القسم الخامس: الأسرة وقضايا الزواج/11

في طريق تعزيز العلاقات الزوجية

سنتحدث في هذا القسم عن جملة من المسائل التي تؤثر في تمتين العلاقات الزوجية بين المرأة والرجل باعتبارهما كائنين عاطفيين ، حيث يمكن لهذه المسائل أو العوامل أن تؤثر في تعزيز العلاقات بينهما . منها ما هو فطري ومنها ما هو اجتماعي .

فالاهتمام بالمظهر ومراعاة العادات والتقاليد الاجتماعية والأخلاقية والجمال الظاهري وكذلك إصلاح الباطن وتربية النفس والتقوى وكل ما من شأنه إغناء الجمال الباطني وجعله مرآة صافية ، وإلى غير ذلك من المسائل المهمة التي سوف نشير إليها باختصار . . لها آثار عميقة في تعزيز العلاقات بين الزوجين .

الفصل الأول: الجمال الظاهري

بالرغم من كون التفاهم والانسجام الفكري هو الأساس في العلاقات الزوجية ، إلا أن المظهر الخارجي له تأثيراته التي لا يمكن التغاضي عنها ، فالمقولة التي تفيد بأن بعض عقول الرجال في عيونهم صحيحة إلى حد ما .

ولذا فإن على الزوجين ، وخاصة المرأة ، الاهتمام بهذا الجانب والسعي دائما للظهور بالمظهر اللائق ، ذلك أن الحياة فن وعلى المرأة أن تحسن مثلا كيفية الاحتفاظ بقلب زوجها وتفجير عواطفه تجاهها . وفي هذا البحث إشارة إلى جملة من الأمور المهمة التي ينبغي أخذها بنظر الاعتبار .

أ – إصلاح المظهر :

يظن البعض من الرجال والنساء أن الاهتمام بالمظهر يقتصر على الأيام الأولى من الزواج فقط ، أي في الأيام التي ينبغي فيها الظهور بأبهى ما يمكن من الزينة ، أما بعد أن يصبحوا أهلا وأحبة فإن المرحلة الجديدة تقتضي التصرف على الطبيعي دون تكلف ، وبالتالي الظهور بالمظهر العادي ، أو حتى إهمال هذا الجانب كلية .

إن جمال الحياة ولطافتها تفرض على الزوجين الاستمرار في الظهور بأجمل ما يمكن ، والحديث الشريف الذي يقول : إن الله جميل يحب الجمال له مغزاه ودلالته . فليس من اللائق أن يكون اللقاء بين الزوجين في ملابس العمل وثياب المطبخ ، فالاحترام المتقابل يفرض على الزوجين اهتماما أكثر بمظهرها الخارجي ومحاولة إدخال الرضا في قلب كل منهما بما يعزز من مكانته لديه .

ضرورة ذلك :

وتتجلى أهمية هذا الجانب اليوم أكثر من أي وقت آخر ، فالعصر الحاضر يموج بكل أسباب الانحراف والضياع . فالمحيط الاجتماعي المفتوح ، وبكل ما فيه من إيجابيات ، يبعث في قلب المرء شعورا بالميل إلى بعض المظاهر الخلابة ، ولذا فإن ضعاف الإيمان سرعان ما ينجرفون مع التيار بعيدا . وعلى المرأة أن تنتبه إلى هذا الجانب والاهتمام بمظهرها ، وبالتالي الإسهام في حماية زوجها من الانحراف . وهذه المسألة تنسحب أيضا على الرجل ، إذ ينبغي له الظهور اللائق أمام زوجته بما يجذبها نحوه ويشدها إليه .

والاهتمام بالمظهر الخارجي لا يعني فقط الثياب النظيفة والعطور الفواحة ، بل يشمل أمورا أخرى كالابتسامة المشرقة والحديث الحلو والمعاشرة الطيبة وإشادة كل منهما بذوق الآخر وإلى آخره .

أضرار التطرف :

لا إفراط ولا تفريط تكاد تكون هذه القاعدة شاملة لكل نواحي الحياة ، ففي الاهتمام بالجانب الجمالي ينبغي أن يكون الأمر في حدود المعقول ، فلا تفريط بالمظهر الخارجي وإهماله تماما ، ولا إفراط بهذا الجانب والوصول إلى حدود غير معقولة ، بحيث تنفق المرأة – مثلا – من الميزانية ، ما يهدد بقية الجوانب ، وبالتالي تفجير كوامن الغضب في قلب الرجل تجاهها .

