الأسرة الشيعية » حول الأسرة »

القوامية

قال تعالى: {الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاء بِمَا فَضَّلَ اللّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنفَقُواْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِّلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللّهُ وَاللاَّتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلاَ تَبْغُواْ عَلَيْهِنَّ سَبِيلاً إِنَّ اللّهَ كَانَ عَلِيًّا كَبِيرًا * وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُواْ حَكَمًا مِّنْ أهلهِ وَحَكَمًا مِّنْ أهلهَا إِن يُرِيدَا إِصْلاَحًا يُوَفِّقِ اللّهُ بَيْنَهُمَا إِنَّ اللّهَ كَانَ عَلِيمًا خَبِيرًا}(1).

وهذه القوّامية هي للأزواج على الزوجات وليست مطلقة، للقرائن الموجودة في الآية، من الإنفاق وخوف النشوز والإطاعة وخوف الشقاق، فهل تخالف هذه القوّامية سلطنة الزوجة على مالها وأفعالها، وكون القوّامية خلاف استقلال المرأة بتصرّفاتها.

والجواب:

إنّ معنى الآية يتوقّف على معرفة القوّامية التي جعلها الله للأزواج، وهذا يتوقّف على مراجعة كلمات اللغويين، وهي جميعاً لا دلالة لها على إعمال القدرة والسيطرة، وإعمال الأوامر والنواهي على الزوجة، بل معناها المحافظة والاهتمام بالشخص وتدبير شؤونه.

وإليك جملة من كلمات أهل اللغة في مادّة (قوّام):

1ـ ففي المصباح المنير: (قام بالأمر، يقوم به، قياماً، فهوقوّام وقائم)(2)، فهذه الجملة تشهد على أنّ قوّام بمعنى قائم، أي صيغة مبالغة لمعنى قائم.

2ـ وفي أقرب الموارد يقول: (قام الرجل المرأة وعليها [أي: قام الرجل على المرأة] ما نَها [أي: موّلها] وقام بشأنها)(3).

3ـ وأيضاً في أقرب الموارد: (القوّام، كشدّاد: الحسن القيام بالأمر)(4).

4ـ وفي النهاية لابن الأثير، نقل عن كتاب أبي موسى محمّد بن أبي بكر الإصفهاني يقول: (القوم في الأصل: مصدر قام، فوصف به، ثمّ غلب على الرجال دون النساء… وسمّوا بذلك لأنّهم قوّامون على النساء بالأُمور التي ليس للنساء أن يقمن بها)(5).

وهذا معناه أنّ الرجال يقومون النساء بأشياء تعجز المرأة عن القيام بها.

5ـ وجاء في لسان العرب: (قام الرجل على المرأة: ما نَها وأنه لقوّام عليها مائن لها)(6).

6ـ وأيضاً في لسان العرب: (وفي التنزيل العزيز: {الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاء} وليس يراها هنا ـ والله أعلم ـ القيام الذي هو المثول والتنصّب وضدّ القعود، إنّما هو من قولهم قمت بأمرك، فإنّه ـ والله أعلم ـ الرجال متكفّلون بأُمور النساء معنيّون بشؤونهنّ)(7).

7ـ وفي لسان العرب أيضاً: (وقد يجيء القيام بمعنى المحافظة والاصلاح، ومنه قوله تعالى: {الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاء}، وقوله تعالى: {إِلاَّ مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَآئِمًا} أي ملازماً محافظاً)(8).

فاتّضح بهذا الذي تقدّم، أنّ القوّامية لا تنافي سيطرة الزوجة على مالها وأفعالها بل معناها، نعم هذه القوّامية حينما تُنسب إلى المقام عليه إذا كان إنساناً عاقلاً فيُؤمر ويُنهى، باعتبار أنّ المحافظة عليه وإدارة شؤونه تحتاج إلى شيء من الأمر والنهي، فلا تدلّ الآية على أمر الزوج ونهيه لزوجته في كلّ شيء حتّى تنافي سلطنتها على مالها وتصرّفاتها.

فالرجل له فضل على زوجته؛ لأنّه يقوم بأمرها ويحافظ عليها ويدير شؤونها، ولأنّه ينفق عليها، وهذا المعنى مقبول عرفاً وهو الظاهر من الآية، كما يصحّ أن نقول: أنّ الزوجة إذا أنفقت على زوجها وكان طريح فراش المرض، وقامت بأمره ودارت شؤونه فهي صاحبة فضل عليه بهذا المقدار، فليست الآية ناظرة إلى التفضيل المطلق.

