الأسرة الشيعية » المرأة والحجاب »

الحجاب واجب فردي أو حق اجتماعي

المقدّمة:

تُعتبر مسألة الحجاب من المسائل المهمّة في الأوساط العلمية والاجتماعية، والبحث عن هذه المسألة له جوانب متعدّدة، فتارة يُبحث عن حكمه الفقهي، وأُخرى عن حدوده وتعريفه، وثالثة عن المحجوب عنهم وأنواعهم، وإلى غير ذلك من المسائل المتعلّقة بهذا الموضوع.

ونحن في هذه المقال نريد أن نُسلّط الضوء على جانب مهمّ من هذه المسألة الحسّاسة، وجهة تُعتبر من أهمّ الجهات لمسألة الحجاب، وهي هل أنّ الحجاب من الواجبات الفردية في المجتمع، وتختصّ بكلّ امرأة مع مجموعة من الشروط الفقهية المذكورة في محلّها، بحيث لا يحقّ لأحد أن يتدخّل في خصوصيّاتها ـ إلّا من باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بشروطه ـ أو أنّ الحجاب حقّ اجتماعي يمسّ أفراد المجتمع، ولهم الحقّ فيه؟

والموقف من هذا السؤال ونوعية الجواب عنه له ثمرات عملية تترتّب عليه، سيأتي الإشارة إلى بعضها في نهاية البحث.

بيان موضوع البحث:

إنّ البحث في هذه المقال يتمحور حول أنّ الحجاب الواجب على المرأة في الشريعة الإسلامية هل هو واجب فردي أو هو بالإضافة إلى ذلك حقّ اجتماعي أيضاً؟

وبذلك يتّضح أنّ بحثنا عن الحجاب هنا من وجهة نظر الشريعة الإسلامية، لا من وجهة نظر مطلق الشرائع.

كما أنّ البحث حول رؤية الشريعة للحجاب كونه حقّا اجتماعياً أو لا؟ أي: رؤية الشريعة الإسلامية للجنبة الاجتماعية للحجاب، لا الرؤية الاجتماعية للحجاب، فهذا بحث آخر.

 كما أنّ البحث هنا بعد الفراغ عن وجوبه الفقهي وبغضّ النظر عن حدوده وشروطه، وهذا يعني أنّ الوجوب الفردي للحجاب من الأُمور المفروغ عنها في بحثنا هذا، وإنّما الكلام هل أنّ الحجاب بالإضافة إلى وجوبه الفردي هو حقّ اجتماعي أيضاً أو لا؟

 وعليه فالمسألة ليست من قبيل مانعة الجمع ولا مانعة الخلو، وإنّما هي شبيهة بمسألة الأقلّ والأكثر.

سبب انتخاب عنوان المقال المذكور

قد عنونّا مقالنا هذا بعنوان الحجاب واجب فردي أو حقّ اجتماعي، وقد ذكرنا معنى التسمية والمقصود منها، وإنّ المعنى هو من قبيل الأقلّ والأكثر، ولكن قد ذُكر في المقام لهذا البحث أو بحوث شبيهة به أكثر من تسمية من قبيل: (الحجاب أمر خصوصي أو عمومي) و(الحجاب أمر أخلاقي أو حقوقي) (1).

والصحيح هو ما انتخبناه من العنوان مع البيان الذي ذكرناه، وذلك لأنّ العنوان الأوّل يرد عليه أن الخصوصي لا يجتمع مع العمومي، ولذلك لا يمكن أن يثبت أنّه أمر عام، لأنّ الخصوصية في الحجاب مسلمة، لأنّ من الأُمور الواضحة أنّ الحجاب له جنبة خصوصية تتمتّع فيها المرأة المحجّبة وعليها الالتزام بها، وأمّا العنوان الثاني فيرد عليه ما تقدّم أيضاً بالإضافة إلى تسليط الضوء بشكل أكبر حول الأخلاق والحقوق، وهو من شأنه أن يحيث البحث، نعم مع التعديل والتوضيح يمكن قبول كلا العنوانين؛ وذلك بأن نقول: إنّ معنى الخصوصي والعمومي هو بعد فرض وجوبه الفردي والواجب الخاص الذي تتمتّع به المرأة، فيكون البحث متمركزاً حول أنّ الحجاب الواجب على كلّ امرأة هل هو حقّ خاصّ أو هو حقّ عام، وكذا الكلام بالنسبة للعنوان الثاني، وهو أنّه بعد الوجوب الفردي هل هناك جنبة إخلاقية للحجاب بالنسبة للمجتمع أو هناك جنبة حقوقية؟ ومن الواضح فإنّ الجنبة الأخلاقية ليس لها تبعات معيّنة بخلاف الحقوقية.

 وعلى كلّ حال فالمعنى المقصود من البحث يتّضح مع بيان العناوين المذكورة.

معنى الفردية والاجتماعية:

ذهب البعض أنّ الحجاب واجب فردي فقط، بمعنى أنّه ناظر إلى خصوصية الفرد فهو واجب، حاله حال الواجبات الشخصية للأفراد، وهو المسؤول عنها ولا علاقة للمجتمع بها، ولا حقّ له فيها، بحيث لو خالفها يكون عقابه مع ربّه فقط، ولا يحقّ للمجتمع أن يُعاقبه.

وذهب بعض آخر إلى أنّ الحجاب بالإضافة إلى وجوبه الفردي فهو حقّ للمجتمع أيضاً، بمعنى أنّه يحقّ للمجتمع أن يضع قوانين تُدين وتُعاقب مَن لا يلتزم بحكم وقانون الحجاب.

وهناك ثمرات عديدة تترتّب على هذه المسألة، كما قدّمنا أنّه سيأتي بيانها.

أدلّة الفردية:

ذكرت في المقام مجموعة من الأُمور التي أُدّعي دلالتها على أنّ الحجاب واجب فردي فقط.

الدليل الأوّل: احترام المرأة المحجّبة

استدلّ البعض على فردية الحجاب، بأنّ فائدة الحجاب تعود لنفس المرأة المحجّبة، وهي احترام المجتمع لها، فالمرأة تتحجّب كي تحفظ احترامها في المجتمع، ومن الواضح فإنّ هذه فائدة تعود لنفس المرأة ولا علاقة للمجتمع بها، وقد استدلّ على ذلك بروايات كشف غير الحرّة البالغة رأسها، وهي روايات كثيرة، وفي أسانيدها ما هو معتبر، وعليها العمل، منها:

1ـ ما رواه الكليني عن محمّد بن يحيى، عن أحمد بن محمّد، عن علي بن الحكم، عن العلاء بن رزين، عن محمّد بن مسلم، عن أبي جعفر (عليه السلام)، قال: قلت: الأمة تُغطّي رأسها إذا صلّت؟ فقال: ليس على الأمة قناع< (2) .

 2ـ ما رواه الطوسي بإسناده عن الحسين بن سعيد، عن صفوان، عن عبد الرحمن بن الحجّاج، عن أبي الحسن(عليه السلام)، قال: >ليس على الإماء أن يتقنعن في الصلاة< (3).

3 ـ ما رواه الطوسي عن الحسين بن سعيد، عن القاسم بن محمّد، عن علي بن أبي حمزة، عن أبي بصير، عن أبي عبد الله(عليه السلام)، أنّه قال: على الصبي إذا احتلم الصيام، وعلى الجارية إذا حاضت الصيام والخمار، إلّا أن تكون مملوكة، فإنّه ليس عليها خمار إلّا أن تحبّ أن تختمر، وعليها الصيام< (4).

4 – ما رواه الطوسي عن سعد بن عبد الله، عن أحمد وعبد الله ابني محمّد بن عيسى، عن الحسن بن محبوب، عن العلاء، عن محمّد بن مسلم، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: قلت له: الأمة تُغطّي رأسها ؟ فقال: لا، ولا على أُمّ الولد أن تُغطّي رأسها إذا لم يكن لها ولد< (5).

وهناك روايات أُخرى عديدة جمع بعضها الحرّ العاملي في الوسائل، قال: >محمّد بن علي بن الحسين بإسناده عن محمّد بن مسلم، عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: ليس على الأمة قناع في الصلاة، ولا على المدبرة قناع في الصلاة، ولا على المكاتبة، إذا اشترط عليها مولاها قناع في الصلاة، وهي مملوكة حتّى تؤدّي جميع مكاتبتها، ويجري عليها ما يجري على المملوك في الحدودكلّها، قال: وسألته عن الأمة إذا ولدت، عليها الخمار؟ قال: لو كان عليها لكان عليها إذا هي حاضت، وليس عليها التقنّع في الصلاة، ورواه الكليني كما يأتي في آداب النكاح.

وفي (العلل): عن محمّد بن موسى بن المتوكّل، عن علي بن الحسين السعد آبادي، عن أحمد بن أبي عبد الله، عن الحسن بن محبوب، عن هشام بن سالم، عن محمّد بن مسلم، مثله، إلى قوله: في الحدود كلّها.

 وعن أبيه، عن أحمد بن إدريس، عن أحمد بن محمّد بن عيسى، عن علي بن الحكم، عن حماد الخادم، عن أبي عبد الله (عليه السلام)، قال: سألته عن الخادم تقنع رأسها في الصلاة؟ قال: اضربوها، حتّى تُعرف الحرّة من المملوكة.

وعن أبيه، عن علي بن سليمان، عن محمّد بن الحسين، عن أحمد بن محمّد بن أبي نصر، عن حمّاد بن عثمان، عن حمّاد اللّحام قال: سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن المملوكة تقنع رأسها في الصلاة؟ قال: لا، قد كان أبي إذا رأى الخادم تُصلّي وهي مقنعة ضربها، لتعرف الحرّة من المملوكة، ورواه البرقي في (المحاسن): عن أبيه، عن يونس بن عبد الرحمن، عن حمّاد بن عثمان، مثله.

 عبد الله بن جعفر في (قرب الإسناد): عن عبد الله بن الحسن، عن جدّه علي بن جعفر، عن أخيه موسى بن جعفر (عليه السلام)، قال: سألته عن الأمة، هل يصلح لها أن تُصلّي في قميص واحد؟ قال: لا بأس.

 محمّد بن مكي الشهيد في (الذكرى) قال: روى علي بن إسماعيل الميثمي في كتابه عن أبي خالد القمّاط قال: سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الأمة، أتقنع رأسها؟ قال: إن شاءت فعلت، وإن شاءت لم تفعل، سمعت أبي يقول: كنّ يضربن فيقال لهنّ: لا تشبهن بالحرائر< (6).

إذن فالمستنتج من هذه الروايات ـ وإن اختلفت في بعض الخصوصيّات وبعض التعليلات ـ هو أنّ المرأة الحرّة هي التي تتحجّب، وذلك لاحترامها ورفع منزلتها وشأنها، وللتمييز بين منزلتها ومنزلة الأمة، ومن الواضح أنّ احترام أيّ فرد بيده، فله أن يجعل نفسه في محلّ الاحترام، وله أن لا يجعل، وهو الذي يتحمّل عواقب ذلك، ولا دخل للمجتمع في ذلك، فحاله حال أيّ واجب فردي آخر، كالذي يضع نفسه في مواضع الذلّ والإهانة وما إلى ذلك.

هذا بالإضافة إلى أنّه لو كان الحجاب ناظراً إلى الجنبة الاجتماعية والحفاظ على حقوق الآخرين، لما كان هناك فرقاً بين الأمة والحرّة، لأنّ كليهما من شأنهما أن يثيرا الشهوات والريبة في المجتمع، بحيث ينجر إلى الرذائل وما شاكل.