إن أساس الحياة المشتركة هو التفاهم والانسجام الفكري ، ولذا فإن مسألة الجمال والزينة هي الأخرى تخضع لهذا القانون ، فالنفوذ إلى قلب الرجل أو المرأة لا يقتصر على الزينة الظاهرية فقط ، إنما يتطلب اهتماما شاملا بكل أركان الشخصية ، وبنائها المطلوب ، ذلك أن الجمال الظاهري له تأثيراته المؤقتة ، والتي سرعان ما تنتهي ليبقى الجمال الحقيقي الذي يمكن في جمال النفس والروح .

ب – الحياة المنسقة :

النقطة الأخرى التي لها أهميتها في تعزيز العلاقات الزوجية هي الاهتمام بنظام المنزل وترتيب شؤونه بما يدخل الرضا في أعماق من يعيش فيه ، وقد يعترض البعض بأن ذلك يحتاج إلى أن المال في توفير وسائل الراحة ، وقد يكون هذا صحيحا ، إلا أن الفقر لا يمنع الإنسان من أعمال فكره واستخدام فنه في مسائل لا تحتاج إلى مال بل تحتاج إلى مهارة وذوق فقط ، فالنظام والذوق والنظافة ، ربما تجعل من الغرفة البسيطة والمنزل البسيط آية في الجمال ، تغمر القلب بمشاعر الهدوء والسلام ، حتى أن المرء ليشعر بالروح تنبض في كل زاوية من زوايا المنزل وينظر إلى سيدته بعين الاحترام والإجلال .

كسر الرتابة والجمود :

إن عمليات التغيير في نظام البيت وتوزيع أثاثه بين فترة وأخرى يكسر في القلب – جدار الملل والرتابة ، ويبعث روحا جديدة في زواياه .

فترتيب الديكور وتغييره ، وانتخاب نوع آخر من الزينة ، له آثاره النفسية في تجديد فضاء الحياة المنزلية .

وبالرغم من عدم جوهرية هذه المسائل إلا أن تأثيرها قد يصل في بعض الأحيان حدا لم يكن يتصوره أبدا ، فقد يعود الرجل من عمله متعبا ، وإذا به يجد كل شئ في استقباله . . كل شئ قد لبس حلة جديدة . . يجد ابتسامة زوجته ، وطعاما شهيا ، ومكانا جديدا لاستراحته . . وعندها سيشعر بأن شريكة حياته تعمل المستحيل من أجل توفير كل ما يشعره بالرضا ، فتنفجر في قلبه مشاعر الحب والمودة ، ويصمم على رد الجميل في أقرب فرصة تسنح له .

ج – الجوانب المادية :

إنها مجرد مزاعم عندما يدعي البعض بأن النزاع الذي ينشأ في حياتهم الزوجية لا علاقة له بالمسائل المادية ، كالطعام وتوفير جو من الراحة ، غير أن الحقيقة أن هذه المسائل – وبالرغم من كونها هامشية إلى حد ما إلا أنها قد تكون ذات تأثير بالغ في تفجير النزاع بين الزوجين ، ذلك أن الحياة لا تنفك عن هذه الأمور أبدا .

فالجائع يكون عصبي المزاج ، خاصة عندما لا يجد مكانا لاستراحته فإنه سرعان ما يثور غاضبا . ولذا فإن على المرأة والرجل أن يوليا أهمية لهذه الجانب لما له من الأهمية في الحياة الزوجية .

فالرجل الذي يعود من عمله متعبا جائعا ثم لا يجد طعاما يسد به رمقه ، ولا يجد مكانا مناسبا يأوي إليه ويستريح فيه ، لا بد وأن يحز في نفسه ذلك ويستنتج منه أن زوجته لا تقدر تعبه ولا تحترمه مما يولد ضعفا في عواطفه تجاهها ، وقد يثور في وجهها عندما تشتعل شرارة الموقف .

