المرأة في الغرب

إنّ وضع المرأة الإنساني والحقوقي في الدول غير الإسلامية كان وضعاً شاذّاً وظالماً لعدّة دهور، من الناحية الاجتماعية والميدانية، ومن الناحية القانونية أيضاً، ولكن عند ظهور النهضة الأُوروبية حصلت مراجعة نقدية شاملة لذلك الوضع الشاذّ وغير العادل، فتغيّرت المواقف الفكرية والأخلاقية في شأن المرأة، ومن جملتها وضع المرأة في الأُسرة والمجتمع.

وتفعّلت هذه المواقف بسبب تحوّل المجتمع من الحياة الزراعية إلى الصناعية، فتسبّب بالهجرة الواسعة من الأرياف إلى المدن، فدخلت المرأة سوق العمل، فتولّدت شعارات تُنادي بتحرير المرأة وحقوقها، وانتشرت بصورة واسعة، نتيجة غلبة المجال العسكري للدول الأُوروبية على غيرها.

وكان من الواجب العمل على إلغاء كلّ ما يرتبط بنقص المرأة عن الرجل، ودونيّتها في الإنسانية والكرامة، وإعطاء حقوقها في تقرير مصيرها وتصرّفاتها وأعمالها، مع الاحتفاظ بدورها في الأُسرة، والمحافظة على عفّتها وطهارتها.

إلّا أنّ الأمر اتّجه لتحريرها من دور الأُسرة وسلب العفّة عنها، فانتقدوا عملها في البيت كزوجة وأُم، واعتبروا أنّ مسؤوليّتها في الأُسرة هو مظهر عبوديّتها، ونادوا بضرورة رفع القيود الأخلاقية والقانونية التي تحكّم وتنظّم علاقات الرجال والنساء.

وساعدهم على ذلك نمو الصناعة الذي جذب المزيد من اليد العاملة الرخيصة، فاجتذبت النساء إلى المعامل، وعُزلت المرأة عن بيتها وأُسرتها، فلا وقت عندها لتوفير الحدّ الأدنى من السكن للزوج والأولاد، ولها أيضاً مع اختلاط بلا حدود مع الرجال الأجانب، مع دعوة إلى التحرير الجسد من القيود الأخلاقية والدينية في المجال الجنسي، فأدّت هذه الحركات التحريرية في الغرب إلى خلط الغثّ بالسمين، والفاسد بالصالح، فجعلت المرأة دمية للرجل يستغلّها في المعمل، ويستمتع بها باسم التحرّر، وإن حصلت على بعض حقوقها في الحياة المعاصرة من عمل وعلم ومشاركة، إلّا أنّها فقدت قيمتها وشرفها وطهارتها وأُسرتها وسكنها، فهي زوجة ولكن لا تهتمّ بأُمور الأُسرة والأولاد، ولا تهتمّ بالسكن الذي جعله الله لها نتيجة الحياة الزوجية، كما أجازوا لها أن ترافق خليلاً معها تنجب منه الأطفال من غير زواج شرعي، وما إلى ذلك من أُمور باسم التحرّر.

وعلى هذا يمكن لنا أن نقول: لقد حوّلوا المرأة من ظلم كانت تُعاني منه إلى ظلم آخر أشدّ من الأوّل بإسم تحريرها وإعطاءها حقوقها.

وبعبارة: أرادوا ولا زالوا يحاولون مساواتها بالرجل في كلّ شيء، ولا يُعبأ بالفوارق الجسمية ـ الفسلجية والسيكولوجية ـ الثابتة بين الرجل والمرأة.

ونحن إذ نقرّ لهم بمساواة المرأة للرجل من الناحية الإنسانية والحقوق الفطرية التي يهدي إليها الدين، إلّا إنّنا كمسلمين وكبشر أيضاً نخالفهم في المساواة الجسدية، إذ نؤمن ككلّ فرد واقعي بحسب الخلقة، وإلّا فإذا نظرنا إلى المساواة في كلّ شيء كان النتيجة ستكون هي تردّي الحالة النفسية والأخلاقية للمرأة حتماً.

نظرة الغرب السلبية للمرأة المسلمة وردّها:

1ـ يصوّر أنصار حقوق المرأة في الإعلام الخارجي صوراً فكاهية للمرأة وهي تكره العائلة، كما إنّها تكره الرجل بل تمتعض من الجنس.