نقاش الدليل الأوّل

يمكن النقاش فيما تقدم بأُمور:

الأوّل: إنّ الروايات المتقدّمة لم تشر إلى قضية الاحترام وعدمه، وإنّما كان جلّ اهتمامها هو التفريق بين الأمة والحرّة، وهذا أمر غريب عمّا نحن فيه، وله أسبابه التي لابدّ أن تُدرس وتُبحث في محلّها، وأنّه لابدّ من دراسة الأوضاع الاجتماعية آنذاك، والوقوف على رؤى المجتمع وقناعاته، خصوصاً وأنّ الأزمان المتأخّرة ليس فيها إماء وجواري، لذلك من الصعب إدراك الوضع والإحساس به لمجرد قراءة بعض الروايات.

الثاني: إنّ المستظهر من الروايات هو عدم وجوب الحجاب عليها، لا أنّه يحرم عليها، وهذا مضمون أكثر الروايات، وأمّا رواية الضرب فله محمل آخر وهو لمنع قضية التشبّه، أو لا أقلّ لا تصلح لمعارضة الروايات الكثيرة التي تنصّ على نفي الوجوب فقط.

وعليه سوف ينتفي الاستدلال من الأساس.

الثالث: لو سلّمنا دلالة الروايات على احترام الحرّة، فهذا لا يثبت مجرّد الفردية، بل إنّ الاحترام أمر مرتبط بالمجتمع، فهو الذي يحترم أو لا يحترم، فإذا كانت المحجّبة تُحترم من قبل المجتمع، فهذا يعني أنّه يحقّ للمجتمع أن لا يحترم مَن لم تتحجّب، فيكون الدليل المذكور على العكس تماماً، فهو يثبت الاجتماعية لا أنّه ينفيها.

 الرابع: لو سلّمنا دلالة الروايات على ما قيل، فهذا لا ينفي اجتماعية الحجاب، بل غايته أنّه يثبت الجنبة الفردية للحجاب، وإثبات شيء لا ينفي ما عداه.

إذن فهذا الوجه لا يصلح للاستدلال إن لم نقل أنّه يصلح للاستدلال على عدم الفردية.

الدليل الثاني: حفظ المرأة

من الأُمور الواضحة أنّ الحجاب يحفظ المرأة من تجاوز الآخرين، وهذه فائدة تعود بالنفع على نفس المرأة، وهي فائدة فردية لا علاقة لها بالمجتمع (7)، وعليه فإذا لم ترغب المرأة في تحصيل هذه الفائدة فهي تتحمّل تبعات ذلك من تجاوز الآخرين، أو العقوبة الأُخروية، فلا يكون هناك حقّ للمجتمع على المرأة التي تريد أن تترك وظيفة رعاية الحجاب.

نقاش الدليل الثاني

يمكن النقاش فيما تقدّم:

أوّلاً: إنّ هذه الحكمة والفائدة من الحجاب لا تُعارض الحقّ الاجتماعي إن ثبت، فما تقدّم يُثبت الفردية ولا ينافي الاجتماعية.

ثانيا: إنّ الاجتماعية داخلة فيما تقدّم، حيث أنّ الفائدة المذكورة هي حفظ المرأة من الآخرين، وهذا معناه أنّ الآخر مقصود بهكذا حكم، وهذا يعني أنّ عدم الحجاب سوف يمسّ الآخرين، ويكون باعثاً على تجاوز البعض على المرأة وحقوقها، وهذا مدعاة لحصول الجريمة والتجاوز، وهو أمر اجتماعي بامتياز.

الدليل الثالث: الحجاب يعني العفّة

إنّ الحجاب وإن كان أمراً ظاهرياً إلّا أنّه في واقعه ناظر إلى حالة داخلية وشخصية اعتقادية عند المرأة المحجبة، وهي حالة العفّة، ومن الواضح أنّ العفّة وعدمها من الأُمور الفردية ولا علاقة للمجتمع بها (8).

نقاش الدليل الثالث

يمكن أن يُرد على هذا الدليل:

أوّلاً: هناك فرق بين حقيقة الحجاب وبين السبب الباعث على الالتزام بالحجاب، فالحجاب هو الحالة الظاهرية والمظهر الخارجي للمرأة، وهذا هو محلّ بحثنا ومورد النقاش، وأمّا العفّة فهي حالة داخلية تُسبّب الالتزام بالحجاب، وهذه خارج عن محلّ البحث، نعم وإن كان الحجاب يدلّ عليها دلالة الشيء على علّته.

ثانياً: إنّ الحجاب يحقّق الحكمة المرجوة منه في المجتمع متى ما التزمت به المرأة، سواء كان سبب التزامها العفّة أو شيء آخر، وعليه فلا ملازمة بين تحقّق أهداف الحجاب الخارجية وبين العفّة، بل يمكن الانفكاك في حالات عديدة، كما إذا التزمت المرأة غير المسلمة بالحجاب، أو كالتي لا تُؤمن بالحجاب أصلاً، ووضعته خوفاً من المجتمع، أو احتراماً له، أو لأيّ سبب آخر، وهذا يدلّ على أنّ الحجاب أمر آخر غير العفّة، فالعفّة وإن كانت شخصية إلّا أنّها ليست هي الحجاب.

الدليل الرابع: الحجاب واجب في الصلاة، وإن لم يكن هناك ناظر

إنّ الحجاب من الأُمور الواجبة في الصلاة حتّى وإن لم يكن هناك شخص ناظر، فهو أمر واجب بمعزل عن المجتمع ووجود الناظرين، وهذا يعني أنّه لا علاقة بين وجوب الحجاب والمجتمع، فهو إذن واجب فردي (9).

نقاش الدليل الرابع

يمكن أن يرد عليه أُمور:

أوّلاً: إنّ الاستدلال بحكم الحجاب في الصلاة أخصّ من المدّعى، حيث لم يدعّ أحد أنّ الحجاب أمر اجتماعي في جميع حالاته، حتّى يُنقض عليه بوجوبه الفردي في الصلاة، بل المقصود أنّ الحجاب المطلق للمرأة الذي يجب عليها الالتزام به مع وجود غير المحرم، هل هو فردي أو اجتماعي، فهذا هو محلّ البحث.

ثانياً: إنّ الحكم المذكور من الحالات الخاصّة بالصلاة، ومن المعلوم أنّ العبادات لها حالات خاصّة بها، وهي كثير.

ثالثاً: قد نصّ الفقهاء ـ كما سيأتي نقل بعض أقوالهم ـ أنّ الحجاب في الصلاة واجب، وإن لم يكن هناك ناظر، وواجب في غير الصلاة مع وجود الناظر، نذكر على سبيل المثال من كلام الفقهاء ما ذكره العلّامة الحلّي في قواعد الأحكام، قال: >(في ستر العورة)، وهو واجب في الصلاة وغيرها، ولا يجب في الخلوة إلّا في الصلاة، وهو شرط فيها، فلو تركه مع القدرة بطلت سواء كان منفرداً أو لا< (10).

وهذا يعني أنّ المصداق المذكور الذي استدلّ به غير ما نحن فيه.

الدليل الخامس: الحجاب خاصّ بالمؤمنات

إنّ الحجاب من الأُمور التي خاطب بها القرآن الكريم المؤمنات، فهو أمر مرتبط بإيمان الأفراد، وقد أوكله لهم، فهو أمر انتخابي، لذلك لم يجعل لتركه أيّ عقوبة معينة، وهذا يعني أنّه أمر فردي لا علاقة له بالمجتمع، ولا يحقّ لأحد أن يتدخّل فيه أو يفرضه (11).

 ومن الغريب أنّ صاحب الاستدلال رتّب على ذلك أنّ الدين ينسجم مع الحرّية والديمقراطية، وكأنّ فرض الحجاب خلاف الحرّيات المشروعة والديمقراطية الصحيحة.

نقاش الدليل الخامس

ويرد عليه أُمور:

أوّلاً: إنّ مخاطبة المؤمنين والمؤمنات ببعض الأحكام لا يعني أنّها غير شاملة لغيرهم، وذلك فقد ذهب المشهور من الفقهاء إلى أنّ الكفّار مخاطبون بالفروع، وهذا بحث مفصّل مذكور في محلّه (12).

ثانياً: إنّ تخصيص الخطاب بالمؤمنين والمؤمنات من حيث أنّه هم الذين يلتزمون بالأحكام والواجبات.

ثالثاً: إنّ خطاب المؤمنين والمؤمنات قد فرض ذلك عليهم لا أنّه جعله باختيارهم، فما استنتج كان مغالطة واضحة وصريحة، قال تعالى: (وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلا لِبُعُولَتِهِنَّ أَو آبَائِهِنَّ أَوآبَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَو أَبْنَائِهِنَّ أَو أَبْنَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَو إِخْوَانِهِنَّ أَو بَنِي إِخْوَانِهِنَّ أَوبَنِي أَخَوَاتِهِنَّ أَو نِسَائِهِنَّ أَو مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ أَو التَّابِعِينَ غَيْرِ أُولِي الأرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ أَو الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاءِ وَلا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِين مِنْ زِينَتِهِنَّ وَتُوبُوا إِلَى اللهِ جميعاً أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ) (13)، فهذه مجموعة من الأوامر التي وجّهها القرآن الكريم للمؤمنات، فأين الاختيار في ذلك؟

رابعاً: إنّ الكثير من المخالفات الشرعية الاجتماعية لم يوضع لها حدّ معين، بل أوكل أمرها إلى الحاكم الشرعي، لذلك فإنّ العقوبات في الشريعة الإسلامية تُقسّم إلى الحدود والتعزيرات، والتعزيرات تعني تلك العقوبات التي يحدّدها الحاكم الشرعي وفقاً لما تقتضيه المصلحة، وما يقتضيه الموقف، ومقدار الجرم وتأثيره على الفرد والمجتمع، فلا ملازمة أصلاً بين الحقّ الاجتماعي وبين تحديد عقوبة معيّنة.

خامساً: هناك آيات قرآنية عديدة خاطبت المؤمنين والمؤمنات بخطابات جعلت عليهم واجبات اجتماعية، وفي مخالفتها عقوبات ومؤاخذات، قال تعالى: (يا ايها الذين امنوا لا تأكلوا الربا اضعفا مضاعفة) (14)، وقال تعالى: (يايها الذين امنوا لا تأكلوا اموالكم بينكم بالباطل) (15)، وقال تعالى: (يايها الذين امنوا اطيعوا الله واطيعوا الرسول واولي الأمر منكم) (16)، وقال تعالى: (يايها الذين امنوا قاتلوا الذين يلونكم من الكفار) (17)، فالدولة الإسلامية من حقّها أن تُعاقب مَن يأكل الربا ويأكل الأموال بالباطل، وكذا الذي يخالف قول الرسول وأولي الأمر، أو الذي لا يقاتل الكفّار وقت وجوب الجهاد، وغير ذلك من الآيات القرآنية (18).

الدليل السادس: عدم تعيين عقوبة لترك الحجاب

إنّ ترك الحجاب لا توجد له عقوبة خاصّة، وهذا يعني أنّه أمر فردي عقوبته يوم القيامة لا في هذه الدنيا، ولو كان أمراً اجتماعياً لكان تركه تجاوزاً على حقوق الآخرين، وهو يستدعي أن تُعيّن له عقوبة مشخّصة (19).

نقاش الدليل السادس

ويرد عليه:

أوّلاً: قد تقدّم أنّ هناك حدوداً وتعزيرات، ويمكن أن يكون ترك الحجاب من الموارد التي فيها تعزير، فمجرّد عدم وجود حدّ معيّن لترك الحجاب لا يعني فرديّته.

ثانياً: لا توجد ملازمة ذاتية بين الحقّ الاجتماعي والعقوبة، لربما تكون هناك أُموراً اجتماعية لا عقوبة لها، نعم أكثر الحقوق الاجتماعية توجد عقوبة على مخالفتها.

هذه مجموعة من الأدلّة المدعاة على فردية الحجاب، وقد رأينا أنّ جميعها مخدوش بوجوه تقدّم ذكرها، وعليه فلم يثبت أيّ دليل على فردية الحجاب فقط.