صحيح أنه ليس من واجبات المرأة تهيئة وإعداد الطعام ، ولكنه من دواعي اللياقة والأدب وحسن المعاشرة أن يكون هناك احترام للزوج ينعكس ويتجسد في توفير بعض متطلباته الضرورية .

فالمرأة الماهرة يمكنها وبقليل من المال – أن تهيئ طعاما متنوعا يثير شهية زوجها ويدفعه إلى إعجابه بزوجته التي تتفنن وتفعل المستحيل من أجله ، وهذا ما ينعكس في قلبه ويفجر مكامن الحب فيه تجاهها .

توفير الراحة :

لا شك في أن الرجل والمرأة يبذلان من طاقاتهما الكثير . هذا خارج المنزل يكد ويتعب من أجل توفير العيش الكريم ، وتلك تدور في المنزل هنا هناك تعد الطعام تارة ، وتغسل الثياب تارة أخرى ، وترتب البيت أحيانا ، وتقوم على تربية الأطفال أحيانا أخرى ، وغير ذلك من شؤون المنزل .

وقد يتعب الرجل أكثر من زوجته ، فالرجل يهب لمساعدة زوجته ويخفف عنها بعض عناء العمل ، والزوجة تهب لمساعدة زوجها في إنجاز بعض شؤونه وتوفير بعض مستلزماته وإشعاره بالدعم والمحبة .

فالتعب والحاجة إلى الاستراحة والتقاط الأنفاس قد يتسبب في الشعور بالمرارة ، خاصة إذا كان هناك إهمال من الطرف الآخر . وما أكثر أولئك الذين يتصورون البيت جحيما لأنهم لا يجدون من يهتم بهم أو يلتفت إليهم .

فقد تتصور المرأة أنها لو بقيت في بيت أبيها لما عانت ما تعانيه من التعب والإرهاق ، ويتصور الرجل لو أنه يقضي وقته خارج المنزل لوجد له مكانا يأوي إليه ويستريح فيه .

إن توفير جو من الراحة والهدوء هي من واجبات الزوجين تجاه بعضهما البعض ، فالقيام برحلة ممتعة حتى لو كانت قريبة ، وتغيير الجو كما يقولون ضروري بين فترة وأخرى .

كما أن زيارة الأصدقاء والمعارف وصلة الأرحام له تأثيره الإيجابي في انعاش الحياة الزوجية ورفدها بدماء جديدة .

د – رعاية الأدب والأخلاق :

إن أسمى مقومات الحياة الزوجية إنما تتجسد في رعاية الزوجين للأدب والخلق الكريم ، وذلك الاحترام العميق ، والعلاقات الصحيحة في علاقة الزوجين بعضهما ببعض ، ذلك أن الخيانة والحسد وبذاءة اللسان والأنانية والكذب ، هي وقود النزاعات والخلافات في الحياة الزوجية .

إن جمال الحياة الزوجية يكمن في تلك الابتسامات المضيئة ، والمعشر الحلو ، والحديث اللطيف الهادئ ، والحب العميق . فالمرأة لا تنسى أبدا كلمات الحب التي يتمتم بها زوجها ، كما أن الرجل يشعر بالدفء وبالقوة أيضا عندما يجد زوجته تقف إلى جواره وجانبه ، فالحياة المشتركة هي رحلة يقوم بها الرجل والمرأة معا ، يدا بيد .

ضرورة ضبط النفس :

إن الحياة المشتركة تفرض على المرأة احترام مشاعر زوجها ، وتوجب على الرجل مداراة زوجته وعدم إهانتها أو توجيه كلمة تجرح قلبها ، فقد تفعل الكلمة القاسية ما لا يفعله خنجر مسموم من الألم والمرارة .

إن ضبط النفس والحديث الهادئ الذي يفيض حبا ومودة لا بد وأن يزرع في قلب الآخر شعورا بالمحبة والصفاء ، ولذا فإن على المرأة مراعاة الحالة النفسية لزوجها ومن ثم التعامل معه في ضوء ذلك . وعلى الرجل رصد نفسية زوجته ، ومن ثم العمل على إدخال الفرحة إلى قلبها .