2ـ أمّا الإعلام الشعبي فيصوّر المناصرين للمرأة وهم يحتقرون النساء اللاتي يتجهن بكلّ وقتهن لممارسة دور الأُمّهات وربّات المنازل.

3ـ كما يصوّر الكاريكاتور الغربي (المرأة المسلمة وهي ترتدي الحجاب)، على أنّه وصمة عار.

4ـ كما يصوّر الكاريكاتور الغربي >المرأة المسلمة وهي ترتدي الحجاب< على أنّها كائنة مضطهدة لا تملك أي وسيلة للتعبير عن نفسها بحرّية.

5ـ كما إنّ الغرب يفهم من قوّامية الرجل على زوجته التقليل من شأن المرأة، واتّخاذها مادّة هزيلة لأغراض الرجل.

المناقشة:

أوّلاً: يرد على الفقرة الأُولى عدّة ملاحظات:

أ) أثبت الأبحاث الطبيعة والنفسية والاجتماعية والعلمية أنّ الرغبة الجنسية هي حاجة طبيعية يجب إشباعها، وليس من الصحيح كبتها، وليس من الصحيح تصوير الرجل الذي يريد إشباعها على منحرف وشيطان.

وعلى هذا لا يكون مَن يسعه إلى تأمين ما يحتاج إليه من جنس هو مرتكب كبيرة من كبائر الذنوب، أو متّجها إلى القذارة والانحطاط، بل يكون متّجهاً للشفاء من الكآبة والاضطرابات العقلية الحادّة، لذا فقد وردت الآثار الشرعية الكثيرة الحاثّة على الزواج وجعلته إحرازاً لنصف الدين، فقال رسول الله(ص): >مَن تزوّج فقد أحرز نصف دينه<، وقال الكليني+: ـ وفي حديث آخر ـ: >فليتق الله في النصف الآخر<(1)، إذن المقاربة الجنسية فعل إيجابي يجب التشجيع عليه في دائرة الزوجية والنكاح الشرعي، والإرشاد إليه عن طريق الهدي الربّاني.

ب) إنّ هذه الرغبة الجنسية ثنائية المصدر، أي إنّها حاجة طبيعية من الجانبين، فليس الرجل هو يحتاج إلى هذه العملية دون المرأة، ولا المرأة دون الرجل، وهذا أمر واضح، إذن الحاجة من الاثنين.

ج) ومن الطبيعي والواضح أنّ البيت الذي ليس فيه طفل يكون غير سعيد بالمعنى الأعم للسعادة، فإنّ المرأة كما أنّها بحاجة إلى أن تكون زوجة لتشبع حاجاتها الجنسية، فهي بحاجة إلى أن تكون أُمّاً لتعطف على ولدها، ويكون البيت مشعّاً بالسعادة والحنان والمحبّة التي تشدّ الأُسرة لتشقّ طريقها في الحياة بنشاط وعمل مشفوعاً بالأمل.

والنتيجة التي نصل إليها: هو خطأ وتضليل النقطة الأُولى القائلة: بأنّ المرأة تمتعض من الجنس، وتكره الرجل وتكره العائلة.

ثانياً: يرد على الفقرة الثانية:

أ) إنّ وظيفة المرأة أوّلاً وبالذات هو البيت وتنظيم شؤونه، وشؤون الأُمومة والحضانة للأولاد وتربيتهم التربية الصالحة، ولكن عملها لا ينحصر بذلك، فلها أن تعمل أيّ عمل يُناسبها إذا وجدت فيها الكفاءات اللازمة له، ولا تمنع من ذلك عند حصولها على الوقت الكافي لمباشرة العمل خارج البيت إذا توافقت مع الزوج على ذلك.

ب) ولو لم تجد المرأة الوقت الكافي للعمل خارج البيت، فلا يجوز أن ننظر إلى عملها داخل البيت باحتقار، لأنّه عمل مهمّ وكبير، حيث يكون عبارة عن تربية الجيل الصاعد، فتكون النساء مشاركات في بناء الجيل الصاعد بناءً سليماً صحيحاً في عقائده وفكره وأخلاقه، وبهذا ستكون الأُمّ هي المدرسة الأُولى للأولاد، ولذا قال الشاعر:

الأُمُّ مدرسة إذا أعددتها *** أعددت شعباً طيّب الأعراقِ

ثالثاً: ويرد على الفقرة الثالثة والرابعة ما يلي:

أ) إنّ الحجاب لا يجب على المرأة المسلمة ـ باستثناء نساء النبي(ص) ـ وإنّما الواجب على المرأة المسلمة ستر البدن عن الناظر الأجنبي، وفرق بين ستر البدن والحجاب، فالحجاب هو عبارة عن التواري عن الرجال مثالاً، وهذا ليس واجباً على النساء المسلمات، بل هو واجب على نساء النبي(ص) فقط، للآية الكريمة: {وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِن وَرَاء حِجَابٍ ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ}(2).

