المرأة والاستخلاف الإلهي

استخلف الله سبحانه وتعالى الإنسان في الأرض واستعمره واستعمله فيها، قال تعال: (وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلاَئِفَ الأَرْضِ وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ) (1)، وقال تعالى: (إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِن طِينٍ * فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ)(2).

فالإنسان اُختير لأن يكون خليفة عن الله تعالى في الأرض، وأن يفضل على جميع الموجودات، وسلّطه على الكثير منها، ومن المنافع والمصالح المتوفّرة والتي يستطيع الوصول إليها، ولا فرق في ذلك بين الذكر والأُنثى حسب ما يظهر من الآيات المتقدّمة ويذهب إليه بعضهم(3)، إلاّ أنّ نظرة فاحصة في الآيات يتّضح منها أنّ الاستخلاف وإن كان لعموم الإنسان بما في ذلك الذكر والأُنثى إلاّ أن الخليفة هو الرجل دون الأُنثى، وهذا ما تُصرّح به آيات الاستخلاف الواردة في القرآن الكريم، قال تعالى: (وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلاَئِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُواْ أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاء وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ * وَعَلَّمَ آدَمَ الأَسْمَاء كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلاَئِكَةِ فَقَالَ أَنبِئُونِي بِأَسْمَاء هَؤُلاء إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ *قَالُواْ سُبْحَانَكَ لاَ عِلْمَ لَنَا إِلاَّ مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ * قَالَ يَا آدَمُ أَنبِئْهُم بِأَسْمَآئِهِمْ فَلَمَّا أَنبَأَهُمْ بِأَسْمَآئِهِمْ قَالَ أَلَمْ أَقُل لَّكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنتُمْ تَكْتُمُونَ * وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلاَئِكَةِ اسْجُدُواْ لآدَمَ فَسَجَدُواْ إِلاَّ إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ)(4)  فالخليفة الذي اختاره الله تعالى وفضّله على كافّة الموجودات آدم× دون حواء، وهذا توضّحه الآية من خلال عرض الحوار الذي دار، وكذلك تؤكّد هذا المعنى الآية الأُخرى، حيث يقول تعالى: (يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُم بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ)(5).

فالاستخلاف انصبّ على داود(ع) دون غيره من الرجال فضلاً عن النساء، والقيود التي تُؤخذ في الموضوع لها مدخلية في تحقيق الحكم، وفي قصّة إبراهيم(ع) يتحدّث القرآن عن الإمامة والانتخاب عقب الاختيار، فيقول: (إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَاماً) (6) إذ المختار لتسنّم منصب الزعامة والأولوية إبراهيم(ع) دون غيره من الرجال فضلاً عن النساء.

ويشير إلى ذلك الآية القرآنية التي نصّت على ختم النبوّة بالخاتم(ص)، إذ يقول الله تعالى:  (مَّا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِّن رِّجَالِكُمْ وَلَكِن رَّسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ)(7)  في إشارة إلى أنّ النبوّات السابقة على شاكلة نبوّة النبي الأكرم(8)، مع الفارق في الاختتام بشخصه ورسالته الخالدة، ممّا يعطي إشارة واضحة إلى أنّ النبي من جنس الرجال دون النساء.

وحينما تنتقل إلى الإمامة نجد أنّ الروايات تُصرّح باشتراط الذكورية فيه، ففي الكافي الشريف بسنده عن محمّد بن يحيى، عن أحمد بن محمّد، عن ابن أبي نصر قال: قلت لأبي الحسن الرضا(ع) : إذا مات الإمام بم يُعرف الذي بعده؟ فقال: (للإمام علامات منها: أن يكون أكبر ولد أبيه، ويكون فيه الفضل والوصية)(9).