فكلمة حب دافئة ، وابتسامة مختصرة قد تساوي في نظر المرأة ملء الدنيا ذهبا ، كما أن الرجل يشعر بالسعادة عندما يرى زوجته تفيض حيوية ونشاطا ، وبهذا يتعانق قلباهما وتتشابك روحاهما ، وبالتالي تتفجر ينابيع السعادة .

الفصل الثاني: الجمال الباطني

كان البعض قديما – وربما إلى اليوم – يتصور أن الزواج من امرأة جاهلة لا تعرف شيئا ، ضعيفة نفسيا ، غضة الجسم ، أمر يجلب السعادة الزوجية ، ذلك أنها ستكون طوع اختيار الرجل .

وفي مقابل هذا التصور من قبل بعض الرجال يوجد من بين النساء من تفكر بهذا النحو ، فتطمح للزواج من رجل ضعيف الشخصية يفتقد الإرادة ليكون مستسلما لها ولإرادتها وذوقها ، مما يوفر لها حرية مطلقة في التصرف .

إن الدين الإسلامي الحنيف يرفض تماما مثل هذا المنطق ، ذلك أن الهدف من تشكيل الأسرة لا ينحصر في هذه الأطر الحيوانية من توفير الطعام وإشباع الحاجة الجنسية . ومن يتزوج من أجل هكذا أهداف فقط فلن يحظى من الدنيا إلا بالقليل ، وحتى أولئك الذين يتزوجون من أجل المال أو الجمال عليهم أن يدركوا أن هذه المسائل مؤقتة ، إذ سرعان ما يزول تأثيرها وينتهي مفعولها ، وعندها لا يبقى سوى الشعور بالحرمان . إن ما يمنح الحياة جمالها ويجعلها حلوة هو ذلك الجمال الباطني والمعنوي الذي يتجسد بالخلق الكريم الذي يرافق الإنسان دائما ويكسبه أبعاده الشخصية كإنسان له كرامته وأصالته .

قيم الكمال :

إن ما يمنح الحياة شكلها ورونقها هو كمال الإنسان لا جماله الظاهري أو ثراؤه المادي ، ذلك أن عقل الإنسان ومظنته وتقواه وعفته هي التي تبعث الحياة في الشخصية الإنسانية وبالتالي تعكسها في شكل الحياة البشرية وروحها .

إن التأثير الأخلاقي والأدبي الذي يتمتع به أحد الزوجين كجمال باطني يفوق أضعاف الجمال الظاهري الذي يمكن أن يتمتع به الآخر ، ذلك أن الحب والمودة الزوجية إنما تنشأ بين روحين وبين قلبين يلتقيان في صعيد واحد ، ولا يمكن في حال من الأحوال أن يولد حب حقيقي على أساس من المظاهر المادية الزائفة .

ولذا ، فإن على الإنسان أن يبني شخصيته على أسس متينة من الأخلاق والقيم ، فهي وحدها التي تتمتع بالبقاء والدوام ، أما المظاهر المادية فهي إلى الزوال والفناء .

إننا قد لا نطيق البعض في رحلة قصيرة إذا كانوا لا يتفقون مع آرائنا وتوجهاتنا وأفكارنا ، فكيف إذا كانت الرحلة هي رحلة العمر ، وكان رفيق السفر شريك حياة .

دور القيم الأخلاقية في الحياة :

إن الحياة المشتركة تنطوي على إيجابيات لا حصر لها على صعيد التكامل الإنساني وإثراء الشخصية ، ناهيك عن تلك الإلفة وذلك الإنس الذي يتحقق في ظلالها .

أو لم يقولوا بأن وراء كل رجل عظيم امرأة ! إن المرأة الفاضلة يمكنها ، ومن خلال نفوذها إلى روح زوجها ، أن تؤثر تأثيرا بالغا في حياته وتكامله ، كما أن الرجل الفاضل هو الآخر يمكنه النفوذ إلى روح زوجته بما يخلق عندها من قيم الكمال والأخلاق .

إن السعادة الإنسانية إنما تقوم على الأخلاق والطمأنينة والشعور بالسلام والمحبة ، وهذه أمور يمكن خلقها بالرغم من الفقر وضيق ذات اليد ، ذلك أن السعادة لا تنشأ عن الذهب والثراء وكل زخرف في هذه الحياة الدنيا .