ب) إنّ ستر بدن المرأة لا يكشف عن اضطهاد المرأة، وتعرّي المرأة لا يكشف عن حرّيتها، بل إنّ تعرّي المرأة يمكن ان يكون ناشئاً عن اضطهاد لها، لعدم إعطاء الزوج لها المؤونة اللازمة للستر، أو لم يعطها المجتمع الضمان الاجتماعي اللازم لها.

ج) إنّ وجوب ستر البدن(3) لا يشمل خاصّ بالأجنبي، فلا يجب ستر البدن على الزوج وأب الزوج وأبناء الزوج وأخيها وابنها وعمّها وخالها وأزواج بناتها وأبناء إخوتها وأخواتها، وجميع النساء والذكور غير المميّزين والرجال الكبار البُله، الذين عبّر عنهم القرآن (غير أُولي الإربة)، فهؤلاء كلّهم لا يجب على المرأة أن تتستّر عنهم.

د) إنّ وجوب ستر البدن هو عبارة عن لباس الحشمة مقابل السفور، هو واجب على المرأة كما هو واجب على الذكر، والقصد من هذا الوجوب هو صيانة المجتمع من الانزلاق إلى الفساد، وإيجاد العفّة في المجتمع، لذا خاطب القرآن المؤمنات: {وَقُل لِّلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوآبَائِهِنَّ أَوآبَاء بُعُولَتِهِنَّ أَوأَبْنَائِهِنَّ أَوأَبْنَاء بُعُولَتِهِنَّ أَوإِخْوَانِهِنَّ أَوبَنِي إِخْوَانِهِنَّ أَوبَنِي أَخَوَاتِهِنَّ أَونِسَائِهِنَّ أَومَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ أَوالتَّابِعِينَ غَيْرِ أُوْلِي الْإِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ أَوالطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاء}(4).

وقال تعالى مخاطباً الرجال المؤمنين قبل الآية المتقدّمة: {قُل لِّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ}(5).

فنفهم من هاتين الآيتين أنّ على كلّ الجنسين ـ الذكور والإناث ـ العفّة واللباس المحتشم في المجتمع، رغم وجود خلاف طفيف بين الجنسين في لباس الحشمة، إلّا أنّ هذا الاختلاف لا يغلي وجوب الحشمة في اللباس على كلا الجنسين.

لذا لم يجوّز العلماء ظهور الرجال نصف عراة أمام النساء حتماً في المجالس الحسينية ومواكب اللطم، وإذا حدث ذلك فلا يجوز للنساء أن ينظرن إليهم على نحو الاحتياط الوجوبي، كما إنّ الإسلام لا يجيز للرجال أن يكشفوا عوراتهم أمام الرجال فضلاً عن النساء.

هـ) إنّ غالبية البحوث حول حالات الاغتصاب التي يقوم بها الرجال للنساء، قد ألقت اللوم على النساء المتعرّيات ـ غير المستورات بدنيّاً ـ على اعتبارهن الدافع المحرّك وراء سلوك الرجال البالغين الذين تحرّشوا بهنّ واغتصبوهنّ.

وهذه الدراسات أوضحت فكرة في فهم العنف الجنسي وظروف جرائم الاغتصاب، فالنساء العاريات تُسهّل الأمر على المغتصبين عن طريق لبسهنّ ملابس مثيرة تستحثّ بشدّة أُولئك المرضى على أن يهاجموا النساء، فالعاريات هنّ مَن يدعونّ المغتصبين لاغتصابهن.

وبدون شكّ لا نقصد من هذا:

1ـ أنّ المغتصب لا يُعدّ جانياً، ويكون معذوراً بعمله الإجرامي على مَن أغرته بلبسها المثير، بل هو قام بعمل إجرامي وهو يُعاقب عليه أقصى العقوبة لهذه الجريمة، ولكن المرأة شريكة له في الجريمة.

