القسم الثالث: الأسرة وقضايا الزواج/8

الفصل الثالث: التسامح والصبر

الحياة الزوجية ، كما عبروا عنها ، تآلف روحين وتجانس قلبين ، حيث يستعد كل منهما للتضحية بكل شئ في سبيل الآخر ، وبهذا تبدو الحياة الزوجية جميلة ورائعة ومملوءة بالأمل .

إن تحول الأسرة إلى ساحة للحرب والمنازعات والاشتباكات يجعل من الحياة مريرة تغتال أجمل شئ فيها وهو الأمل ، ذلك أنها تقف سدا يحول دون تكامل الإنسان ، كما أن عبادة الله سبحانه تستلزم شعورا براحة البال واطمئنان الخاطر ، في حين يسلب النزاع العائلي ذلك ويشغل بال الإنسان بتلك الخلافات التي تقف عند حد وتأخذ من المرء جهده وأعصابه ووقته غافلا عن كثير من واجباته في هذه الدنيا بل إنها قد تقوده إلى الهاوية والسقوط .

الحياة وتغيراتها :

إن بعض الناس يتصورون الحياة – عن جهل – عالما ورديا جميلا ، طافحا بكل ألوان السعادة ، وبهذه الخيالات يقدمون على الزواج ، غافلين عن أن المرء لا بد وأن يواجه في طريقه ألوانا من المتاعب والمشكلات ، ولذا فإننا نراهم ينكصون على أعقابهم ويستسلمون لدى أول تجربة مرة في هذا الطريق وإذا بالأسرة التي تشكلت حديثا تنهار وتتفكك وتنتهي إلى مأساة .

الحياة زاخرة بالمتاعب طافحة بالآلام ، وعلى الإنسان أن يشق طريقه خلال طبق ضوابط معينة تكفل له تحمل كل ذلك ومقاومته لنيل السعادة المنشودة .

إن تصور الحياة خالية من الآلام والمتاعب هو تصور خيالي تماما ، والقليل جدا من الناس ممن عاشوا تلك الحياة ومع ذلك فلا يمكن اعتبارهم سعداء ، ذلك أن تكامل الإنسان وتقدمه مرهون بمقاومته المتاعب واجتيازه الامتحان بنجاح .

وشخصية الإنسان تصنعها الحوادث وتصقلها المشكلات فيتخرج المرء وهو أقوى روحا وأطول نفسا وأكثر تحملا ومقاومة أما الأمواج والعواصف .

ضرورة الصبر :

لا تنسجم الحياة الزوجية مع الدلال أبدا . إنها تتطلب إنسانا صبورا لكي يمكنه خوض التجربة بنجاح ، أمام أولئك الذين يفتقدون الصبر فإنهم لا بد وأن يخفقوا في ذلك لدى أول مشكلة تواجههم ، ينبغي عليهم أن يدعو الدلال جانبا لكي يمكنهم مواجهة المتاعب .

إن الذين أخفقوا في حياتهم الزوجية والذين غرقوا في خضم النزاعات والخلافات مع أزواجهم كان ينقصهم شيئا واحدا وهو الصبر والتحمل .

وفي أدبياتنا – كمسلمين – نجد اهتماما كبيرا بالصبر ، فالقرآن الكريم يحث على الصبر في نواحي الحياة ، ونبينا العظيم يأمرنا بالصبر ، وكذلك نجد هذه المسألة تأخذ جانبا واسعا في أحاديث الإمام علي وخطبه .

قال رسول الله ( ص ) : من صبرت على سوء خلق زوجها أعطاه الله مثل ( ثواب ) آسية بنت مزاحم بحار الأنوار ج 103 ص 347 .

الحياة والتسامح :

لا يمكن للحياة الزوجية أن تستمر دون رعاية للحقوق الزوجية التي يحددها القانون والمجتمع ، وهي في كل ذلك تحتاج إلى التضحية والتسامح والخلق الرفيع . ذلك أن عدم التسامح في الحياة يخلق العديد من المشاكل التي يكون المرء في غنى عنها .