تجليات الكمال :

ما هي الأصعدة التي يتجلى فيها كمال الرجل والمرأة ؟ يمكن الإجابة على هذا السؤال بالإشارة إلى ما يلي :

1 – العلم :

إن جميع الأديان والمذاهب تؤكد على إغناء هذا الجانب في حياة الإنسان ، وأن على المرء أن يملأ رأسه بالعلم قبل أن يملأ معدته بالطعام ، فالحياة إنما تقوم بالعلم وتنهض بالفكر .

وإن ما يعلي شأن المرأة ويرفع من منزلتها هو العلم ، ولذا فإن على المرأة والرجل أيضا أن يخصصا ولو ساعة في اليوم للمطالعة واكتساب المعرفة ، ذلك أن ضمور هذا الجانب في حياة الإنسان يعني في الحقيقة زواله وفناءه .

2 – حسن المعاشرة :

إن من كمال المرأة والرجل هو حسن المعاشرة وطهارة الثوب ، بل أن أعظم ما في حياة الإنسان هو هذا الجانب ، فما أكثر أولئك الذين حلوا المشاكل المستعصية عن طريق الكلام الذي هو جانب من جوانب السلوك والمعاشرة .

وقد أوصانا نبينا ( ص ) بحسن المعاشرة وإبراز عاطفتنا لمن نحب ، لما في ذلك من الأثر الكبير في تعزيز وتمتين العلاقات .

قال رسول الله ( ص ) : إن قول الرجل لزوجته إني أحبك لا يذهب عن بالها أبدا .

إن الجانب الأخلاقي وإضافة إلى ضرورة توفره من أجل ديمومة الحياة المشتركة فإنه يهب الحياة ذلك الجمال ويجعلها حلوة المذاق .

3 – التوازن في السلوك :

من بين الصفات والملكات الإنسانية المختلفة يبرز التوازن في السلوك كجانب مهم في حياة الإنسان الذي يعتبر انعكاسا عن ضبط النفس واستقرار الروح .

إن الارتباط مع إنسان يفتقد هذا الجانب يعتبر في الواقع مغامرة مجهولة النتائج ، فقد تتوفر صفات إيجابية عديدة لدى أحدهم ولكنه يفتقد إلى جانب التوازن والتعادل في المزاج ، فإذا هو هوائي السلوك يميل مع الريح وتأسره الرغبة وتملكه الأشياء في أول نظرة . إن الارتباط مع هكذا إنسان سوف يعقد الحياة ويجعلها في غاية المرارة ، فالحياة الهادية المستقرة تحتاج إلى نفس هادئة وسلوك مستقر ومزاج ثابت .

4 – تقدير الجهود :

يكدح الرجل طوال اليوم من أجل توفير لقمة عيش كريم لعائلته ، ويعاني في سبيل ذلك ما يعاني من تعب وإرهاق . كل هذا صحيح ولكن عليه أن لا يتصور أبدا أن زوجته وهي ربة البيت تقضي وقتها دون عمل . فالرجل الذي يتصور ذلك هو في الحقيقة مخطئ تماما ، ذلك أننا لو استعرضنا الأعمال المنزلية التي تقوم بها المرأة لأدركنا أهميتها وصعوبتها .

ولذا فإن علينا أن لا نطلب المزيد من زوجاتنا ، فلنا أعمالنا ولهن عملهن الذي لا يقل صعوبة وأهمية عن أعمالنا ، وعليه فإن عودتنا من العمل متعبين لا يبرر أبدا الإساءة في معاملتهن .

5 – التحمل والصبر :

من الخصال العظيمة التي يمكن أن يتحلى بها الإنسان هي التحمل والصبر . وهناك مثل أجنبي يقول : ليست المصيبة في ذاتها بل في عدم تحملها .

عندما لا تقدر زوجتك جهودك ولا تعرف حقك فتسيئ ، فهو أمر يحز في النفس ، غير أن المشكلة سوف تتعقد إذا فقدت صبرك إزائها ، فلم تعد تتحملها ، إذ ستصبح المصيبة مصيبتين .

إن النجاح في الحياة يعود إلى التحمل والصبر والمقاومة والقدرة على احتمال الشدائد .