إذن نفهم من الآية أمرين:

الأوّل:

نفوذ أوامر الزوج على الزوجة غير الأوامر التحكّمية، لوضوح أنّ الأخيرة لا تدبّر أمر المرأة ولا تصلحها ولا ترعاها، فليس حال الآية الكريمة حال روايات الطاعة، بل الأمر بالعكس، فالزوج هو بخدمة زوجته يُدبّر أمرها ويرعاها ويموّلها، ويصنع لها ما لا تستطيع صنعه.

وقد يُستفاد هذا أيضاً ـ على تأمّل ـ من تقييد الآية بقوله تعالى في سورة النساء: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُونُواْ قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ}(9)، وبقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُونُواْ قَوَّامِينَ}(10).

فالقوّامية للزوج على زوجته لا يجوز أن تنطلق من التحكّم والهوى والمزاج، بل يجب أن تكون قوّامية بما يرضي الله تعالى.

الثاني:

إنّ القوّامية وإن كانت مستعملة بنحو الجزئية  على نفوذ بعض أوامر الزوج على زوجته، ولكن ليس هذه الأوامر النافذة عبارة عن كلّ أمر يراه الزوج في صالح هذه المرأة كإنسانة ـ أي من حيث أنّها إنسانة، لا من حيث الزوجية ـ وإلّا لكان المترقّب أن تكون الأُخت والبنت غير المتزوّجتين أيضاً تحت ولاية الأخ والأب، وهوكما ترى غير ثابت.

فالزوجة مستقلّة في إنسانيّتها لا قائم عليها في الإنسانية، فهي ليست مملوكة للزوج بالضرورة الفقهية، وليست نسبة الزوجة لزوجها كنسبة الولد الصغير لوالده الذي يحدّ من حرّيته كإنسان، ولذا نرى عندما يخاف الشقاق بين الزوجين بصدور الاتّهامات بينهما، فالزوج يقول لها: أنتِ ناشز، وهي تقول له: أنتَ ناشز، عندئذٍ قالت الآية: {فَابْعَثُواْ حَكَمًا مِّنْ أهلهِ وَحَكَمًا مِّنْ أهلهَا}(11).

إذن تبيّن أنّ ملاك هذه القوّامية التي تكون في صالح المرأة وهو تفضيل الرجال على النساء ليس في الإنسانية أو الخلق والعلم أو التقوى، لأنّ الإسلام جعل المفاضلة الحقيقية في التقوى أو العلم مع الإيمان وهما لا يختصّان بالرجال، لقوله تعالى: {يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ}(12).

فالأفضلية هي منصب تنفيذي في تنظيم أُمور الزوجة لأقوائية الرجل من المرأة فسيولوجيا، وغلبة عقله على عاطفته التي تنفع في قيادة البيت، وهذا هو القدر المتيقّن في أفضلية الزوج على زوجته، فلا إطلاق في الأفضلية، فالمراد بالأفضل هنا هو الأصلح.

فالأفضلية في الآية نسبية فيصحّ لنا أن نقول: إنّ المرأة أفضل من الرجل في تربية ورعاية وحضانة الأطفال؛ لغلبة عاطفتها على عقلها التي يحتاجها الطفل.

وقد ذكرت الآية ملاكاً آخر للقوّامية، وهو الإنفاق على الزوجة الذي شرّعه الشارع المقدّس.

إذن ليس في الآية ما يدلّ على أنّ القوّامية بمعنى السيطرة والسلطنة على الزوجة ومالها وتصرّفاتها.

ــــــــــــــــــ

1ـ النساء: 34 ـ 35.

2ـ المصباح المنير: 268.

3ـ أقرب الموارد 2: 1053 (قوم).

4ـ أقرب الموارد 2: 1053 (قوم).

5ـ النهاية في غريب الحديث والأثر 4: 109 (قوم).

6ـ لسان العرب 12: 503 (قوم).

7ـ المصدر السابق

8ـ المصدر السابق

9ـ النساء: 135.

10ـ المائدة: 8.

11ـ النساء: 35.

12ـ المجادلة: 11.

بقلم: الشيخ حسن الجواهري