إن قانون الحياة يقوم على الصبر وتحمل المشكلات خاصة إزاء ما يصدر عن زوجتك من سلوك . إن غض النظر قليلا ومعالجة الوضع بروح من الصبر والنفس الطويل هو في صالحك وصالح أبنائك وأسرتك ، ذلك أن الحياة لا يمكن احتمالها بغير ذلك .

كما أن الحد من طموحاتك تجاه زوجتك وتوقعاتك إزاءها يمنحك القدرة في استيعاب بعض ما ينجم عن الحياة المشتركة ، فلست عليا في مثال الكمال وزوجتك ليست فاطمة في سمو المقام ، وإذن فلا ينبغي التشدد مع زوجتك وأن يكون هناك نوع من التساهل إزاء ما يصدر عنها من أخطاء .

إن فن الحياة هو قدرتك على إرساء السلام وإشاعة الود في محيط الأسرة ، وهذا يتأثى من قدرتك على ضبط النفس وأن يسبق عفوك غضبك وأن يكون التسامح شعارك في كل ذلك ، وعندما تصبح بهذا المستوى فإن ثمار السعادة تكون في متناول يديك .

المرأة والدفء العائلي :

من الضروري هنا أن يكون لنا حديث مع السيدات وهو أن الدفء الأسري إنما ينشأ عن عطف وحنان المرأة وأن جمال المرأة الحقيقي إنما يكمن في تلك الأعماق المتفجرة بالحب لا بذلك المظهر الفارغ ، وأن الرجل إنما يهفو إلى هذا الجانب الزاخر بالعاطفة الفياضة .

وأن الأساس في دور المرأة كزوجة ناجحة أن تنفذ إلى قلب زوجها وروحه وأن تشعره بالحب والمودة ، فمن المتحمل أن يكون الزوج رجلا يسيء معاملتها ولكن من الممكن تطويعه من خلال مرونتها معه وحسن سلوكها تجاهه .

إن على المرأة أن لا تشتكي سوء زوجها وأن تسأل نفسها أولا هل هي أحسنت معاملته ؟

هل ألانت له القول ؟ وهل أجملت في الحديث ؟

إن الحياة العائلية إنما تتبلور في ظلال الحب والعاطفة ، وأن البيت إذا أقفر من الحب والصفاء فلا يمكن العيش فيه ، وأن الإنسان يعتبر نفسه قد أخفق إذا آل الأمر إلى ذلك المصير ، ولذا فإنك تكونين قد أخفقت في إشاعة الدفء في الأسرة والبيت الزوجي ، وإذا شعر الرجل بدفء الحب هوى قبله إليك وإلى لقائك في المنزل كما تهفو الطيور إلى أعشاشها .

المرأة وتحمل الحياة :

يحتاج الإنسان في تسيير شؤون حياته إلى قدر من المال ، ولكي يعيش سعيدا فإنه لا يحتاج إلى ثروة طائلة بل إلى قدر من الأخلاق الرفيعة ، ذلك أن الخلق الكريم يفوق في

قيمته الثراء آلاف المرات ، وأن النجاح في الحياة إنما يتوقف على صبر الإنسان وتحمله ومواجهته أعباء الحياة بروح عالية .

إن شخصية الإنسان تصنعها الحوادث وتصقلها الشدائد ولا يتحمل ذلك سوى النساء اللاتي وصلن إلى درجة الملائكة وسوى الرجال المؤمنين الذين آمنوا بالأسرة وحرمتها ، ولذا فهم يتحملون في سبيل صيانتها كل المتاعب والآلام .

وهذا ليس مستحيلا ، لأن الله قد خلق الإنسان – امرأة ورجلا – ومنحه القدرة على الصبر والتحمل إزاء ما يواجهه من محن ومصائب .

مرونة الرجل :

تنشب النزاعات في بعض الأحيان بسبب إهمال المرأة بعض مسؤولياتها في الحياة الزوجية خاصة في الأيام الأولى ، ولذا نوصي الأزواج أن يبدوا قدرا من المرونة إزاء ذلك ، حتى إذا لمسوا بعض العناد . إن تسامح الرجل ضروري جدا في إرساء دعائم الأمن والسلام في الحياة المشتركة .