6 – التقوى :

التقوى من أكبر كمالات الإنسان – رجلا كان أو امرأة وهي التي تجسد قيمة الإنسان – وإذا كان ثوب المرء وحيدا فلا ينبغي أن يكون قذرا . إن نظافة الثوب الوحيد من أنبل جهاد الفقراء ، فإذا كتب عليه أن يكون فقيرا فليحاول أن يكون شريفا .

إن التقوى والعفة هي التي تمنح الإنسان جماله الحقيقي . . الجمال الذي يفوق – أضعافا مضاعفة الجمال الظاهري . ولقد أثبتت البحوث والتجارب العلمية أن الإنسان يمل أجمل المناظر وأحلى المشاهد إذا ما تكررت رؤيتها كل يوم ، فما بالك بجمال الإنسان رجلا كان أو امرأة .

إن سر استمرار الحياة الزوجية هو في ذلك الجمال الباطني الذي يشع من أعماق النفس الطاهرة والروح النقية .

7 – العواطف :

إن ما يمنح الأسرة صفاءها ويشيع في أجوائها الدفء هو تلك العاطفة المتأججة في القلب ، وإن من كمال المرأة أن تحتوي زوجها بالعطف وتمنحه ذلك الشعور بالمودة والحنان . ومن كمال الرجل أيضا أن يشعر زوجته بالحق وأن يمنحها ذلك الشعور بالطمأنينة والسلام . ولذا فكلاهما يحتاج الآخر وكلاهما يكمل الآخر . ومن خلال تلك العاطفة النبيلة ينبعث الأمل في قلب الزوجين فيضيء طريقهما نحو المستقبل .

أخذ وعطاء :

وأخيرا ، فإن العلاقة بين الزوجين لا يمكن أن تكون من جانب واحد : هو يعطي وهي تأخذ . . أو بالعكس . . ينبغي أن يكون العطاء من الجانبين . . كل حسب إمكاناته وقابلياته . وقد تكون المرأة مطالبة أكثر في البحث عن الأشياء التي تجدد حياتهما المشتركة ، وربما يكون الرجل مطالبا أكثر في العثور على الأشياء التي تبدد ضباب الملل من الحياة الزوجية وتعيد إليها الأمل .

الفصل الثالث: الحب

لقد أثبتت الوقائع والبحوث العلمية في مضمار السلوك الإنساني أن الزواج هو العامل الوحيد الذي يوفر الاستقرار في حياة الإنسان ، ذلك أن الزواج يعني ارتباط إنسانين في ظل حياة مشتركة يسودها الحب والمودة والصفاء .

إن الأسرة هي العش الدافئ الذي يوفر للزوجين أسباب الطمأنينة والسعادة التي تنهض على أسس من الألفة والمحبة ، هذا من جهة ومن جهة أخرى ، فإن الزواج يعني تكامل الزوجين وانتفاء الشعور بالنقص الذي يعتري المرأة والرجل على حد سواء .

أساس الحب :

إن أسس الحب تتجسد في التضامن والتفاهم والتضحية والتسامح والاحترام المتقابل ، والحب هو جوهر الحياة الزوجية ، وبدونه تبدو كل الأشياء خاوية لا معنى لها ، ذلك أن الإنسان إنما يحيا بالحب ومن أجل الحب ، وهو ذلك المشعل الذي يضيء للإنسان معالم الطريق ، وتلك الشعلة المتوقدة في القلب ، التي تمنحه الشعور بالدفء والسلام .

إن الحب يمنح الإنسان تلك الرؤية التي تجعل من كل المرئيات تبدو وكأنها خضراء .

ولذا فإن الحب هو الأساس في الحياة الزوجية ، وهو العامل المهم والكبير في استمرارها وتكاملها .

تعميق مشاعر الحب :

إن من المسائل المهمة في الحياة المشتركة أن يعمل الزوجان على تعزيز وتعميق مشاعر الحب بينهما ، من كلمة حلوة أو موقف رحيم أو نظرة دافئة أو لمسة مفعمة بالحنان ، وما إلى ذلك من وسائل التعبير عن الحب والتودد .