وللتذكير نقول: نحن لا نريد أن ننفي الجنبة الفردية في الحجاب حتّى لا يُشكل ويقال أنّ الحجاب واجب على كلّ امرأة، وإذا لم تلتزم به فقد خالفت وأذنبت بمفردها، وإنّما نريد أن نبيّن أنّه لم يثبت أنّ للحجاب جنبة فردية فقط، أي نفي الجنبة الاجتماعية، فجميع الأدلّة المتقدّمة التي أدّعي أنّها تُخصّص الحجاب بالجنبة الفردية غير تامّة، ثمّ بعد أن انتفت الأدلّة المدعاة على تخصيص الحجاب بالجنبة الفردية، يأتي البحث حول أنّه توجد جنبة اجتماعية للحجاب أو لا؟

الحقّ الاجتماعي (الحقّ العام)

قبل الدخول في بيان أدلّة الجنبة الاجتماعية للحجاب، لابدّ من تسليط الضوء على معنى الحقّ الاجتماعي أو الحقّ العام، ثمّ نطبّق هذا المعنى على الحجاب من خلال أدلّته وحكمة تشريعه أو علّته.

ذكر البعض أنّ الحقّ الاجتماعي أو الحقّ العام هو ذلك الحقّ الذي تتوفّر فيه مجموعة من الخصوصيات، وهي:

1ـ إنّ الحقّ العام غير قابل للإسقاط أو التنازل أو المساومة.

2ـ منافع هذا الحقّ تعود لعموم الأفراد، بحيث أنّ الفرد يستفيد من منافعه بما هو تحت المجموع لا بما هو فرد.

3ـ يرتبط بأفراد المجتمع لا بشخص خاصّ أو فئة معيّنة.

4ـ حقيقته وهويّته جمعية، وشخصيّته حقوقية لا حقيقية (2).

هذه النقاط الأربعة وإن كانت مشتركة مع بعض الحقوق الأُخرى، كاشتراك النقطة الأُولى مع حقّ الله تعالى في أكثر الموارد، إلّا أنّ هذه النقاط تعكس حقيقة معيّنة، وهي أنّ الحقّ الاجتماعي والحقّ العام يرتبط بعموم أفراد المجتمع لا بشخص معيّن أو فئة معيّنة، وعند غياب هذا الحقّ وعدم العمل به، فإنّ المجتمع يتضرّر بما هو مجتمع.

وهنا لابدّ من الإشارة إلى مسألة مهمّة وهي: إنّ المقصود من تضرّر المجتمع هو مجموع المجتمع لا جميع أفراده، بمعنى أنّ تضرّر المجتمع لا يعني منه أن يتضرّر جميع أفراد المجتمع فرداً فرداً، وإلّا لما كان هناك حقّ اجتماعي أو حقّ عام أصلاً، لأنّه في كلّ جريمة من هذا القبيل نجد أنّ بعض الأفراد لا يتضرّرون، وعلى أقلّ تقدير الأفراد الذين يقبلون بذلك الجرم ويحرّضون، أو يعملون عليه إمّا لاعتقادات خاصّة بهم، أو لمصالح كذلك، فإنّهم لا يتضرّرون من ترك أو تجاوز الحقّ، بل على العكس، وذلك من قبيل جرم بيع وترويج المخدّرات أو السلاح أو الأفلام المبتذلة وما شاكل من هذه الأُمور، فإنّ في جميعها يمكن أن نجد أفراداً في المجتمع لا يتضرّرون منها بل ولا يعلمون بها.

من هنا لابدّ أن نُحدّد أنّ الحقّ العام هو الذي يرتبط بالمجتمع من خلال ارتباطه بمجموعة من أفراد ذلك المجتمع لا على التعيين والتحديد، بل انطباقه على كلّ مجموعة بحسب الظروف والعوامل الموضوعية في الزمان والمكان.

ويمكن أن نُعبّر عن الحقّ العام، هو ذلك الحقّ الذي يتجاوز حقوق ومصلحة الفرد إلى حقوق ومصلحة الآخرين، والتعدّي عليه يُعتبر تعدّياً عليهم، وتجاوزاً على مصلحتهم وحقوقهم.

هذا معنى تقريبيّاً للمصلحة العامّة والحقّ العام، وهي مسألة وقع فيها بحث واختلاف عند علماء الاجتماع، وذُكر في المقام أكثر من تعريف، وأكثر من نظرية، فقد ذكر عالم الاجتماع (بنتام) في كتابه مقدّمة في أُصول الأخلاق والتقنين: إنّ المصلحة العامّة هي حاصل جمع مصلحة كلّ فرد فرد، فالمسألة حسابية والمصلحة العامّة هي حاصل الجمع.

ولكن واجهت هذه النظرية انتقادات عديدة، منها: كونها مبنية على أن لا يكون هناك تعارض بين مصلحة الفرد ومصلحة المجتمع، فإذا كان فلا توجد مصلحة عامّة، لأنّه لا حقيقة للمصلحة العامّة إلّا حاصل جمع مصلحة الأفراد، فإذا تضرّر بعض الأفراد وخالفت مصلحتهم المصلحة العامّة، فلا مصلحة عامّة في البين، وهذه النتيجة المترتّبة على هذه النظرية لا يمكن الالتزام بها، حيث أنّه توجد مصالح عامّة كثيرة مسلّمة للمجتمع، إلّا أنّها تُخالف مصلحة الأفراد بما هم أفراد، وقد مثّلو لذلك بدفع الضرائب، فإنّ دفع الضرائب من المصالح العامّة التي يحتاجها المجتمع بما هو مجتمع، ومع ذلك فإنّها تُخالف مصلحة الأفراد بما هم أفراد، حيث أنّها تكلّفه دفع أموالاً إضافية.

ولأجل ما تقدّم ذهب بعض آخر من علماء الاجتماع إلى أنّ المصلحة العامّة هي تلك المصلحة التي توفّر للإنسان طموحاته وغاياته، وتُحقّق له سعادته وتكامله، وبعبارة مختصرة: هي الأُمور التي فيها خير أفراد المجتمع، وعليه فكلّ أمر يمنع من تحقّق ذلك الخير فهو خلاف المصلحة العامّة (21).

والملاحظ أنّ تحديد المصلحة العامّة والحقّ العام بشكل دقيق وبجميع الجزئيات من الأُمور التي ما زالت محلّا للبحث والنقاش، نعم أنّ هناك كلّيات واضحة متّفق عليها، وتجاوزها يُعتبر تجاوزاً على الحقّ العام، كما تقدّم.

فائدة في الفرق بين حقّ الله وحقّ الناس وحقّ المجتمع (الحقّ العام)

بالإضافة إلى ما تقدّم من حقّ المجتمع أو الحقّ العام، فهناك مصطلحان آخران: الأوّل حقّ الله، والثاني حقّ الناس، فالحقوق ثلاثة:

1_ حقّ المجتمع أو الحقّ العام، وهو ما تقدّم بيانه، وهو مورد البحث.

2_ حقّ الله، وهو ذلك الحقّ الذي يكون لله تعالى على الناس، وليس لأفراد المجتمع أيّ حقّ فيه، لا بما هم أفراد، ولا بما هم مجتمع، لذلك قيل: إنّ حقّ الله هو أوامره ونواهيه التي يجب على الناس إطاعتها.

3_ حقّ الناس، وهي تلك الحقوق التي تكون لأفراد المجتمع بما هم أفراد، كما في حقّ الملكية والزوجية وما إلى ذلك.

فإن قلت: إنّ الحقوق الفردية قد عيّنتها الشريعة، وهذا يعني أنّه توجد أوامر بها من قبل الله تعالى، وبذلك ستكون هذه الحقوق أيضاً من حقّ الله تعالى، فلا فارق في البين.

قلت: نعم، كلّ أمر من الشارع فهو حقّه، ولكن في حقّ الناس بالإضافة إلى وجود أمر منه تعالى يوجد حقّ للناس أيضاً، وسنبيّن فيما يأتي أنّ أحد الفوارق بين حقّ الله وحقّ الناس، أنّ الناس لهم أن يسقطوا حقوقهم بخلاف حقّ الله، وعليه فحقّ الناس فيه أمر إضافي على حقّ الله مع وجود حقّ الله معه، فالأمر من قبيل الأقلّ والأكثر.

قال الشهيد الثاني في القواعد والفوائد: >قد تقدّم تقسيم الحقوق، ويزيد هنا: أنّ المراد بحقّ الله تعالى، إمّا أوامره الدالّة على طاعته، أو نفس طاعته، بناء على أنّه لولا الأمر لما صدق على العبادة أنّها حقّ الله، أو بناء على أنّ الأمر إنّما يتعلّق بها لكونها في نفسها حقّ الله تعالى، وعليه نبّه في الحديث الصحيح عن رسول الله صلى الله عليه وآله، وعن أهل البيت عليهم السلام: (حقّ الله على العباد أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئاً).

ويتفرّع على اعتبار أنّ الأمر هو حقّ الله، أنّ حقوق العباد المأمور بأدائها إليهم مشتملة على حقّ الله تعالى، لأجل الأمر الوارد إليهم معاملة، أو أمانة، أو حدّاً، أو قصاصاً، أو ديّة، أو غير ذلك.

فعلى هذا، يوجد حقّ الله تعالى بدون حقّ العبد، كما في الأمر بالصلاة، ولا يوجد حقّ العبد بدون حقّ الله تعالى، والضابط فيه: أنّ كلّ ما للعبد إسقاطه، فهو حقّ العبد، وما لا، فلا، كتحريم الربا والغرر، فإنّه لو تراضى اثنان على ذلك لم يخرج عن الحرمة، لتعلّق حقّ الله تعالى به، فإنّ الله تعالى إنّما حرّمهما صوناً لمال العباد عليهم، وحفظاً له عن الضياع، فلا تحصل المصلحة بالمعقود عليه، أو تحصل مصلحة نزرة، وبإزائها مفسدة كبرى، ومن ثمّ مُنع العبد من إتلاف نفسه وماله، ولا اعتبار برضاه في ذلك، وكذلك حُرّمت السرقة والغصب صوناً لماله، والقذف صوناً لعرضه، والزنا صوناً لنسبه، والقتل والجرح صوناً لنفسه، ولا يُعتبر فيه رضا العبد< (22).

وقد ذُكرت في المقام مجموعة من الفوارق بين حقّ الله وحقّ الناس، منها:

1_ لا تجوز الشهادة التبرّعية في حقّ الناس، وتجوز في حقّ الله تعالى، وقد ذُكرت بعض التوجيهات والحكمة لهذا الفارق.

2_ حقّ الله لا يحتاج إلى شاكي خاصّ فيعاقب المتجاوز حتّى لو لم يشتك عليه أحد، وهذا بخلاف حقّ الناس فبدون شكوى من شخص لا تُقام الدعوى.

3_ جواز إسقاط حقّ الناس ولا يجوز في حقّ الله ذلك.

4_ لا يحقّ للحاكم أن يعفو عن المذنب في حقّ الناس، ويجوز في حقّ الله وفق مصالح وضوابط معيّنة (23).

وهناك روايات عديدة في هذه الفوارق، وقد تطرّق إليها الفقهاء (أيّدهم الله) بالبحث والتنقيب بشكل مفصّل (24).

وقد ذكرت ضابطة أُخرى في المقام بين حقّ الله وحقّ الناس وهي: >إنّ النفع والضرر إذا كان يعود إلى عموم الناس فهو حقّ الله، وإذا كان النفع والضرر يعود إلى فرد معيّن أو مجموعة خاصّة فهو حقّ الناس< (25).

فإن صحّ هذا الرأي فلا يبقى فرق بين حقّ المجتمع (الحقّ العام) وبين حقّ الله.