وقد أوصى نبينا الكريم بالإحسان في معاملة المرأة ، وكذلك وردت توصيات عديدة في أحاديث الإمام علي ( ع ) في مداراة والتجاوز عن أخطائها وهو يتبعها : ألا تحبون أن يغفر الله لكم ؟ .

عليكم أنتم أيها الرجال تحمل مسؤولياتكم خاصة في المنعطفات الخطيرة وأن تمارسوا نوعا من ضبط النفس إزاء انفعالاتكم . إن الله قد منحكم قوة عضلية تفوق المرأة ولكن ذلك لا يعني أنه يغفر لكم باعتدائكم على أزواجكم بالضرب والشتم .

إن حسن أخلاقكم من شأنه أن يقضي على كل جذور الفتنة قبل أن تنمو أشواكها . أما إذا أصبحت الحياة جحيما لا يطاق ، جحيما لا يمكن احتماله فإن الله قد فتح لكم عند ذلك بابا للخلاص .

انتظارنا من المرأة :

لا بأس من الإشارة هنا إلى انتظار شريعتنا وعقيدتنا من المرأة ، إذ ليس المطلوب منها تجنب النزاع مع زوجها فحسب بل ينبغي لها أن تكون ملاذا له وسكنا يشعره بالطمأنينة والأمن والاستقرار . لقد كانت فاطمة الزهراء المثل الأعلى للزوجة المخلصة ، وكان زوجها العظيم يشعر بالسعادة وهو يجلس إلى جانبها ويتجاذب معها أطراف الحديث ، وكان قلبه المثقل بالهموم يهفو إلى المنزل كلما داهمته الكروب . لقد كانت عليها السلام تشارك زوجها السراء والضراء وتعينه على طاعة الله سبحانه ، فكانت مثالا ساميا للمرأة فتاة وزوجة وأما .

تصحيح الذات :

إننا – وفي بعض الحالات – نجد أنفسنا تحلق عاليا في عالم الخيال ، نطمح إلى تحقيق رغباتنا بالرغم من صعوبتها . إننا لا نقول ينبغي أن نغض النظر عن جميع طموحاتنا وأن نطفئ شعلة الأمل المتوقدة في أعماقنا ، بل نقول يجب أن نأخذ بنظر الاعتبار منطق الواقع في كل ذلك ، وحتى لو فرضنا إمكانية تحقق تلك الطموحات ، فإننا ينبغي أيضا أن نأخذ بنظر الاعتبار قيمة ذلك وهل تساوي أن يضحي الإنسان من أجلها باستقرار الأسرة .

ينبغي على المرء أن يهذب نفسه ويمسك بزمامها وأن لا يدع الأهواء تسيطر عليه .

إن للتشاؤم وسوء الظن حدا أيضا وتحمل زوجتك هو الآخر له حدوده أيضا ، فلا تحملها ما لا تطيق .

إن الدين هو أعظم مدرسة لتربية النفس وأن الخلوة مع الله سبحانه والتضرع إليه يهب النفس الشعور بالطمأنينة والسلام .

الفصل الرابع: التحكيم

إن الأصل في الحياة الزوجية هو رعاية الحقوق المتبادلة والعدل والمساواة والاحترام ، ولذا فإن استمرارها وديمومتها إنما يتوقف على هذه الأسس والمبادئ .

ولذا يحتاج الأمر إلى تفهم من قبل الطرفين إلى ذلك وإلى إدراك أحدهما أخلاق الآخر واحترام شخصيته كإنسان أولا وكشريك في الحياة ثانيا ، ذلك أن أقل محاولة لفرض الرأي بالقوة وعدم مراعاة تلك الأسس سوف يضر بالحياة الزوجية ويعرضها إلى القلق وعدم الاستقرار .

إننا نشاهد البعض وبسبب النزاعات الزوجية يقدمون على الطلاق الذي هو أبغض الحلال عند الله .