وما أكثر الأزواج الذين ينطوون على مخزون من تلك العواطف السامية في حين يخونهم التعبير عن ذلك ، وبالتالي يتراكم الجليد في علاقاتهم فيجدون أنفسهم في عزلة وانزواء يهدد حياتهم المشتركة بالانهيار .

إن جذوة الحب وحدها لا تكفي ، بل ينبغي تأكيد وجودها عن طريق التعبير عن ذلك بكل الوسائل كالزينة ، الحديث الحنون ، الاهتمام بالطعام ، النظافة ، والثناء ، وإلى غير ذلك من شؤون الحياة .

وبالرغم من سلبية المشاكل والأمراض التي تعترض حياة الإنسان إلا أنها فرص مناسبة لإثبات وتثبيت عواطف المحبة والمودة والتضامن بين الزوجين .

شروط الحب :

وإذا كان الحب بهذه الأهمية فما هي شروطه يا ترى ؟

ينبغي أن يكون الحب صادقا ، بعيدا عن الرياء ، صافيا من كل الشوائب ، خاليا من التصنع ، نابعا من صميم القلب و . . .

والزواج السعيد عادة هو نوع من الصداقة والمحبة والإلفة ، حتى ليصعب تمييز جوانبه المادية والمعنوية ، فهو شكل من أشكال الاندماج والتفاعل الذي يلبي كل حاجات الروح والجسد .

وفي كل هذا ، ينبغي أن لا نتوقع الدلال المستمر في مناسبة وغير مناسبة ، ذلك أن الحب عاطفة صادقة تتفجر في وقتها ، وتعبر عن نفسها في الزمن المناسب والظرف المناسب .

وأخيرا ، فإن الحب الصادق عاطفة نبيلة لا تنتظر ما يقابلها أبدا ، ولا تعرف أشكال المقايضة أو التعامل التجاري .

دور المرأة :

بالرغم من كون الحب علاقة زوجية ، أي يشترك فيها الطرفان – الرجل والمرأة إلا أن دور المرأة في ذلك يفوق في أهميته دور الرجل ، حث أن حب المرأة يمنح الرجل شعوره بالثقة بل ويجدد أنفاس الحياة الزوجية .

تتمكن المرأة ومن خلال الحب أن تبعث في قلب الرجل شعورا فياضا بالحيوية ، وبالتالي فإنها تنفذ في قلبه لتحتل المنزل الأثير لديه .

إن استقرار الحب يعني نمو الأمل . . الأمل الذي يكتسح في طريقه الاضطراب والقلق ويحل مكانها الطمأنينة والسلام .

بل إن هذا الحب سيكون سدا منيعا يحمي المرأة ويقيها غضب الرجل ، هذا في الوقت الذي تبدو فيه الحياة خالية من المعنى بدون الحب . . الحب ذلك النبع الصافي المفعم بمشاعر الاستقرار والهدوء . . والفرح .

إن الرجل يتوقع من المرأة الحب . . ذلك أن المرأة هي السر العجيب الذي يكمن وراء انطلاق الرجل ، وإذا ما رأى نفسه محروما من الحب فإنه سيفكر في امرأة أخرى تمنحه ذلك الشعور . وهذا هو سر غضب المرأة من مسألة تعدد الزوجات .

مرحلة الحب :

تولد المودة بين الزوجين بمجرد اقترانهما ، وفي خلال تلك المدة تبقى للطرفين خصائصهما ومقوماتهما الشخصية . وبعد أن تنمو المودة لتتمخض عن الحب الذي يعني الاتحاد التام ، الإيثار ، التسامح ، والتضحية ، فإن الحياة الزوجية تدخل مرحلة جديدة تتلاشى فيها تلك المقومات الشخصية لتولد شخصية جديدة . . شخصية تنهض على التكامل الذي يحققه الزواج والحب .

ومن هنا تختلف الأسرة الإنسانية في حياتها عن بقية الكائنات الحية الأخرى ، ذلك أنها ترتفع إلى مرتبة القداسة والملائكية .

العلاقات الجنسية في الزواج :

إن أولى التوصيات في مضمار الصحة النفسية هي تلك العلاقات الجنسية الصحيحة التي يقيمها الزوجان في حياتهما المشتركة ، ذلك أن الارتباط الجنسي في ظروفه السليمة يقضي على مشاعر القلق ليولد لدى المرء شعورا بالطمأنينة .