قلت: إنّ حقّ الله موجود في الجميع، وكما قلنا أنّ حقّ الله تعالى موجود مع حقّ الناس أيضاً مع إضافة خاصّة، كذلك هنا فإنّ حقّ الله موجود مع الحقّ العام، ولكن مع إضافة خاصّة، وهي الفائدة التي تعود لأفراد المجتمع بما هم مجتمع لا بما هم أفراد، وما ذُكر في هذه الضابطة هو عود النفع أو الضرر عليهم بما هم أفراد.

والنتيجة: أنّ الفوارق الأساسية بين الحقوق وأنواعها إنّما تظهر في بحث كلّ حقّ حق، ولا اعتقد من السهل الخروج بضابطة واحدة مشخّصة وبيّنة بشكل كامل، ولاختلاف وجهات النظر فيما نحن فيه ميدان واسع، لذلك اكتفينا بما قدّمناه من أُمور عامّة وكلّية حول بعض الفوارق بين الحقوق.

أدلّة اجتماعية الحجاب

ذُكرت في المقام مجموعة من الأدلّة التي تُثبت أنّ الحجاب حقّ اجتماعي لا مجرد كونه حقّاً فردياً، منها:

الدليل الأوّل: الآيات القرآنية

الآية الأُولى:

قوله تعالى: (وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوآبَائِهِنَّ أَوآبَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوأَبْنَائِهِنَّ أَوأَبْنَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَو إِخْوَانِهِنَّ أَوبَنِي إِخْوَانِهِنَّ أَوبَنِي أَخَوَاتِهِنَّ أَو نِسَائِهِنَّ أَو مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ أَو التَّابِعِينَ غَيْرِ أُولِي الأرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ أَو الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاءِ وَلا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِين مِنْ زِينَتِهِنَّ وَتُوبُوا إِلَى اللهِ جميعاً أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ) (26).

أمرت الآية القرآنية المؤمنات بعدم إظهار الزينة لغير مجموعة من الأصناف الخاصّين، وهم ما يُطلق عليهم في المصطلح الشرعي (المحارم)، ثمّ بيّنت الآية المباركة كيفية ذلك، بأن يضربن بجيوبهنّ على خمورهم، ثمّ عدّدت الآية الأصناف الذين لا يجب الحجاب عنهم، ومن خلال جميع ذلك يتبيّن أن الهدف الأساس أو لا أقل من أهمّ الأهداف للحجاب، هو حفظ المرأة وزينتها من غير المحارم، وهذا يعني أنّ الهدف يرتبط بالمرأة وبالآخرين، فهو حقّ اجتماعي لغايات اجتماعية، وهي منع إثارة شهوات ورغبات الآخرين، وهذا واضح جدّاً من الآية عند التدقيق في المصاديق التي لا يجب معها التحجّب، حيث أنّها تجاوزت الأرحام والأقارب القريبين إلى غيرهم من الذين ليس عندهم تلك الرغبات الخاصّة تجاه النساء، كالأطفال وغير أُولي الأربة من الرجال.

كما أنّ فقرة (وَلا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِين مِنْ زِينَتِهِنَّ) صريحة فما نحن فيه، حيث أنّها ركّزت العلّة أو لا أقلّ الحكمة بعدم إظهار الزينة وإثارة الآخرين بأيّ طريقة كانت.

قال الشيخ المفيد في أحكام النساء: >ولا يحلّ للمرأة المسلمة أن تُبدي زينتها إلّا لمن أباحها الله ذلك له منها، ممّن سمّاه في كتابه حيث يقول: (وقل للمؤمنات يغضضن من أبصارهن ويحفظن فروجهن ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها، وليضربن بخمرهن على جيوبهن، ولا يبدين زينتهن إلا لبعولتهن، أو آبائهن أو آباء بعولتهن، أو أبنائهن، أو أبناء بعولتهن، أو إخوانهن، أو بني إخوانهن، أو بني أخواتهن، أو نسائهن، أو ما ملكت أيمانهن، أو التابعين غير أولي الإربة من الرجال، أو الطفل الذين لم يظهروا على عورات النساء، ولا يضربن بأرجلهن ليعلم ما يخفين من زينتهن وتوبوا إلى الله جميعا أيها المؤمنون لعلكم تفلحون).

ولتجتنّب المرأة الحرّة المسلمة سلوك الطرق على اختلاط بالرجال، ولا تسلكها معهم إلّا على اضطرار إلى ذلك دون الاختيار، وإذا اضطرّت إلى ذلك فلتبعد من سلوكها عن الرجال، ولا تقاربهم، وتحتفز بجهدها إن شاء الله< (27).

قال الأردبيلي في زبدة البيان: >والمراد بالآباء الأب وإن علا، وبالأبناء الابن وإن سفل، والأخ أعمّ من أن يكون من الطرفين أو أحدهما، وبني الأُخوة والأخوات وإن سفلوا، فهؤلاء مستثنون، والظاهر من النسب والرضاع للصدق، فيحرم نكاح بعضهم على بعض فهؤلاء محارم.

والمراد بالزينة المحرّم إبداؤها هو موضع الزينة لا نفسها، إذ نفسها يجوز النظر إليها لكلّ أحد وليس بحرام، فلا يصحّ الحكم المستثنى منه إلّا أن يكون هناك ريبة أو شهوة أو فتنة، فالظاهر جواز نظرهم إلى سائر البدن إلّا العورة لغير البعولة للأصل، ولما تقدّم، ولظاهر هذه الآية، حيث إنّ الظاهر أنّ المراد موقع الزينة الخفية، ويحتمل اختصاص محلّها فقط< (28).

قال الفيض الكاشاني في الوافي: >«وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ» ما تزيّن به من الأعضاء وما عليها من الحُلي والكحل والخضاب ونحوها، «إِلَّا ما ظَهَرَ مِنْها» كالوجه والكفّين والقدمين والكحل والخاتم ونحو ذلك، والمشهور في تفسير الآية غير ما ذُكر، وفيه أقوال واختلافات ولكنّا اتّبعنا ظاهر اللفظ مع ما ورد عن الصادق عليه السلام في تفسيرها كما يأتي في الأخبار، وكان «ما ظَهَرَ مِنْها» يختلف باختلاف العادات بحسب البلاد والطوائف، «وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلى جُيُوبِهِنَّ» الخمر جمع خمار وهو المقنعة، أُريد بضربها على الجيوب إسدالها على الصدور ليسترنّها وما فوقها من الرقبة تغييراً لعادة الجاهلية، إذ كانت جيوبهن واسعة يبدو منها نحورهنّ وصدورهنّ وما حواليهما، وكن يسدلن الخمر من ورائهنّ فيبقى قدّامهنّ مكشوفة، وفي الآية دلالة على عدم وجوب ستر الوجه كما لا يخفى، «وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ» أي غير الظاهرة بدليل الاستثناء السابق واللاحق، وذلك مثل سائر الأعضاء المزيّنة لهنّ، كالقلادة للعنق والوشّاح للرأس والقرط للأُذن والخلخال للساق إلى غير ذلك إذا كانت في مواضعها، «أَو آبائِهِنَّ أَو آباءِ بُعُولَتِهِنَّ» وإن علوا فيهما، «أَو أَبْنائِهِنَّ» وإن سفلوا، وكذا في سائر الأبناء المذكورين في هذه الآية، وترك ذكر الأعمام والأخوال، إمّا لأنّهم في معنى الإخوان، وإمّا لئلّا يصفوهنّ لأبنائهم كذا قيل، «أَو نِسائِهِنَّ» أي المؤمنات، إذ ليس للمؤمنة أن تنكشف بين يدي مشركة أو كتابية لأنهنّ لا يتحرجنّ من وصفهنّ لأزواجهن، كذا في الحديث كما يأتي، «أَو ما مَلَكَتْ أَيْمانُهُنَّ» ذكوراً كانوا أو إناثاً، وربما يخصّ بالإناث ويعمّ الكافرات، ويأتي ما في الأخبار فيه، «أَو التَّابِعِينَ» الذين يتّبعون للانتفاع والخدمة، «غَيْرِ أُولِي الإِرْبَةِ» أُولي الحاجة إلى النساء، كالشيوخ الذين سقطت شهوتهم كما روي عن الكاظم (ع)، أو البله الذين لا يعرفون شيئاً من أُمورهنّ كما ورد عن الصادق عليه السلام، «لَمْ يَظْهَرُوا» لم يطلعوا ولم يميّزوا أو لم يطيقوا بعد مجامعتهن< (29).

قال السيّد الخوئي في كتاب النكاح: >قوله تعالى: (ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها وليضربن بخمرهن على جيوبهن ولا يبدين زينتهن إلا لبعولتهن..) على ما تقدّم دلالتها، فإنّ هذه الآية الكريمة تتصدّى لبيان حكمين: حكم الظهور، وعدم التستر المعبّر عنه بالإبداء في نفسه عند احتمال وجود ناظر محترم، وحكم الإظهار للغير المعبّر عنه بالإبداء عند القطع بوجود ناظر محترم، أمّا عند القطع بعدم وجوده فيجوز الكشف كما في الحمام المنفرد عند الغسل ونحوه، أفادت الحكم الأوّل وأن بدن المرأة ما عدا الوجه والكفّين كعورة الرجل يجب ستره في نفسه، ولا يتوقّف صدق عنوان البدو والإبداء على وجود الناظر، ولذا جاء في صحيحة زرارة (قلت لأبي جعفر(ع): رجل خرج من سفينة عرياناً أو سُلب ثيابه ولم يجد شيئاً يُصلّي فيه، فقال: يُصلّي إيماءاً، وإن كانت امرأة جعلت يدها على فرجها، وإن كان رجلاً وضع يده على سوأته ثم يجلسان فيوميان إيماءاً ولا يسجدان ولا يركعان فيبدو ما خلفهما، تكون صلاتهما إيماءاً برؤوسهما)، فإنّه (ع) عبّر بالبدو في فرض عدم وجود ناظر محترم، فيظهر من ذلك أنّ المراد به هو الإبداء في نفسه أي ظهوره، أفادت الحكم الثاني وهو حرمة إظهار جميع البدن، ومن غير استثناء اللازمة لحرمة النظر إليها لغير المذكورين فيها، والذي يظهر والله العالم أنّ الروايات الواردة في تفسير هذه الآية الكريمة تُؤكّد ما ذكرناه من التفصيل في الزينة، بين ما يجب سترها في نفسه، وما يحرم ابداؤها لغير الزوج، فإنّ بعضها تسأل عن القسم الأوّل وبعضها الآخر تسأل عن القسم الثاني في الآية الكريمة.

فمن الأوّل، معتبرة أبي بصير عن أبي عبد الله (ع): (قال: سألته عن قول الله عزّ وجل (ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها)؟ قال: الخاتم، والمسكة، وهي القلب)، فهي صريحة في أنّ السؤال عن القسم الأوّل من الآية الكريمة دون القسم الثاني، فلا تدلّ إلّا على جواز كشف الوجه، واليدين، وعدم وجوب سترهما في نفسه، وقد عرفت أنّ ذلك لا يلازم جواز النظر إليهما.

ومن الثاني: صحيحة الفضيل المتقدّمة حيث ورد السؤال فيها عن الذراعين من المرأة هما من الزينة التي قال الله عزّ وجل: ولا يُبدين زينتهنّ إلّا لبعولتهنّ؟ فأجاب (ع): نعم. فدلّت على حرمة إبدائهما لغير الزوج ومَن ذُكر في الآية الكريمة، فبملاحظة هذه النصوص يتّضح جليّاً أنّ ما تفسّره معتبرة أبي بصير غير ما تفسّره صحيحة الفضيل، وأنّهما منضمّاً إنّما يفيدان أنّ الزينة على قسمين< (30).