وبالرغم من شرعية الطلاق في الإسلام إلا أنه يعتبر آخر الوسائل التي يضطر المرء إلى استخدامها إنها آخر وأخطر عملية جراحية يقوم بها الزوج عندما تعجز جميع الوسائل الأخرى .

إن على الزوجين أن يمنعا نفسيهما ما أمكن من التفكير في الطلاق والانفصال وأن على الذين يمتلكون وسائل مؤثرة منع الزوجين من الإقدام على الطلاق ما أمكنهم في ذلك .

التنازلات :

ما أجمل الإنسان عندما يرى الأوضاع متأزمة في الأسرة وأن النزاع سوف ينفجر في المنزل وهو يقوم بالتنازل عن بعض حقوقه مقابل تثبيت دعائم الأسرة . . ما أجمل الإنسان وهو يضحي في سبيل الله من أجل سعادة أبنائه .

ينبغي على الإنسان أن يتحمل وأن يكون طويل النفس . . بعيد النظر . . يغض النظر عن بعض الأخطاء التي يراها . . يتظاهر بعدم سماعه لكلمة جارحة . . يحتوي غضبه ويمنعه من الانفجار . . ذلك أن أكثر المسائل سوف تحل في المستقبل عبر التفاهم وعبر اصلاح الطرف الآخر وعودته إلى جادة الصواب ، وعندها يكون المرء قد أحرز على نفسه انتصارا كبيرا يكون أجره السعادة ورضوان من الله أكبر .

إننا – ومع الأسف – نشاهد البعض وقد مر على زواجه الأعوام والسنون ، ولكنه يجد نفسه عاجزا عن تحمل شريك حياته عاجزا عن ضبط نفسه في المنعطفات الحادة والحساسة من حياته ، وعندما يقدم – وبسبب غضبه الأعمى – على ارتكاب خطأ يندم عليه فيما بعد ، وحينها لا ينفع الندم .

التفاوض :

إن من أنجح السبل في حل النزاع في الحياة الزوجية هو الجلوس للتفاوض حول المشكلة بأعصاب باردة وهدوء كامل ، والاستماع إلى الشكوى بقلب واسع رحيم لا يهدف سوى الخير والصلاح ، فربما كان هناك ما يدعو إلى الشكوى حقا أو ربما هناك ما كان خافيا عليك من الأمور وإذا بساعة من الحوار تكتسح جميع الغيوم من سماء الأسرة فتشرق شمس المحبة من جديد .

إن على الزوجين المبادرة إلى كسر الحاجز الذي يحول بين تفاهمهما وأن يذيبا تلك الثلوج التي تفصل بينهما ، فليس هناك ما هو أخطر من الغرور والتكبر في حل المسائل العالقة ، وأن يحل بدل ذلك التفكير بالسعادة ، فسعادة الرجل من سعادة زوجته وسعادة المرأة في سعادة زوجها .

فإذا حصل خطأ ما من أحد الطرفين فعليه أن يبادر إلى الاعتذار من صاحبه وعلى الآخر أن يقبل اعتذاره ويستقبله بالأحضان . على الزوجين أن يتجاوزا ذلك بسرعة ، إنها مجرد غيمة صيف عابرة ما أسرع أن تمر ويصحو الجو مرة أخرى .

إن الحياة المشتركة تعني المشاركة في كل شئ ، يعني تنوع الأذواق واختلاف المشارب وتعايش كل ذلك في جو من التفاهم والاحترام الكامل والمتبادل .

ينبغي أن يكون هناك تفاهم قبل اتخاذ أي قرار يهم الأسرة ، وينبغي أن يستشير أحدهما الآخر في كل شئ يهمهما معا ، ذلك أن التفاهم والتشاور يعزز من أسس البناء العائلي ويشيع الدفء في الأسرة ويشعر الطرفين معا بالقوة .