2ـ كما لا نقصد إظهار المجتمعات الإسلامية على أنّها مثالية أو خالية من أيّة حال من حالات الاغتصاب، نتيجة وجود الستر للبدن عند ظهور المرأة في المجتمع.

3ـ كما لا نقصد أنّ المجتمعات غير الملتزمة بستر البدن لا يوجد فيها نساء طاهرات بعيدات عن العمل الفاسد، وما يجرّ إليه كالزنا.

بل كلّ ما أردناه ببياننا السابق هو: أنّ التعرّي سبب لإغراء الجناة، وهو يُؤدّي إلى إرتكاب الجريمة غالباً، وأنّ المتعرّية تكون مسؤولة عن الجناية التي تتعرّض لها، لأنّها باشرت عملاً حثّ بعض الذكور على فعل جريمتهم، فالإغراء والفتنة من جهتها جرّ الطرف الآخر إلى الرغبة الجنسية بلا بصيرة، ولكن عن اختيار منه وإرادة، بل حتّى اللباس المثير الذي يستر البدن الذي يحرّك الغريزة الجنسية، أو العطر المحرّك للرجال، أو حتّى الأعمال غير الأخلاقية، كرقص النساء أمام الرجال، أو الكلام المثير الرقيق المحرّك للشهوات كالغناء، أو اللمس المثير، فكلّها تُساهم في إعداد عمل يحثّ الذكور على فعل جريمة الاغتصاب أو التحرّش على أقل تقدير، قال تعالى: {وَلَا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِن زِينَتِهِنَّ}(6)، فلا يجوز العمل الذي يلفت انتباه الرجال إلى زينتهنّ لتتحرّك مشاعرهم الجنسية.

وقد يدّعي المغتصب بأنّ المرأة هي التي أعطته إشارات واضحات لميلها إلى الملاطفة الجنسية، فتقرّب منها بالتحرّش والعمليات الجنسية.

وحتّى إذا امتنعت من العملية الجنسية، فإنّ هذا لا يُبرّر عملها الذي يدّعي الرجل أنّه دعوة له من قِبَلها، وهذا غير موجود في المرأة المحتشمة في لباسها وقولها وعملها، فهي تعطي إشارات واضحة وعديدة على أنّها ليست لها أدنى علاقة بأيّ شكل من أشكال الملاطفات الجنسية.

ولذا حرّم الإسلام كلّ هذه الأعمال التي يكون فيها إغراء وإثارة ولا يمكن إشباعها، لعدم وجود علاقة زوجية بين الرجل المثار والمرأة المثيرة، ممّا يسبّب وجود حالات تحرّش واعتداء جنسي، أو حتّى اغتصاب مهان، ممّا تكون الحالة فيه مأساوية جدّاً.

ولا بأس بالإشارة إلى الحالات النادرة التي يكون الرجل فيها مثيراً لشهوات النساء، حيث يقوم بأعمال من شأنها إغراء النساء خارج نطاق الزوجية كالغناء، وكشف بعض البدن الذي قد يجر إلى إثارة الشهوة عند النساء خارج نطاق الزوجية، فهذا أيضاً محرّم، تكون المسؤولية فيه على الطرفين، لأنّه يصدر بإرادة واختيار من الرجل ومن المرأة معاً.

وبهذا الذي تقدّم تنهار الأفعال والكاريكاتورات التي تنظر إلى المرأة السائرة لبدنها والمحتشمة على أنّها وصمة عار، أو أنّها مضطهدة في فعلها هذا.

رابعاً: ويرد على الفقرة الخامسة: ما تقدّم من معنى القوّامية، حيث قلنا هي عبارة عن قيام الزوج بأمر الزوجة في تدبير أمرها والمحافظة عليها، وليس من معناها سيطرة الزوج على فعل زوجته أو مالها الذي يلزمه التقليل من شأنها.

ـــــــــــــــــــ

1ـ وسائل الشيعة: 14، باب1، من مقدّمات النكاح، ح11 ـ 12.

2ـ الأحزاب: 53.

3ـ أقول: المقصود بالبدن ما عدا العورة المغلّظة فإنّها تحرم على المذكورين عدا الزوج، فلاحظ.

4ـ النور: 31.

5ـ النور: 30.

6ـ النور: 31.

بقلم: الشيخ حسن الجواهري