قال الشيخ حسن الجواهري في بحوث في الفقه المعاصر: > بل حرّم الشارع كلّ ما يثير الشهوات، فقد قال تعالى: (…وَلا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِين مِنْ زِينَتِهِنَّ)، فيعلم منه حرمة حتّى صوت الخلخال وحتّى التكسّر في المشية، ممّا يوجب لفت نظر الرجال وتحريك شهواتهم< (31).

قال السيّد العلّامة الطباطبائي في الميزان: >(وليضربنّ بخمرهنّ على جيوبهنّ) الخُمُر بضمّتين جمع خمار، وهو ما تُغطّي به المرأة رأسها، وينسدل على صدرها، والجيوب جمع جيب بالفتح فالسكون وهو معروف، والمراد بالجيوب الصدور، والمعنى وليلقين بأطراف مقانعهنّ على صدورهن ليسترنها بها.

وقوله: “ولا يبدين زينتهن إلّا لبعولتهن – إلى قوله – أو بني أخواتهن” البعولة هم أزواجهنّ، والطوائف السبع الآخر محارمهنّ من جهة النسب والسبب، وأجداد البعولة حكمهم حكم آبائهم، وأبناء أبناء البعولة حكمهم حكم الأبناء.

وقوله: “أو نسائهن” في الإضافة إشارة إلى أنّ المراد بهنّ المؤمنات من النساء، فلا يجوز لهنّ التجرّد لغيرهنّ من النساء، وقد وردت به الروايات عن أئمّة أهل البيت عليهم السلام.

وقوله: “أو ما ملكت أيمانهنّ” إطلاقه يشمل العبيد والإماء، وقد وردت به الرواية كما سيأتي إن شاء الله، وهذا من موارد استعمال “ما” في أُولي العقل.

وقوله: “أَو التَّابِعِينَ غَيْرِ أُولِي الأرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ” الأربة هي الحاجة، والمراد به الشهوة التي تحوج إلى الأزدواج، “مِنَ الرِّجَالِ” بيان للتابعين، والمراد بهم كما تفسّره الروايات البله المولى عليهم من الرجال ولا شهوة لهم.

وقوله: “أو الطفل الذين لم يظهروا على عورات النساء” أي جماعة الأطفال – واللام للاستغراق – الذين لم يقووا ولم يظهروا – من الظهور بمعنى الغلبة – على أُمور يسوء التصريح بها من النساء، وهو- كما قيل – كناية عن البلوغ.

وقوله: (وَلا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِين مِنْ زِينَتِهِنَّ) ذلك بتصوّت أسباب الزينة كالخلخال والعقد والقرط والسوار< (32).

إلى غير ذلك من الأقوال الكثيرة التي بيّنت تفسير وأحكام وأبعاد هذه الآية المباركة من أقوال الفقهاء والمفسّرين والمحقّقين وغيرهم.

وجميع ذلك يشير للحقيقة التي قدّمناها، وهي بروز الجنبة الاجتماعية بشكل واضح وجلي للحجاب من هذه الآية المباركة.

الآية الثانية:

قوله تعالى: (وَالْقَوَاعِدُ مِنَ النِّسَاءِ اللاتِي لا يَرْجُونَ نِكَاحًا فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُنَاحٌ أَنْ يَضَعْنَ ثِيَابَهُنَّ غَيْرَ مُتَبَرِّجَاتٍ بِزِينَةٍ وَأَنْ يَسْتَعْفِفْنَ خَيْرٌ لَهُنَّ وَاللهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ) (33).

تُشير الآية بشكل واضح إلى أنّ النساء اللاتي لا يرجون نكاحاً يمكنهنّ أن يضعن ثيابهن ككبار السن، ومع ذلك شرطت الآية أن يكون وضع الثياب مع عدم الزينة، ومع ذلك فالعفّة أفضل وأحسن، وهذا يعني أنّ الحجاب الكامل هو من أجل منع نظرات الآخرين وإثارة شهواتهم، وكلّ ما يرتبط بمقدّمات النكاح، وجميع ذلك من الأُمور الاجتماعية التي ترتبط بثقافة وسلامة المجتمع من المخاطر التي تهدّده من عدم وجود الحجاب.

لا يقال: إنّ الآية ناظرة إلى وضع الثياب عن العجائز بشكل كامل، وهو حكم شرعي لا علاقة له بما نحن فيه، أي ليست القضية مرتبطة بمسألة الحجاب.

لأنّه يقال: قد نصّ الفقهاء على أنّ المقصود هو رفع الحجاب الشرعي عنهنّ لا مطلق الثياب، وقد ذكروا مجموعة من الأدلّة كعمومات وإطلاقات الكثير من الروايات، وكالتسالم والبداهة الفقهية والشرعية.

قال الشيخ المفيد في أحكام النساء: >لا بأس للقواعد من النساء – وهنّ العجز اللآتي لا يصلحنّ للأزواج للنكاح – أن يحضرنّ الجمعة والعيدين، ويمشين في طرقات الرجال للحوائج إلى ذلك والأسباب، وليس عليهنّ في التشديد في إظهارهنّ ما على الشباب من النساء، وتعفّفهنّ عن ذلك أفضل بلا ارتياب، قال الله عزّ وجل: (وَالْقَوَاعِدُ مِنَ النِّسَاءِ اللاتِي لا يَرْجُونَ نِكَاحًا فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُنَاحٌ أَنْ يَضَعْنَ ثِيَابَهُنَّ غَيْرَ مُتَبَرِّجَاتٍ بِزِينَةٍ وَأَنْ يَسْتَعْفِفْنَ خَيْرٌ لَهُنَّ وَاللهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ)< (34).

قال الشهيد الثاني في مسالك الأفهام: >ولا بدّ من استثناء الصغيرة التي ليست مظنّة الشهوة من الحكم، وكذا العجوز المسنّة البالغة حدّاً تنتفي الفتنة والتلذّذ بنظرها غالباً على الأقوى، لقوله تعالى: (وَالْقَوَاعِدُ مِنَ النِّسَاءِ اللاتِي لا يَرْجُونَ نِكَاحًا فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُنَاحٌ أَنْ يَضَعْنَ ثِيَابَهُنَّ)< (35).

قال النجفي في الجواهر: >وأمّا القواعد من النساء، فالذي يظهر بقاء حكم العورة بالنسبة إلى ما يعتاد ستره من الأجساد في مثلهنّ من البطن ونحوها، نعم لا بأس ببروز وجوههنّ وبعض شعرهنّ وأذرعهنّ ونحو ذلك ممّا يعتاد في العجائز المسنّة، فالمراد من الآية أنّ القواعد من النساء اللاتي لا يرجون نكاحاً، أي يئسن من المحيض والولد والطمع في النكاح لكبر السنّ، لا جناح عليهنّ إذا خرجن من بيوتهنّ أن يضعن ثيابهنّ التي يسترن بها، ثياب الزينة وغيرها من الملحفة والجلباب والخمار ونحوها، بشرط أن يكون ذلك لا على وجه التبرّج بزينة، بل يكون للخروج في حوائجهنّ، ومع ذلك فإن يستعففن ويسترن خير لهنّ، لا أنّ المراد ارتفاع حكم العورة بالنسبة إليهنّ الذي يمكن دعوى ضرورة المذهب أو الدين على خلافه، فضلاً عن عموم الأدلّة وإطلاقها< (36).

قال العلّامة الطباطبائي في الميزان: >قوله تعالى: “وَالْقَوَاعِدُ مِنَ النِّسَاءِ اللاتِي لا يَرْجُونَ نِكَاحًا” إلى آخر الآية، القواعد جمع قاعدة وهي المرأة التي قعدت عن النكاح فلا ترجوه لعدم الرغبة في مباشرتها لكبرها، فقوله: “اللاتِي لا يَرْجُونَ نِكَاحًا” وصف توضيحي، وقيل: هي التي يئست من الحيض، والوصف احترازي.

وفي المجمع: التبرّج إظهار المرأة من محاسنها ما يجب عليها ستره، وأصله الظهور ومنه البرج البناء العالي لظهوره، والآية في معنى الاستثناء من عموم حكم الحجاب، والمعنى: والكبائر المسنّة من النساء فلا بأس عليهنّ أن لا يحتجبن حال كونهنّ غير متبرّجات بزينة.

وقوله: “وأن يستعففن خير لهن” كناية عن الاحتجاب، أي الاحتجاب خير لهنّ من وضع الثياب، وقوله: “والله سميع عليم” تعليل لما شرع بالاسمين، أي هو تعالى سميع يسمع ما يسألنه بفطرتهنّ، عليم يعلم ما يحتجن إليه من الأحكام< (37).

قال الشيخ مكارم الشيرازي في تفسيره الأمثل: >وفي آخر الآيات – موضع البحث – استثناء لحكم الحجاب، حيث استثنت النساء العجائز والمسنّات من هذا الحكم، فقال: (والقواعد من النساء اللاتي لا يرجون نكاحا فليس عليهن جناح أن يضعن ثيابهن غير متبرجات بزينة).

ولهذا الاستثناء شرطان: أوّلهما: وصول هذه العجائز إلى عمر لا يتوقّع أن يتزوجنّ فيه، أو بعبارة أُخرى: أن يفقدن كلّ جاذبية أنثوية، وثانيهما: ألّا يتزينّ بزينة بعد رفع حجابهنّ، ويتّضح بذلك أنّه لا ضير في رفع الحجاب بعد إجراء هذين الشرطين، ولهذا استثناهنّ الإسلام من حكم الحجاب< (38).

الآية الثالثة:

قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلا يُؤْذَيْنَ وَكَانَ اللهُ غَفُورًا رَحِيمًا) (39).

جعلت هذه الآية المباركة الحجاب أماناً من الأذى بالنسبة للمؤمنات، ومن الواضح فإنّ الأذية التي تتعرّض لها المرأة من الآخرين هي بسبب الجاذبية التي أودعها الله تعالى في خلقها، وتلك الجاذبية هي التي تثير الشهوات والرغبات، وتجعلهم يطلبون النساء بأيّ كيفية كانت، وهذا يؤدّي إلى التجاوز على المرأة وإيذائها، ولمنع هذه الحالات والتجاوزات أشارت الآية للرسول الأعظم| بأن يأمر أزواجه وبناته ونساء المؤمنين بالتستّر والتحجّب حفظاً لهنّ من الأذية.

وعليه فالأذية الحاصلة من عدم الحجاب هي ذات طرفين، حيث أنّها أذية للرجال في حال عدم تحقيق رغباتهم الجنسية اللا مشروعة، وأذية للنساء في حال تحقيقها، وهذه أُمور تُعرّض المجتمع للخطر والتفكّك والانحطاط.

قال الشيخ الطوسي في التبيان: >ثمّ خاطب النبي صلى الله عليه وآله بقوله “يا أيّها النبي” وأمره بأن يقول لأزواجه وبناته ونساء المؤمنين، ويأمرهم بأن يدنين عليهم من جلابيبهنّ، فالجلابيب جمع جلباب وهو خمار المرأة، وهي المقنعة تغطّي جبيتها ورأسها إذا خرجت لحاجة، بخلاف خروج الإماء اللاتي يخرجن مكشّفات الرؤس والجباه – في قول ابن عباس ومجاهد – وقال الحسن: الجلابيب الملاحف تدينها المرأة على وجهها (ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلا يُؤْذَيْنَ)< (40).

قال العلّامة في الميزان: >الجلابيب جمع جلبات وهو ثوب تشتمل به المرأة، فيغطّي جميع بدنها، أو الخمار الذي تغطّي به رأسها ووجهها.

وقوله: (يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلابِيبِهِنَّ) أي يتستّرن بها فلا تظهر جيوبهن وصدورهن للناظرين.

وقوله: (ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلا يُؤْذَيْنَ) أي ستر جميع البدن أقرب إلى أن يُعرفن أنّهن أهل الستر والصلاح فلا يُؤذين، أي لا يُؤذيهن أهل الفسق بالتعرّض لهنّ< (41).

