استخلاف الإمام علي(ع) عن النبي(ص) في غزوة تبوك

تبوك هي أقصى منطقة توجّه إليها النبيّ ( صلى الله عليه وآله ) في حروبه . وبدأت تحرّكات المنافقين في المدينة في وقت راح رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) يعدّ جيشه للانطلاق إلى تبوك .

والحوادث التي وقعت تدلّ بوضوح على أنّ المنافقين في المدينة كانوا يتحيّنون الفرصة لتوجيه ضربتهم للحكومة النبويّة الجديدة . وكانت هذه الغيبة الطويلة للنبيّ فرصة مناسبة لهم . من هنا ، نلحظ أنّه ( صلى الله عليه وآله ) استخلف في البداية محمّد بن مسلمة على المدينة ، ثمّ جعل عليّاً ( عليه السلام ) عليها ، وقال :

” أنا لابدّ من أن أُقيم أو تقيم ” ( 1 ) .

وقال :

” إنّ المدينة لا تصلح إلاّ بي أو بك ” ( 2 ) .

وهكذا أخفقت المؤامرة ، فإنّ وجود عليّ ( عليه السلام ) ألقى الرعب في قلوب المنافقين والمتآمرين ، وآيسهم من القيام بأيّ تحرّك في المدينة ، فراحوا يعزفون على وتر آخر ؛ فإنّ غزوة تبوك كانت الغزوة الوحيدة التي لم يشهدها أمير المؤمنين ( عليه السلام ) بقرار النبيّ ( صلى الله عليه وآله ) ، ولما طرأ من أحداث في المدينة ( 3 ) . فأرجفوا أنّ عليّاً تخلّى عن الحرب وخذل النبيّ ولم يرافقه مع رغبة النبيّ في حضوره معه . فما كان من الإمام ( عليه السلام ) إلاّ أن هرع إليه ( صلى الله عليه وآله ) قبل مغادرته ، وأخبره بأراجيفهم ، فنطق النبيّ ( صلى الله عليه وآله ) عندئذ كلمته الخالدة العظيمة في حقّه : ” أما ترضى أن تكون منّي بمنزلة هارون من موسى إلاّ أنّه لا نبيّ بعدي ” ( 4 ) .

وهكذا أُحبطت هذه المؤامرة في مهدها ، وسجّل التاريخ لعليٍّ ( عليه السلام ) أسطع المناقب أمام أنظار الناس .

1 – الطبقات الكبرى عن البراء بن عازب وزيد بن أرقم : لمّا كان عند غزوة جيش العسرة وهي تبوك ، قال رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) لعليّ بن أبي طالب : إنّه لابدّ من أن أُقيم أو تقيم ، فخلّفه ، فلمّا فصل رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) غازياً قال ناس : ما خلّف عليّاً إلاّ لشيء كرهه منه .

فبلغ ذلك عليّاً ، فاتّبع رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) حتى انتهى إليه ، فقال له : ما جاء بك يا عليّ ؟ ! قال : لا يا رسول الله إلاّ أنّي سمعت ناساً يزعمون أنّك إنّما خلّفتني لشيء كرهته منّي ! ! فتضاحك رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) وقال : يا عليّ ، أما ترضى أن تكون منّي كهارون من موسى غير أنّك لست بنبيّ ؟ ! قال : بلى يا رسول الله ، قال : فإنّه كذلك ( 5 ) .

2 – تاريخ الطبري عن ابن إسحاق – في خروج النبيّ ( صلى الله عليه وآله ) إلى غزوة تبوك :

خلّف رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) عليّ بن أبي طالب على أهله ، وأمره بالإقامة فيهم ، واستخلف على المدينة سباع بن عرفطة أخا بني غفّار ، فأرجف المنافقون بعليّ بن أبي طالب ، وقالوا : ما خلّفه إلاّ استثقالاً له ، وتخفّفاً منه .

فلمّا قال ذلك المنافقون أخذ عليّ سلاحه ، ثمّ خرج حتى أتى رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) وهو بالجرف ، فقال : يا نبيّ الله ، زعم المنافقون أنّك إنّما خلّفتني أنّك استثقلتني وتخفّفت منّي ! فقال : كذبوا ، ولكنّي إنّما خلّفتك لما ورائي ، فارجع فاخلُفني في أهلي وأهلك ، أفلا ترضى يا عليّ أن تكون منّي بمنزلة هارون من موسى ، إلاّ أنّه لا نبيّ بعدي ؟ ! فرجع عليّ إلى المدينة ، ومضى رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) على سفره ( 6 ) .

3 – الإرشاد – في غزوة تبوك : أوحى الله تبارك وتعالى اسمه إلى نبيّه ( صلى الله عليه وآله ) أن يسير إليها بنفسه ، ويستنفر الناس للخروج معه ، وأعلمه أنّه لا يحتاج فيها إلى حرب ، ولا يُمنى بقتال عدوّ ، وأنّ الأُمور تنقاد له بغير سيف ، وتَعبّده بامتحان أصحابه بالخروج معه واختبارهم ، ليتميّزوا بذلك وتظهر سرائرهم .

فاستنفرهم النبيّ ( صلى الله عليه وآله ) إلى بلاد الروم ، وقد أينعت ثمارهم ، واشتدّ القيظ عليهم ، فأبطأ أكثرهم عن طاعته ؛ رغبةً في العاجل ، وحرصاً على المعيشة وإصلاحها ، وخوفاً من شدّة القيظ ، وبُعد المسافة ، ولقاء العدوّ . ثمّ نهض بعضهم على استثقال للنهوض ، وتخلّف آخرون .

