يا محمّد ، ننزل على حكم سعد بن معاذ ( 15 ) .

ــــــــــــــــــــــــــ

( 1 ) تاريخ الطبري : 2 / 551 ، السيرة النبويّة لابن هشام : 3 / 199 ، الكامل في التاريخ : 1 / 564 .

( 2 ) تاريخ الإسلام للذهبي : 2 / 245 ، السيرة النبويّة لابن هشام : 3 / 200 .

( 3 ) الإرشاد : 1 / 92 و 93 ؛ المغازي : 1 / 371 .

( 4 ) الغُرّة : الغفلة ( النهاية : 3 / 355 ) .

( 5 ) الإرشاد : 1 / 92 ؛ المغازي : 1 / 371 نحوه .

( 6 ) تاريخ الطبري : 2 / 571 ، المغازي : 2 / 455 ، تاريخ الإسلام للذهبي : 2 / 287 ، السيرة النبويّة لابن هشام : 3 / 231 ، الكامل في التاريخ : 1 / 569 ؛ تاريخ اليعقوبي : 2 / 52 .

( 7 ) تاريخ الطبري : 2 / 581 وص 583 ، السيرة النبويّة لابن هشام : 3 / 244 ، المغازي : 2 / 497 ، تاريخ الإسلام للذهبي : 2 / 307 وص 309 ، الكامل في التاريخ : 1 / 573 .

( 8 ) تاريخ الطبري : 2 / 581 ، السيرة النبويّة لابن هشام : 3 / 245 ، تاريخ الإسلام للذهبي : 2 / 308 .

( 9 ) الطبقات الكبرى : 2 / 74 ، تاريخ الطبري : 2 / 582 ، تاريخ الإسلام للذهبي : 2 / 311 ، السيرة النبويّة لابن هشام : 3 / 245 ، الكامل في التاريخ : 1 / 573 ؛ تاريخ اليعقوبي : 2 / 52 .

( 10 ) تاريخ الطبري : 2 / 582 ، السيرة النبويّة لابن هشام : 3 / 245 ، المغازي : 2 / 499 ، تاريخ الإسلام للذهبي : 2 / 311 ، الكامل في التاريخ : 1 / 573 ؛ الإرشاد : 1 / 109 .

( 11 ) السيرة النبويّة لابن هشام : 3 / 251 ؛ الإرشاد : 1 / 109 .

( 12 ) الإرشاد : 1 / 111 .

( 13 ) هو الخَنا والقبيحُ من القول ( النهاية : 5 / 245 ) .

( 14 ) الإرشاد : 1 / 109 ، كشف اليقين : 158 / 170 ، بحار الأنوار : 2 / 262 / 19 .

( 15 ) السيرة النبويّة لابن هشام : 3 / 251 ، البداية والنهاية : 4 / 122 .

وممّا تجدر الإشارة إليه هنا هو إنّهم إنّما رضوا بحكم سعد بن معاذ رجاء العفو عنهم ؛ وذلك لوجود مودّة قديمة بينه وبينهم من قبل الإسلام ، ولكنّ سعداً حكم بقتل الرجال وسبي النساء وغنيمة الأموال .

المصدر: موسوعة الإمام علي(ع) في الكتاب والسنة والتاريخ / الشيخ محمد الريشهري