قال الشيخ مكارم الشيرازي بعد أن ذكر الآية: >هناك رأيان لدى المفسّرين في المراد من “المعرفة” لا يتناقضان:

الأوّل: أنّه كان من المتعارف ذلك اليوم أن تخرج الجواري من المنازل مكشوفات الرأس والرقبة، ولمّا لم يكن مقبولات من الناحية الأخلاقية، فقد كان بعض الشباب المتهوّر يضايقوهنّ، فأمرت المسلمات الحرائر أن يلتزمن الحجاب التامّ ليتميزنّ عن الجواري، وبالتالي لا يقدر أن يُؤذيهن أُولئك الشباب.

ومن البديهي أنّ هذا الكلام لا يعني أنّه كان لأُولئك الطائشين حقّ أذى الجواري، بل المراد سلب الحجّة من الأفراد الفاسدين.

والآخر: أنّ الهدف هو أن لا تتساهل المسلمات في أمر الحجاب كبعض النساء المتحلّلات والمتبرّجات المسلوبات الحياء رغم التظاهر بالحجاب، هذا التبرّج يغري السفلة والأراذل ويلفت انتباههم< (42).

الدليل الثاني: الروايات

هناك مجموعة كبيرة من الروايات أشارت _تصريحاً أو تلويحاً، منطوقاً أو مفهوماً، أو بالأولوية، وما إلى ذلك _  إلى أنّ الحجاب واجب لحفظ المرأة، ورعاية حقوق الآخرين من عدم التهييج وإثارة الشهوات وما إلى ذلك، وهذا جميعه يُنبئ عن الجنبة الاجتماعية للحجاب، والروايات كثيرة، ومنها ما هو صحيح السند، لذلك سنكتفي بذكر بعض الروايات، ولا نطيل الكلام فيها لوضوح المطلب، منها:

الرواية الأُولى:

جاء في الكافي: >عن محمّد بن يحيى، عن أحمد بن محمّد، عن علي بن الحكم، عن سيف بن عميرة، عن سعد الإسكاف، عن أبي جعفر (عليه السلام)، قال: «استقبل شابّ من الأنصار امرأة بالمدينة، وكان النساء يتقنعنّ خلف آذانهنّ، فنظر إليها وهي مقبلة، فلمّا جازت نظر إليها، ودخل في زقاق قد سمّاه ببني فلان، فجعل ينظر خلفها، واعترض وجهه عظم في الحائط، أو زجاجة، فشقّ وجهه، فلمّا مضت المرأة، نظر فإذا الدماء تسيل على صدره وثوبه، فقال: والله لآتين رسول الله (صلى الله عليه وآله)، ولأخبرنّه، قال: فأتاه، فلمّا رآه رسول الله (صلى الله عليه وآله)، قال له: ما هذا؟ فأخبره، فهبط جبرئيل (عليه السلام) بهذه الآية: * (قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصارِهِمْ ويَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذلِكَ أَزْكى لَهُمْ إِنَّ اللَّه خَبِيرٌ بِما يَصْنَعُونَ) (43).

الرواية الثانية:

في الكافي: عن محمّد بن يحيى، عن أحمد بن محمّد بن عيسى، عن مروك بن عبيد، عن بعض أصحابنا، عن أبي عبد الله (عليه السلام)، قال: قلت له: ما يحلّ للرجل أن يرى من المرأة إذا لم يكن محرماً؟ قال: «الوجه، والقدمان، والكفّان» (44).

الرواية الثالثة:

في الكافي: عن محمّد بن إسماعيل، عن الفضل بن شاذان، وأبي علي الأشعري، عن محمّد بن عبد الجبّار، عن صفوان بن يحيى، عن ابن مسكان، عن زرارة، قال: سألت أبا جعفر (عليه السلام) عن قول الله عزّ وجل: (أَو التَّابِعِينَ غَيْرِ أُولِي الإِرْبَةِ مِنَ الرِّجالِ)  إلى آخر الآية، قال: «الأحمق الذي لا يأتي النساء» (45).

الرواية الرابعة:

 وعنه: عن حميد بن زياد، عن الحسن بن محمّد، عن غير واحد، عن أبان بن عثمان، عن عبد الرحمن بن أبي عبد الله، قال: سألته عن أُولي الإربة من الرجال، قال: «الأحمق المولى عليه، الذي لا يأتي النساء» (46).

الرواية الخامسة:

الصدوق: عن أبيه، قال: حدّثنا سعد بن عبد الله، عن يعقوب بن يزيد، عن صفوان بن يحيى، عن عبد الله بن مسكان، عن زرارة، قال: سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن قول الله عزّ وجل: (أَو التَّابِعِينَ غَيْرِ أُولِي الإِرْبَةِ مِنَ الرِّجالِ) إلى آخر الآية، فقال: «الأحمق الذي لا يأتي النساء»(47).

وهناك روايات عديدة بنفس هذا المضمون.

الرواية السادسة:

جاء في الكافي في بيان معنى القواعد من النساء: >علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن حماد بن عثمان، عن الحلبي عن أبي عبد الله (عليه السلام) أنّه قرأ (أن يضعن ثيابهن) قال: الخمار والجلباب، قلت: بين يدي مَن كان؟ فقال: بين يدي مَن كان غير متبرّجة بزينة، فإن لم تفعل فهو خير لها< (48).

الرواية السابعة:

علي بن إبراهيم، عن أبيه، ومحمّد بن إسماعيل، عن الفضل بن شاذان جميعا، عن ابن أبي عمير، عن حفص بن البختري، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: لا ينبغي للمرأة أن تنكشف بين يدي اليهودية والنصرانية، فإنّهنّ يصفن ذلك لأزواجهنّ< (49).

الرواية الثامنة:

عبد الله بن جعفر في (قرب الإسناد): عن أحمد بن محمّد بن عيسى، عن أحمد بن محمّد بن أبي نصر، عن الرضا (عليه السلام)… قال: وسألته عن الرجل يحلّ له أن ينظر إلى شعر أُخت امرأته؟ فقال: لا، إلّا أن تكون من القواعد، قلت له: أُخت امرأته والغريبة سواء؟ قال: نعم، قلت: فمالي من النظر إليه منها؟ فقال: شعرها وذراعها< (50).

وقد علّق صاحب الوسائل على الفقرة الأخيرة بقوله: >أقول: هذا مخصوص بالقواعد لما ذُكر في أوّله< (51).

إلى غير ذلك من الروايات الكثيرة التي بيّنت مسألة الحجاب والتستر، وما يحلّ النظر إليه وما لا يحلّ، وما يجوز إظهاره وما لا يجوز، وجميع ذلك يُشير إلى الجنبة الاجتماعية لمسألة الحجاب.

الدليل الثالث: التأثير الاجتماعي الإيجابي للحجاب

من الأُمور الواضحة أنّ عدم الحجاب والذي يساوي السفور وإظهار محاسن النساء وبعض أجسامهن _ قلّ أو كثر _ له تأثير سلبي في المجتمع، حيث أنّه يُعرّض شريحة الرجال وخصوصاً الشباب منهم إلى الميل نحو النساء، ويحرّك الغريزة الجنسية، وهذا من شأنه أن يضرّ الأمن الفردي للمجتمع بالنسبة لآحاد النساء، كما أنّه يضرّ العوائل ويُسبّب انعدام حالة الأمن العامّة في المجتمع، حيث لا يأمن الأب على ابنته، ولا الزوج على زوجته وهكذا.

وخلاصة القول أنّ عدم الحجاب يؤدّي إلى انعدام الأمن، ويضرّ بالعفّة  والسلامة العامّة، وعليه فالحجاب يمنع من هذه الأُمور، ويؤدّي إلى تحقّق العفّة والسلامة العامّة، وكلّ شيء يؤدّي إلى حفظ مصلحة الاجتماع فهو أمر اجتماعي وحقّ اجتماعي، فالتأثير الاجتماعي للحجاب ممّا لا شكّ فيه، وما كان كذلك فلا شكّ أنّه أمر اجتماعي.

فإن قلت:

نحن لا ننكر أنّ لعدم الحجاب تأثيراً في المجتمع، ولكن مَن قال أنّ هذا التأثير سلبي؟ بل على العكس يمكن أن ننظر إلى هذا التأثير بشكل إيجابي، حيث أنّه يؤدّي إلى إعجاب الرجل بالمرأة، وينجر إلى التعارف أو إلى الزواج أو إلى إشباع الغريزة الجنسية، وهذا من شأنه أن يقلّل الجرائم الجنسية والتجاوزات التي تكون من هنا وهناك.

وعليه فالتأثير الاجتماعي لعدم الحجاب لا ينكر، ولكنّه ليس أمراً سيّئاً حتّى نحتاج للحجاب للتخلص من ذلك الأثر.

قلت:

أوّلاً: إنّ هدفنا من هذا الدليل هو إثبات أنّ للحجاب أو عدم الحجاب تأثيراً اجتماعياً بغضّ النظر عن ما هو السلبي أو الإيجابي، وهذا ما اعترف به المستشكل، وعليه فالمستدلّ والمستشكل متّفقان على التأثير الاجتماعي للحجاب أو عدم الحجاب.

ثانياً: إن تحديد ما هو الأثر السلبي وما هو الأثر الإيجابي هذا يخضع في أكثر الأحيان إلى الإيديولوجية التي يحملها كلّ فرد، فلربما عمل حسن في رأي شخص قبيح عند آخر بسبب القناعات التي يحملها كلّ واحد منهما، فلحم الخنزير من الأُمور القبيحة والمحرّمة والمقزّزة عند عامّة المسلمين، بينما عند البعض لحم الخنزير من أفضل اللحوم.

والأمر هنا كذلك، فكثير من النتائج التي يؤدّي إليها عدم الحجاب والآثار التي يسبّبها هي محرّمة ومذمومة في الشريعة الاسلامية، ونحن عندما نقيّم الأشياء ـ وخصوصاً التي ترتبط بالفتاوى الفقهية ـ فإنّنا ننطلق من الرؤى الإسلامية العامّة، ونتكلّم داخل تلك الإطارات التي حدّدتها الشريعة المقدّسة، وعدم الحجاب يؤدّي الى الاختلاط المحرّم والممارسات الجنسية الممنوعة والنظرات المريبة، التي عادة ما تكون مقدّمات شبه حتمية للوقوع بالمحرّمات والممنوعات الفقهية في الشريعة الإسلامة.

ثالثاً: إنّ هناك تأثيرات سلبية لعدم الحجاب أقرّ بها حتّى مَن لا يُؤمن بالشريعة الإسلامية، حيث أنّ انعدام الحجاب يقلّل من قيمة المرأة، حيث أنّه يجعلها سلعة مبتذلة بين الرجال، وهذا حسب قانون العرض والطلب كبقية السلع، فلا قيمة ولا كرامة إنسانية ولا حرّية محترمة، وهذه نتائج أشارت إليها أبحاث غير إسلامية منشورة في العديد من المجلّات والمواقع الإلكترونية، نعم ربما لا يتّفقون مع الحجاب الإسلامي بالجملة، إلّا أنّهم قطعاً يتّفقون معه في الجملة، وهذا يكفي لإثبات ما نحن فيه.

الدليل الرابع: التأثير السلبي لعدم الحجاب

إنّ عدم الحجاب هو تجاوز على حقوق وحرّيات الآخرين، وذلك لأنّ عدم الحجاب في الأماكن العامّة يُهيّج الرجال ويُحرّك غرائزهم الجنسية تجاه تلك المراة السافرة، فإن حقّقوا رغبتهم مع تلك المرأة فهو تجاوز عليها، لأنّها لم تتهيئ لذلك، وإن لم يحقّقوها فقد تسبّبت لهم بالألم والأذية، وعلى كلّ حال فلتأثير الحجاب ولعدمه تأثير اجتماعي لا فردي، وهذا أمر واضح جدّاً.