ضرورة التحكيم :

ربما ينشب النزاع ويعلو صوت العراك بين الزوجين حتى ليضيع صوت أحدهما أمام صراخ الآخر ويضيع صوت العقل بينهما ويختفي دوره تماما ، وإذن فلابد هنا من انتخاب حكم يفصل بينهما بعدما طغت المشاعر والعواطف ، ولم يبق من أمل في التفاهم بينهما معا بمعزل عن الآخرين ، فكل منهما يعتقد بأن الحق إلى جانبه وأن الآخر هو المعتدي .

ومهما بلغت تجربة الرجل وخبرته في الحياة فإنه يبقى جاهلا بعض نواحيها ، وهو إذن يحتاج إلى من يرشده في بعض الأمور .

إن تحكيم إنسان مجرب له خبرته في الحياة يهيئ فرصة ذهبية لحل النزاع واقناع الطرفين به ، وهذا ما أوصى به القرآن الكريم وأوجبه بعض الفقهاء كأمر ضروري قبل الإقدام على الطلاق الذي يعتبر في الواقع كارثة اجتماعية لها آثارها الوخيمة .

فكرة التحكيم :

إن فكرة التحكيم هي لجوء المرأة والرجل وبعد اشتداد النزاع ووصوله حدا يستحيل فيه التفاهم بينهما إلى شخص يتمتع بالمؤهلات المطلوبة وذلك لفض النزاع والوصول إلى الحل المنشود .

إن اشتداد النزاع لا بد وأن يعمي الطرفين عن رؤية الحق والحقيقة ، واكتشاف الحل ، فلكل منهما قناعاته وأحكامه المسبقة في ذلك وكل منهما وبسبب توتر أحاسيسه وتأزم مشاعره يعتبر الحق إلى جانبه وأنه الطرف المظلوم في القضية ، ومن هنا تأتي فكرة التحكيم لتهيئ رؤية أكثر وضوحا للمسألة وتوفر كذلك الموضوعية في وضع الحلول المطلوبة لاصلاح ما فسد من الأمور وإعادة المياه إلى مجاريها .

إن على من يقوم بهذه المهمة أن يكون ممثلا حقيقيا للطرفين دون أدنى تحيز لأحدهما على حساب الآخر وأن يكون همهم الأول والأخير هو الإصلاح ووضع حد لكل أشكال الاستبداد في التعامل وأن يضع يده على أصل المشكلة ، فقد يعامل الرجل زوجته كما لو كانت جارية لديه ، أو تعامل المرأة زوجها كما لو كان خادما لديها .

إن المرأة والرجل يجب أن يسلما لأوامر القرآن في تسيير حياتهما المشتركة ، وليس من حق أي منهما الاعتراض بعد ذلك على ما يصدر من رأي في حل خلافاتهما .

ولذا فإن فكرة التحكيم إنما تأتي من انسداد جميع الطرق الأخرى في حل النزاع ، وهذه المسألة تعكس مدى اهتمام الإسلام بالأسرة ككيان اجتماعي ينبغي صيانته من خطر التفكك والانحلال .

المقومات :

وفيما يخص من يقع عليه مسؤولية التحكيم ، وكما أشار إليه القرآن الكريم في انتخاب حكم من قبل الزوج يمثله في المفاوضات مع آخر يمثل الزوجة بغية بحث أسس النزاع والتوصل إلى نتيجة ترضي الطرفين .

ولذا فإن من مقومات ذلك الحكم أن يكون محيطا بالحوادث والمشاكل ، وعلى بينة من الأسباب وبواعث نزاع الزوجين وخلافاتهما وله خبرة وتجربة في الحياة تؤهله لذلك العمل الحساس ، ذلك أن الحكم سيكون موضعا لجميع الأسرار والعلل الحقيقية التي أدت أو تؤدي إلى توتر العلاقات الزوجية .

وعلى الحكم أن يكون إنسانا جديرا عاقلا وورعا تقيا وموضوعيا في بحثه لا يبغي سوى العدل والحق وأن يكون همه الأول والأخير هو الإصلاح .