وروى أيضاً بسنده عن علي بن إبراهيم، عن محمّد بن عيسى، عن يونس عن الحسين بن ثوير بن أبي فاختة،  عن أبي عبد الله(ع) قال: (لا تعود الإمامة في أخوين بعد الحسن والحسين أبداً، إنّما جرت من علي بن الحسين، كما قال الله تبارك وتعالى: (وَأُوْلُواْ الأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ الله)، فلا تكون بعد علي بن الحسين(ع) إلاّ في الأعقاب وأعقاب الأعقاب)(10).

إذ تبيّن أنّ الإمامة في الذكور فقط دون غيرهم، وهي في الأبناء والأعقاب، ولا تجتمع في أخوين عدا الحسنين(عليهما السلام) خرجا عن القاعدة باستثناء خاصّ.

ومن خلال ما تقدّم يتّضح أنّ المرأة وإن كانت مخلوقاً بشرياً كرّمه الله تعالى كالرجل في العقل والمعرفة والتكليف واستعمار الأرض، إلاّ أنّ الاستخلاف الإلهي الخاصّ وهو القيومية المطلقة على المكلّفين، والأولوية الأنفسية على الناس ليس من شأنّها ولا يشملها ذلك، بل الاستخلاف من خصائص الرجل دون غيره.

وممّا يوضّح الأمر بشكل جلي، ما ورد في قصّة مريم وابنها المسيح(عليهما السلام)، حيث يقول الباري جلّ وعلا:  (مَّا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كَانَا يَأْكُلاَنِ الطَّعَامَ)(11)  في تفريق واضح بين كون عيسى(ع) رسولاً من الرسل، وأُمّه صدّيقة اصطفاها الله تعالى وطهّرها من أجل عيسى(ع) وتولّده منها، وبين كونها نبيّه كما توهّم بعضهم، فإنّ التطهير والحكمة يتّصف بها غير الأنبياء، كما نصّ القرآن الكريم على ذلك في قصّة لقمان الحكيم، وورد أيضاً أنّ خديجة وفاطمة(عليهما السلام) من الكاملات، وأنّ فاطمة(عليها السلام) سيّدة نساء العالمين بما يشمل مريم وغيرها.

روى الصدوق في الأمالي بسنده عن الإمام الصادق(ع) عن النبي(ص) أنّ المفضّل بن عمر سأل الإمام(ع) عن قول النبي(ص): (إنّ فاطمة سيّدة نساء العالمين) أهي سيّدة نساء عالمها؟ فقال(ع): (ذاك لمريم، كانت سيّدة نساء عالمها، وفاطمة سيّدة نساء العالمين من الأوّلين والآخرين)(12).

وأخرج الحاكم في المستدرك بسنده عن رسول الله(ص) أنّه قال:  (يا فاطمة ألا ترضين أن تكوني سيّدة نساء العالمين، وسيّدة نساء هذه الأُمّة، وسيّدة نساء المؤمنين)(13)، وفاطمة(عليها السلام) التي هي أفضل نساء العالمين ليست نبيّة ولا إماماً، فمريم(عليها السلام) والتي تفضلها فاطمة(عليها السلام) ليست نبيّة ولا إماماً، وإنّما هي سيّدة مصطفاة لحملها روح الله عيسى(ع).

ــــــــــــــــــ

1ـ الأنعام: 165.

2ـ سورة ص: 71 ـ 72.

3ـ مباني ضرورة تجديد نظر واصلاح پاره اي از قوانين مربوط به زنان: 45.

3ـ البقرة: 30 ـ 34.

4ـ سورة ص: 26.

5ـ البقرة: 124.

6ـ الأحزاب: 40.

7ـ أصول الكافي 1: 284، باب الأمور التي توجب حجة الإمام×.

8ـ أصول الكافي 1: 285، باب إثبات الإمامة في الأعقاب وأنّها لا تعود.

9ـ  المائدة: 75.

10ـ معاني الأخبار 1: 107.

11ـ المستدرك على الصحيحين 3: 156.

12ـ معاني الأخبار 1: 107.

13ـ المستدرك على الصحيحين 3: 156.

بقلم: الشيخ لؤي المنصوري