فإن قلت: هناك شقّ ثالث في البين، وهو ما لو نفّذ الرجال رغباتهم برضاها، فهذا لا يكون تجاوزاً عليها.

قلت: الشقّ الثالث لا يمنع الشقّين الأوّلين، وليس كلامنا في الموجبة الكلّية، بل يكفينا للاستدلال الموجبة الجزئية، وإلّا أمكن النقض بأُمور أُخرى، كما لو لم يكن هناك رجال تتحرّك غرائزهم الجنسية لأسباب مختلفة.

قال الشيخ مكارم الشيرازي في تفسيره: >إنّ فلسفة الحجاب ليست خافية على أحد للأسباب التالية:

1 – إنّ تعرّي النساء وما يرافقه من تجميل وتدلل – وما شاكل ذلك – يُحرّك الرجال – خاصّة الشباب – ويُحطّم أعصابهم، وتراهم قد غلب عليهم الهياج العصبي، وأحياناً يكون ذلك مصدراً للأمراض النفسية، فأعصاب الإنسان محدودة التحمّل، ولا تتمكّن من الاستمرار في حالة الهيجان؟ ألم يقل أطبّاء علم النفس بأنّ هذه الحالة من الهيجان المستمر سبب للأمراض النفسية؟ خاصّة إذا لاحظنا أنّ الغريزة الجنسية أقوى الغرائز في الإنسان وأكثرها عمقاً، وكانت عبر التاريخ السبب في أحداث دامية وإجرامية مرعبة، حتّى قيل: إنّ وراء كلّ حادثة مهمّة امرأة ! أليس إثارة الغرائز الجنسية لعباً بالنار؟ وهل هذا العمل عقلاني؟ الإسلام يريد للرجال والنساء المسلمين نفساً مطمئنّة وأعصاباً سليمة ونظراً وسماعاً طاهرين، وهذه واحدة من فلسفات الحجاب.

2 – تُبيّن إحصاءات موثّقة ارتفاع نسب الطلاق وتفكّك الأُسرة في العالم، بسبب زيادة التعرّي، لأنّ الناس أتباع الهوى غالباً، وهكذا يتحوّل حبّ الرجل من امرأة إلى أُخرى كلّ يوم بل كلّ ساعة.

أمّا في البيئة التي يسودها الحجاب (والتعاليم الإسلامية الأُخرى) فالعلاقة وثيقة بين الزوج وزوجته، ومشاعرهما وحبّهما مشترك.

وأمّا في سوق التعرّي والحرّية الجنسية، حيث المرأة سلعة تُباع وتُشترى، أو في أقلّ تقدير موضع نظر وسمع الرجال، عندها يفقد عقد الزواج حرمته، وتنهار أُسس الأُسر بسرعة كانهيار بيت العنكبوت، ويتحمّل هذه المصيبة الأبناء بعد أن يفقدوا أولياءهم، ويفقدوا حنان الأُسرة.

3 – انتشار الفحشاء وازدياد الأبناء غير الشرعيين يُعتبران من أنكى نتائج إلغاء الحجاب، ولا حاجة إلى إحصائية بهذا الصدد، فشواهدها ظاهرة في المجتمع الغربي، واضحة بدرجة لا تحتاج إلى بيان.

لا نقول: إنّ السبب الرئيسي في ازدياد الفحشاء والأبناء غير الشرعيين ينحصر في إلغاء الحجاب وعدم الستر، ولا نقول: إنّ الاستعمار المشؤوم والقضايا السياسية المخرّبة ليس لها دور قوي فيه، بل نقول: إنّ التعرّي من الأسباب القوية لذلك.

وكما نعلم فإنّ انتشار الفحشاء وازدياد الأبناء غير الشرعيين مصدر أنواع الجرائم في المجتمعات البشرية قديماً وحديثاً، وبهذا تتّضح الأبعاد الخطرة لهذه القضية.

وعندما نسمع أنّ الولادات غير الشرعية في بريطانيا بلغت بحسب إحصائياتهم خمسمائة ألف طفل كلّ عام، وأنّ علماءها حذّروا المسؤولين من مغبّة هذا الوضع، ليس لأنّه – كما يقولون – بسبب مخالفته للقضايا الأخلاقية والدينية، وإنّما بسبب الخطر الذي أوجده هؤلاء الأبناء لأمن المجتمع، فقد وجدوا أنّهم يمثّلون القسم الأعظم من ملفّات القضايا الخاصّة بالجرائم.

ومن هنا ندرك أهمّية هذه القضية، وأنّها كارثة حتّى للذين لا يؤمنون بدين، ولا يهتمّون بأخلاق، وكلّما انتشر الفساد الجنسي في المجتمعات البشرية اتّسع التهديد لهذه المجتمعات وتعاظم الخطر عليها، وقد برهنت دراسات العلماء في التربية على ظهور الأعمال المنافية للعفّة، وتفشّي الإهمال في العمل والتأخّر، وعدم الشعور بالمسؤولية في المدارس المختلطة، والمنشئات التي يعمل فيها الرجال والنساء بشكل مختلط.

4 – قضية “ابتذال المرأة” وسقوط شخصيّتها في المجتمع الغربي ذات أهمّية كبيرة لا تحتاج إلى أرقام، فعندما يرغب المجتمع في تعرّي المرأة، فمن الطبيعي أن يتبعه طلبها لأدوات التجميل والتظاهر الفاضح والانحدار السلوكي، وتسقط شخصية المرأة في مجتمع يركز على جاذبيّتها الجنسية، ليجعلها وسيلة إعلامية يروّج بها لبيع سلعة أو لكسب سائح.

وهذا السقوط يفقدها كلّ قيمتها الإنسانية، إذ يصبح شبابها وجمالها وكأنّه المصدر الوحيد لفخرها وشرفها، حتّى لا يبقى لها من إنسانيّتها سوى أنّها أداة لاتّباع شهوات الآخرين، الوحوش الكاسرة في صور البشر! كيف يمكن للمرأة في هذا المجتمع أن تبرز علمياً وتسمو أخلاقياً؟!

ومن المؤسف أن تلعب المرأة باسم الفن، وتشتهر وتكسب المال الوفير، وتنحطّ إلى حدّ الابتذال في المجتمع، ليرحّب بها مسيرو هذا المجتمع المنحط خُلقياً في المهرجانات والحفلات الساهرة؟ ! هكذا حال المرأة في المجتمع الغربي، وقد كان مجتمعنا قبل انتصار الثورة الإسلامية كذلك، ونشكر الله على إنهاء تلك المظاهر المنحطّة في بلادنا بعد تأسيس الجمهورية الإسلامية، فقد عادت المرأة إلى مكانتها السامية التي أرادها الله لها، وها هي ذي تمارس دوراً إيجابياً في المجتمع مع محافظتها على حجابها الإسلامي، حتّى أنّها ساهمت بشكل فعّال خلف جبهات الحرب بمختلف الأعمال لدعم الجبهة والجهاد في سبيل الله.

وكان هذا جانباً من الفلسفة الحيوية لموضوع الحجاب في الإسلام، وهو ينسجم مع تفسيرنا< (52).

الدليل الخامس: الحجاب ليس من الأُمور القصدية

إنّ الحجاب ليس من الأُمور القصدية، بمعنى أنّه لو تحجّبت المرأة بأيّ قصد كان، ولو لم يكن من أجل تنفيذ الأمر الإلهي، فإنّها تكون قد امتثلت للحجاب وحقّقت الغاية الاجتماعية المطلوبة، يعني بمجرّد أن تمنع نظر الآخرين إلى محاسنها ومفاتنها فقد تحقّقت الغاية، وهذا يعني أنّ الهدف ليس فردياً خاصّاً بالمرأة، بل هو مرتبط بها من حيث نظر الآخرين وتأثّرهم بذلك، وليس معنى الاجتماعية إلّا هذا، ولو كان فرديّاً لكان مختصّاً بها فقط.

فإن قلت: إنّ الحجاب يجب على المرأة في أوقات وإن لم يكن هناك ناظراً، كما في الصلاة، فإنّه واجب عليها الحجاب، وهو شرط في صحّة صلاتها، وهذا يدلّ على أنّه واجب فردي كباقي واجبات الصلاة.

قلت:

أوّلاً: إنّ الكلام فيما نحن فيه هو الحجاب عن غير المحارم، أي الذي يمنع نظر الأجانب إلى ما لا يحلّ لهم النظر إليه، وهذا غير وجوب الحجاب في الصلاة كما هو واضح.

ثانياً: كلامنا عن الحجاب فيما نحن فيه ليس على نحو الموجبة الكلّية، بل يكفينا الموجبة الجزئية.

ثالثاً: وجود جنبة فردية في الحجاب لا يمنع من وجود جنبة اجتماعية فيه، كما تقدّم الكلام عن هذا المعنى في بداية البحث.

الدليل السادس: منع الحجاب دليل على اجتماعيّته

إنّ بعض الدول غير الإسلامية قد منعت الحجاب في مدارسها وجامعاتها ودوائرها الرسمية، وهذا خير شاهد ودليل على أنّ الحجاب أمر اجتماعي، وإلّا لوكان فردياً لما كان هناك حقّ لتلك الدول _ حتّى بناء على ما تعتقده من ايديولوجية خاطئة بنظر الإسلام_ في منع الحجاب، لأنّها تُؤمن بالحقوق والحرّيات الفردية _ ولو ظاهراً _ فمنعها دليل على أنّه ليس أمراً فردياً، بل هو حقّ اجتماعي يمسّ حرّيات وحقوق الآخرين.

الدليل الخامس: دليل الأولوية

هناك مجموعة من الأُمور التي اُعتبرت من الأُمور الاجتماعية، مع أنّها أضعف بكثير من مسألة الحجاب، فالحكم باجتماعيّتها حكم باجتماعية الحجاب بالأولوية، من قبيل الاستفادة من حزام الأمان والضمان الاجتماعي ولباس العمل الخاصّ، وغيرها من الموارد بحيث تدخّلت الدول لفرض هذه الأُمور، وهو ما يدلّ على أنّها أُمور تمسّ عموم المجتمع، مع أنّ تأثيرها الاجتماعي أقلّ بكثير من تأثير الحجاب، وإن كانت هناك موارد تختلف فيها هذه الأُمور عن قضية الحجاب (53).

الدليل السادس: فتاوى الفقهاء

أكّدت فتاوى الفقهاء على وجوب الحجاب، وكونه من الواجبات الواضحة والصريحة في الإسلام، وأنّه أمر مهمّ وضروري بالنسبة إلى المجتمع، وقد نصّت كلماتهم على نظر غير المحرم، وأنّه لابدّ أن لا يرى ما لا يصحّ رؤيته من المرأة، وأنّه يجب عليها الحجاب والتستّر مع وجود الناظر لا بدونه إلّا في الصلاة، والكلمات في ذلك عديدة ننقل بعضها:

1_ قال العلّامة الحلّي في قواعد الأحكام: >(في ستر العورة)، وهو واجب في الصلاة وغيرها، ولا يجب في الخلوة إلّا في الصلاة، وهو شرط فيها، فلو تركه مع القدرة بطلت سواء كان منفرداً أو لا< (54).

قال المحقّق الكركي معلّقاً على كلام العلّامة المتقدّم: >قوله: (ولا يجب في الخلوة إلّا في الصلاة) خلافاً لبعض العامّة، حيث أوجب الستر على كلّ حال، وكان عليه أن يستثني الطواف أيضاً، لأنّه كالصلاة في هذا الحكم، وفي أكثر الأحكام< (55).

قال العاملي في تعليقه على كلام العلّامة أيضاً: >قوله قدّس الله تعالى روحه: (وهو واجب في الصلاة وغيرها) بإجماع علماء الإسلام، كما في المنتهى وجامع المقاصد وروض الجنان، بل هو واجب بإجماع علماء الإسلام، كما في  المعتبر والتحرير، يريدان في الصلاة وغيرها مع وجود ناظر محترم.