الخيارات :

وهنا يختلف الفقهاء في مدى صلاحيات الحكمين ودائرة تحركهما ، فالقرآن الكريم يشير إلى دائرة الإصلاح وهكذا كان تحرك الأئمة من أهل البيت في هذا المضمار ، ولذا فإن مهمة الحكمين هي التحرك في حدود ما يصلح الحياة الزوجية وترميم ما هدمه النزاع من علاقات وما ضيع من واجبات وحقوق لكي تستأنف الأسرة مسارها الطبيعي مرة أخرى .

ولا تنحصر مهمة الحكمين في بحث النزاع بينهما فقط بل وإقناع كل من الطرفين بأخطائه وضرورة تصحيحها لكي تعود الحياة إلى مجاريها الطبيعية ، ولذا فليس من حق الحكمين أبدا اتخاذ قرار بالطلاق دون علم الزوجين ، وإذا حدث وتوصل الحكمان إلى هذه النتيجة فعليهما إعلام الزوجين بذلك فقط ، ومن ثم الانسحاب وترك القرار لهما إلا إذا طلب الزوجان منهما ذلك .

تأخير الطلاق :

إن مهمة التحكيم هي السعي إلى اصلاح ذات البين ورفع الخلافات وحل النزاعات ، ولذا فإن على الحكمين أن يتمتعا بنفس طويل في هذه المهمة ، ذلك إن بعض الخلافات تستلزم وقتا طويلا من أجل حلها وإزالتها .

ومهمة الحكمين بالدرجة الأولى تنصب على تأجيل الطلاق واقناع الطرفين باستبعاده عن دائرة تفكيرهما آخذين مصلحة الأطفال بنظر الاعتبار .

وإذا نجح الحكمان في هذه الخطوة فإنهما يكونان قد قطعا منتصف الطريق في حل الأزمة ، فالتريث في اتخاذ قرار الطلاق ودراسة ذلك من جميع الوجوه سوف يوفر فرصا كبيرة للحل ، ولذا فإن الإسلام يؤكد على من يتم على يديه إجراء الطلاق أن يوضح للزوجين خطورة ما يقدمان عليه ويعرفهما بواجباتهما وحقوقهما الزوجية وأن يتجاوزا خلافاتهما والعودة إلى بيت الزوجة .

قبول التحكيم :

إن مسألة التحكيم ، وكما أشرنا إلى ذلك هي انتخاب ممثل ينوب عن الزوجين ، وطرح مسائل النزاع على بساط البحث ، ولذا فإن على الزوجين قبول النتائج دون عناء ومكابرة . إن عليهما أن يسلما لحكم الشرع والعقل وأن لا يركبا رأسيهما عنادا وتكبرا .

ينبغي أن يدع المرء في مثل هذه الحالات أنانيته وغروره جانبا وأن يترك للحكمين المجال ويفتح أمامهما الطريق في مهمتهما الإصلاحية ، وأن يقبل النتائج حتى لو جاءت في غير مصلحته ، بل حتى لو جاءت خلافا لما هو واقع ، إذ ينبغي قبولها تأدبا واحتراما .

حذار من الشيطان :

الخطر كل الخطر من الشيطان إذا ركب أحد الزوجين أو كلاهما وأعماهما عن الرؤية الواضحة ، ذلك أن تغير نظرة الرجل إلى زوجته ورؤية نفسه أعظم منها وأكرم لدى الله أو العكس سوف يجر وراءه المشاكل والمتاعب .

إن كلا الزوجين يتمتعان على حد سواء بكرامة الإنسانية وهما عضوان من أعضاء المجتمع وكلاهما أيضا عبدان من عباد الله .

فدعوا المن والأذى ودعوا الجارح من الكلام واجتنبوا الضرب وابتعدوا عن حياة العراك ، إذ ليس من اللائق أن يترك الإنسان التفاهم بمنطق العقل واللجوء إلى التفاهم باليدين .

إن ضعف أحدكما لا يبرر استبداد الآخر وتحوله إلى دكتاتور وأن الله للظالمين بالمرصاد . أسأله تعالى أن يمن على الجميع بالعمر الهانئ الطويل والحياة الطبية النابعة من راحة الضمير .

المصدر : الأسرة وقضايا الزواج/ الدكتور علي القائمي