ولمّا أراد رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) الخروج استخلف أمير المؤمنين ( عليه السلام ) في أهله وولده وأزواجه ومهاجره ، وقال له : ” يا عليّ ، إنّ المدينة لا تصلح إلاّ بي أو بك ” ؛ وذلك أنّه ( عليه السلام ) علم من خبث نيّات الأعراب ، وكثير من أهل مكّة ومن حولها ممّن غزاهم وسفك دماءهم ، فأشفق أن يطلبوا المدينة عند نأيِه عنها وحصوله ببلاد الروم أو نحوها ، فمتى لم يكن فيها من يقوم مقامه ، لم يؤمن من مَعَرَّتهم ( 7 ) ، وإيقاع الفساد في دار هجرته ، والتخطّي إلى ما يشين أهله ومخلّفيه .

وعلم ( عليه السلام ) أنّه لا يقوم مقامه في إرهاب العدوّ وحراسة دار الهجرة وحياطة من فيها إلاّ أمير المؤمنين ( عليه السلام ) ، فاستخلفه استخلافاً ظاهراً ، ونصّ عليه بالإمامة من بعده نصّاً جليّاً .

وذلك فيما تظاهرت به الرواية أنّ أهل النفاق لمّا علموا باستخلاف رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) عليّاً ( عليه السلام ) على المدينة حسدوه لذلك ، وعظم عليهم مقامه فيها بعد خروجه ، وعلموا أنّها تنحرس به ، ولا يكون للعدوّ فيها مطمع ، فساءهم ذلك ، وكانوا يؤثرون خروجه معه ؛ لما يرجونه من وقوع الفساد والاختلاط عند نأي النبيّ ( صلى الله عليه وآله ) عن المدينة ، وخلوّها من مرهوب مخوف يحرسها . وغبطوه ( عليه السلام ) على الرفاهيّة والدعة بمقامه في أهله ، وتكلُّف من خرج منهم المشاقّ بالسفر والخطر .

فأرجفوا به ( عليه السلام ) ، وقالوا : لم يستخلفه رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) إكراماً له وإجلالاً ومودّة ، وإنّما خلّفه استثقالاً له . فبهتوه بهذا الإرجاف كبهت قريش للنبيّ ( صلى الله عليه وآله ) بالجِنّة تارة ، وبالشعر أُخرى ، وبالسحر مرّة ، وبالكهانة أُخرى ، وهم يعلمون ضدّ ذلك ونقيضه ، كما علم المنافقون ضدّ ما أرجفوا به على أمير المؤمنين ( عليه السلام ) وخلافه ، وأنّ النبيّ ( صلى الله عليه وآله ) كان أخصّ الناس بأمير المؤمنين ( عليه السلام ) ، وكان هو أحبّ الناس إليه ، وأسعدهم عنده ، وأفضلهم لديه .

فلمّا بلغ أمير المؤمنين ( عليه السلام ) إرجاف المنافقين به ، أراد تكذيبهم وإظهار فضيحتهم ، فلحق بالنبيّ ( صلى الله عليه وآله ) ، فقال : يا رسول الله ، إنّ المنافقين يزعمون أنّك إنّما خلّفتني استثقالاً ومقتاً ! فقال له رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) : ارجع يا أخي إلى مكانك ، فإنّ المدينة لا تصلح إلاّ بي أو بك ، فأنت خليفتي في أهلي ودار هجرتي وقومي ، أما ترضى أن تكون منّي بمنزلة هارون من موسى إلاّ أنّه لا نبيّ بعدي ! ! ( 8 )

ــــــــــــــــــــــــــــــ

( 1 ) المعجم الكبير : 5 / 203 / 5094 ، الطبقات الكبرى : 3 / 24 .

( 2 ) الإرشاد : 1 / 155 ، كمال الدين : 278 / 25 ، الاحتجاج : 1 / 346 / 56 ، كنز الفوائد : 2 / 181 ؛ المستدرك على الصحيحين : 2 / 368 / 3294 .

( 3 ) الطبقات الكبرى : 3 / 23 ، أُسد الغابة : 4 / 92 / 3789 .

( 4 ) خصائص أمير المؤمنين للنسائي : 107 / 45 ، المصنّف لابن أبي شيبة : 8 / 562 / 4 ، تاريخ الطبري : 3 / 104 ، أنساب الأشراف : 2 / 348 ، الاستيعاب : 3 / 201 / 1875 .

( 5 ) الطبقات الكبرى : 3 / 24 ، أنساب الأشراف : 2 / 349 ، المعجم الكبير : 5 / 203 / 5094 نحوه وراجع خصائص أمير المؤمنين للنسائي : 106 / 45 .

( 6 ) تاريخ الطبري : 3 / 103 ، السيرة النبويّة لابن هشام : 4 / 163 ، تاريخ الإسلام للذهبي : 2 / 631 ، الكامل في التاريخ : 1 / 636 .

( 7 ) المَعَرَّة : الجناية ، والأذى ( لسان العرب : 4 / 556 ) .

( 8 ) الإرشاد : 1 / 154 .

المصدر: موسوعة الإمام علي(ع) في الكتاب والسنة والتاريخ / الشيخ محمد الريشهري