وفي  روض الجنان  يجب سترها في الصلاة عن الناظر المحترم، ولا وجه للقيد الأخير، قوله قدّس الله تعالى روحه: (ولا يجب في الخلوة إلّا في الصلاة) إجماعاً منّا كما في التذكرة ونهاية الأحكام، وخالف الشافعي في أحد وجهيه< (56).

قال السيّد الإمام الخميني: >الستر عن النظر يحصل بكلّ ما يمنع عن النظر ولو باليد أو الطلي بالطين أو الولوج في الماء، حتّى أنّه يكفي الأليتان في ستر الدُبر، وأمّا الستر في الصلاة فلا يكفي فيه ما ذُكر حتّى حال الاضطرار…< (57).

وقال أيضاً: >كما يحرم على الرجل النظر إلى الأجنبية يجب عليها التستّر من الأجانب، ولا يجب على الرجال التستّر وإن كان يحرم على النساء النظر إلى عدا ما استثني< (58).

جاء في كتاب صراط النجاة: >سؤال 907: امرأة تلبس جواريب نسائية بحيث تكون مفصّلة لرجليها، ولكنّها تُعتبر عرفاً محتشمة، وبالأحرى ما هو الستر الواجب شرعاً؟

الخوئي: الواجب عليها أن تستر بدنها بما يستر البشرة، ولا بأس بالساتر اللاصق بالبدن إذا لم يكن فيه إثارة الشهوة.

التبريزي: يضاف إلى جوابه (قدس سره)، وكذا يجب ستر ما يُعدّ زينة ولو كان من قبيل الثياب< (59).

إلى غير ذلك من فتاوى الفقهاء ـ قديماً وحديثاً ـ التي تدلّ على ما نحن فيه.

ثمرات تترتّب على البحث

هناك مجموعة من الثمرات التي يمكن أن تترتّب على بحثنا هذا، أي أنّ النتائج سوف تختلف فيما لو كان الحجاب واجب فردي عمّا إذا كان حقّ اجتماعي، منها:

1_ لو كان الحجاب حقّ اجتماعي فهو يمكن أن يكون أحد الأدلّة على حقّ الدولة في التدخّل وفرض الحجاب في المجتمع، لأنّ من أهمّ وظائف الدولة الحفاظ على المجتمع، ومنع كلّ ما من شأنه أن يُهدّده ويُعرّضه للمخاطر والانفلات والجريمة.

بينما لو كان الحجاب مجرّد واجب فردي ولا علاقة للمجتمع به، ففرضه من قبل الدولة يحتاج الى دليل يُجيز لها التدخّل في الأُمور الشخصية للأفراد، وبحاجة إلى دليل خاصّ لفرض الحجاب، وإلّا فحاله حال الكثير من الواجبات التي لا يُجبر عليها الفرد المخالف (60).

2_ لو كان الحجاب حقّ اجتماعي، فإنّ وظيفة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر سوف تتأكّد أكثر، وسوف يكون حقّ المجتمع فيها آكد، لأنّه يراه حقّ عام، والحقّ العامّ لابدّ من الدفاع عنه، وهو وظيفة عامّة، وهذا أمر غير تدخّل الدولة في مسألة فرض الحجاب، لأنّ الفرض هنا سواء كانت دولة أو لم تكن.

3_ إنّ نفس المتلقّي للنصيحة سوف يكون أكثر قبولاً لها فيما لو كان الحجاب حقّ عامّ، لأنّه سوف ينصاع إلى حقّ الآخرين ويعمل به، بينما إذا كان الحجاب حقّاً خاصّاً وشخصياً فدواعي الرفض للنصيحة واضحة جدّاً، حيث أنّ المرأة التي لا تلتزم بالحجاب ترى أنّه حقّ شخصي لها، ولا يحقّ للآخرين التدخّل فيه، وتدخّلهم سوف يكون _ بنظرها_ تطفّلاً على حقوقها الخاصّة.

4_ إذا كان الحجاب حقّ عامّ وقد فرضته الدولة أو المجتمع، حينها لا يمكن لمَن لا يُؤمن بالنظرية الإسلامية أن ينتقد القوانين الإسلامية من جهة كبروية، وإن اختلف معه من جهة صغروية، أي أنّ الناقد إذا أثبتنا له أنّ الرؤية الإسلامية للحجاب هي أنّه حقّ اجتماعي، ولذلك تمّ فرضه في المجتمع، فهو سوف يُذعن أنّ الحقّ العامّ لابدّ أن يُفرض حفاظاً على حقوق الآخرين، وهذا قانون كبروي عليه العمل حتّى في القوانين الوضعية والعلمانية، نعم ربما يخالف في كون الحجاب حقّ عامّ، إلّا أنّ هذا بحث صغروي في المصاديق.

خاتمة في أهمّ نتائج البحث:

قد ثبت إلى الآن أنّ هناك مجموعة من الأدلّة التي أُدّعي أنّها تدلّ على الفردية، وهي عبارة عن ستّة أدلّة، وقد ناقشناها جميعاً بوجوه مختلفة، ولم يصمد منها أيّ دليل.

ثمّ تطرّقنا إلى مسألة مهمّة قبل الدخول في أدلّة الجنبة الاجتماعية للحجاب، وهي معنى الحقّ العام، والفرق بينه وبين الحقّ الخاصّ وحقّ الله تعالى، وقد ذكرنا بعض خصوصيات تلك الحقوق وبعض الفوارق بينها.

ثمّ بيّنا مجموعة من الأدلّة التي تدلّ على الاجتماعية، وهي ستّة أدلّة، يحتوي بعضها في داخله على مجموعة من الأدلّة، كدليل الآيات والروايات.

وعليه، فقد ثبت من خلال ما تقدّم أنّ الحجاب حقّ عامّ يمسّ المجتمع بما هو مجتمع، وليس هو حقّاً فرديّاً خاصّاً لآحاد النساء، وبذلك تترتّب الثمرات التي ذكرناها على البحث في المقام.

ــــــــــــــــــــ

1ـ مقال تحت عنوان مباني مسؤوليت حكومت إسلامي در ترويج حجاب، ضمن كتاب حجاب مسؤوليتها واختيارات دولت إسلامي: ص  43.

2ـ الكافي ج3 ص 394. تهذيب الأحكام ج2 ص217. وسائل الشيعة ج4 ص 411.

3ـ تهذيب الأحكام ج2 ص217. الاستبصار ج1 ص389.

4ـ الاستبصار ج2 ص123، تهذيب الأحكام ج4 ص281.

5ـ الاستبصار ج1 ص390، التهذيب ج2 ص218، الخلاف ج1 ص397.

6ـ وسائل الشيعة ج4 ص409، باب: عدم وجوب تغطية الأمة رأسها في الصلاة، وكذا الحرّة الغير المدركة، وأُم الولد، والمدبرة، المكاتبة المشروطة.

7ـ اُنظر: مقال تحت عنوان مباني مسؤليّت حكومت لإسلامي در ترويج حجاب، ضمن كتاب حجاب مسؤوليّتها واختيارات دولت إسلامي:ص45.

8ـ المصدر السابق.

9ـ المصدر السابق.

10ـ قواعد الأحكام: ج1 ص256.

11ـ اُنظر: مقالة تحت عنوان دولت اصلاحات ومسئلة حجاب ضمن كتاب حجاب مسؤوليتها واختيارات دولت إسلامي: ص95، نقلا عن جريدة نشاط الصادرة في 17 خرداد سنة 1378هـ ش، ص3.

12ـ اُنظر باب الزكاة في الكتب الفقهية، وغير باب الزكاة أيضاً.

13ـ سورة النور: 31.

14ـ ال عمران: 130.

15ـ النساء: 29.

16ـ النساء: 59.

17ـ التوبة: 123.

18ـ اُنظر: مقال تحت عنوان: مباني مسئوليّت دولت إسلامي در زمينه حجاب بانوان، ضمن كتاب حجاب مسؤوليتها واختيارات دولت إسلامي ص117.

19ـ اُنظر: ماهنامه زنان شهر مهر سنة 1382 ش: ص16، نقلاً عن مقال مباني مسئوليت دولت إسلامي در زمينه حجاب بانوان، ضمن كتاب حجاب مسؤوليتها واختيارات دولت إسلامي: ص117، واُنظر: رسائل حجابية: ج1 ص 271، نقلاً عن مقال مباني مسئوليّت دولت إسلامي در زمينه حجاب بانوان: ص117.

20ـ اُنظر: مقال تحت عنوان: (مباني مسئوليت دولت در إيجاد شرايط مطلوب حجاب وعفاف در جامعة) ضمن كتاب حجاب مسؤوليّتها واختيارات دولت إسلامي.

21ـ اُنظر: مقال تحت عنوان: (حجاب حوزة خصوصي ومصلحت عمومي) ضمن كتاب حجاب مسؤوليّتها واختيارات دولت إسلامي ص421.

22ـ القواعد والفوائد: ج2 ص42، الفائدة:161.

23ـ اُنظر: تعزيرات از ديدكاه فقه وحقوق جزا ص94، مبحث: مفهوم ومراتب تعزير وتفاوت آنها.

24ـ اُنظر: الكافي ج7 ص251، دعائم الإسلام ج2 ص444، وسائل الشيعة ج28 ص11، كتاب الحدود والتعزيرات، وغيرها من المصادر الروائية والفقهية الكثيرة.

25ـ اُنظر: تعزيرات از ديدكاه فقه وحقوق جزا ص95، مبحث: مفهوم ومراتب تعزير وتفاوت آنها.

26ـ سورة النور: 31.

27ـ أحكام النساء ص56.

28ـ زبدة البيان في احكام القران:ص545.

29ـ الوافي: ج22 ص700.

30ـ كتاب النكاح: ج1 ص62.

31ـ بحوث في الفقه المعاصر: ج2 ص421.

32ـ تفسير الميزان: ج15 ص112.

33ـ سورة النور: 60.

34ـ أحكام النساء: ص58.

35ـ مسالك الأفهام: ج7 ص49.

36ـ جواهر الكلام: ج29 ص85.

37ـ تفسير الميزان: ج15 ص164.

38ـ الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل: ج11 ص160.

39ـ سورة الأحزاب: 59.

40ـ تفسير التبيان: ج8 ص361.

41ـ تفسير الميزان: ج16 ص339.

42ـ الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل: ج13 ص349.

43ـ الكافي: ج5 ص 521.

44ـ  الكافي: ج5 ص521.

45ـ الكافي: ج5 ص523.

46ـ الكافي: ج5 ص523.

47ـ معاني الأخبار: ص161.

48ـ الكافي: ج5 ص522.

49ـ الكافي: ج5 ص519.

50ـ قرب الإسناد: ص363.

51ـ الوسائل: ج20 ص199، باب عدم جواز النظر إلى شعر أُخت الزوجة، وأنّها هي والغريبة سواء.

52ـ الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل: ج11 ص81.

53ـ اُنظر: مباني مسئوليّت حكومت إسلامي در ترويج حجاب، ضمن كتاب حجاب مسؤوليتها واختيارات دولت إسلامي:ص49.

54ـ قواعد الأحكام: ج1 ص256.

55ـ جامع المقاصد: ج2 ص92.

56ـ مفتاح الكرامة: ج6 ص4.

57ـ تحرير الوسيلة: ج1 ص143.

58ـ تحرير الوسيلة: ج2 ص244.

59ـ صراط النجاة: ج1 ص331.

60ـ نحن بصدد كتابة بحث حول وظيفة الدولة تجاه الحجاب، وهناك سوف نفصّل الكلام في المسألة، ونعرض أدلّة الطرفين من المخالفين والموافقين، وسوف نُبيّن الأمر بشكل واضح إن شاء الله تعالى.

بقلم: الشيخ رافد التميمي