إن الجانب الجنسي هو جانب فطري أودعه الله في حياة البشر ، وأن وجوده وعنفه أمر طبيعي ، على أنه ينبغي توجيه هذه الغريزة وإشباعها وفقا لأسس وأصول صحيحة ، وفي ضوء التعاليم الإلهية .

إن تنظيم العلاقات الجنسية بشكل صحيح وسليم سوف يساعد على استمرار الحياة الزوجية واستقرارها ، مع التأكيد على أن المسألة الجنسية لا يمكن اعتبارها جوهر الحياة الزوجية ، وهي نقطة نثيرها أما البعض ممن كان لديهم علاقات جنسية لا مشروعة قبل الزواج لكي لا يشعروا بالملل والضجر من حياتهم الجنسية في ضلال الزواج .

أضرار الامتناع :

لقد خلق الله الإنسان وأودع فيه غريزة الجنس كبقية غرائزه الأخرى ، وأن تلبيتها بالشكل المقبول عقلا وشرعا يضمن للإنسان سلامته روحا وجسدا ، كما أن كبتها أو إهمالها سيؤدي إلى مضاعفات عديدة لا تحمد عقباها .

إن بعض الشباب من الذين يعيشون أحلام الحب الملائكي تخفت في نفوسهم تلك الميول الجنسية مما يؤدي إلى ضعف شديد في علاقاتهم الزوجية ، وهذه ظاهرة نلمسها في حياة المرأة أكثر من الرجل وتعتبر بشكل عام حالة مرضية لها أسبابها النفسية أو الجسدية التي ينبغي معالجتها قبل أن تقصم ظهر العلاقات الزوجية .

وإذا كان لهذه الظاهرة ما يبررها في دين المسيحية فإن الإسلام قد حث على الزواج واعتبره من المستحبات المؤكدة التي لا تفصلها عن الواجب إلا قيد أنملة .

إن إهمال هذا الجانب لا يضيع حقوق الزوجية فحسب ، بل إنه يشتمل على أضرار نفسية وجسدية وخيمة ، وبالتالي ظهور أعراض الانهيار في العلاقات الأسرية .

إرواء العطش الجنسي :

تشكل الحياة الجنسية جانبا مهما وأساسيا في علاقات الزوجين ، وإن عدم إرواء العطش الجنسي لأحدهما قد يؤدي إلى تراكم الغيوم في سماء الأسرة ويجعل جوها مشحونا بالقلق .

قد يشعر الزوجان أحدهما أو كلاهما بفتور تجاه شريكه في الحياة دون أن يعرف سببا واضحا لذلك ، ذلك أنها تترك في أعماق اللاوعي تراكمات تطفو إلى السطح ولو بعد حين .

إن العلاقات الزوجية ينبغي أن ترسى على أساس السعي المشترك لتوفير المتطلبات والحاجات المشتركة ، ذلك أن الزواج نفسه إنما هو استجابة فطرية لمشاعر النقص التي تختلج في أعماق الجنسين .

إن تلبية النداء الجنسي يجب أن يكون مشتركا ، فلا ينبغي أن تكون العلاقات الجنسية انطلاقا من رغبة منفردة ، لأن ذلك يعني حرمان الطرف الآخر والاستهانة بمشاعره ، وبالتالي اضطرابه نفسيا .

كبح الجماح :

كما ذكرنا آنفا فإن الجانب الجنسي لا يشكل جوهر العلاقات الزوجية ، على الرغم من كونه عاملا مهما في تعزيز روابطهما المشتركة .

إن الغرائز البشرية هي مقدمات الحياة الإنسانية ، غير أن الهدف من وراء الحياة أسمى بكثير من الغرائز نفسها ، وعلى الإنسان أن لا يهدر سنوات عمره في اللهاث وراء غرائزه .

إن الشخصية الإنسانية المتزنة والمعتدلة تنشأ عن ضبط الغرائز والسيطرة عليها لا إطلاق العنان لها . وفي الحياة المشتركة ينبغي أن يفكر الزوجان بذلك انطلاقا من وحي الحياة المشتركة .

المصدر : الأسرة وقضايا الزواج/ الدكتور علي القائمي