المرأة ونقصان العقل

استعرض الكاتب في صفحة 48 من الكتاب نقص العقل عند المرأة فقال: (شبهة نقصان عقل المرأة) فقال: >ورد في بعض المصادر الإسلامية حديثاً منسوباً للإمام علي(ع) عن أنّ المرأة ناقصة العقل.

وهذه الأحاديث وقع فيها اختلاف من قبل المفكّرين الإسلاميين، فالبعض آمن بها ويدعمها الواقع الاجتماعي للمرأة، والبعض الآخر أنكرها لضعف سندها ومنافاتها للدين الإسلامي<.

ثمّ أورد توجيه البعض ومنهم الشيخ جوادي آملي فقال: >يذهب البعض إلى أنّ المقصود من الحديث عائشة وحربها الإمام علي(ع)، إذ عرض بها بعد المعركة بهذه الخطبة من دون أن يذكر اسمها.

وكما يقول الشيخ عبد الله القلايلي: إنّ الإمام لم يذكر اسمها احتراماً للنبي الأكرم(ص)<.

والبعض الآخر يذهب إلى : >أنّ نقص العقل عند المرأة ليس من نتيجة خلقتها التكوينية، وإنّما بسبب الوضع الاجتماعي الذي تعيشه والنظرة الاقصائية وحرماتها من ممارسة جملة من الحقوق أدّى إلى انحسار عقلها وضعفه<(1).

ونحن في مقام مواجهة هذه الشبهة لابدّ من عرض الحديث وقراءته ضمن سياقه الوارد، والظروف الموضوعية الزمانية والمكانية التي صدر فيها، وكذلك مقارنته مع الأحاديث الأُخرى التي قد تُسهم في تحديد مدلولاً له.

روى الشريف الرضي في نهج البلاغة فقال: >ومن كلام له بعد فراغه من حرب الجمل في ذمّ النساء: معاشر الناس، إنّ النساء نواقص الإيمان، نواقص الحظوظ، نواقص العقول، فأمّا نقصان إيمانهنّ فقعودهن عن الصلاة والصيام في أيّام حيضهن، وأمّا نقصان عقولهن فشهادة امرأتين منهنّ كشهادة الرجل الواحد، وأمّا نقصان حظوظهن فمواريثهنّ على الإنصاف من مواريث الرجال.

فاتّقوا شرار النساء، وكونوا من خيارهنّ على حذر، ولا تطيعوهنّ في المعروف حتّى لا يطمعن في المنكر<(2).

وعلّق ابن أبي الحديد بقوله: >هذا الفصل كلّه رمز إلى عائشة ولا يختلف أصحابنا في أنّها أخطأت فيما فعلت، ثمّ تابت وماتت تائبة، وأنّها من أهل الجنّة<(3).

بينما ذهب الشيخ محمّد عبدة إلى أنّ: >خلق الله النساء وحملهنّ على ثقل الولادة وتربية الأطفال إلى سنّ معيّن، لا يكاد ينتهي حتّى تستعد لحمل وولادة وهكذا، فلا يكون يفرغنّ من الولادة والتربية، فكأنّهن قد خُصّصن لتدبير أمر المنزل وملازمته، وهو دائرة محدودة يقوم عليهنّ فيها أزواجهن، فخلق لهنّ من العقول بقدر ما يحتجن إليه في هذا، وجاء الشرع مطابقاً للفطرة، فكنّ في أحكامه غير لاحقات للرجال لا في العبادة ولا الشهادة ولا  الميراث<(4).

وإذا ما أردنا تقييم ما ذُكر من بيان وتوجيه لكلام الأمير(ع) نلاحظ أنّ الرأي الأوّل تعجّل في البيان، واستغفل القارئ هروباً من وقع الكلام، تصوّراً منه أنّه ينتقص من المرأة وينال من مكانتها باعتبارها عنصراً بشرياً يمثّل الشقّ الثاني من وجود الإنسان، الذي خلقه الله سبحانه وتعالى وكرّمه على سائر المخلوقات الأُخرى.

وهو انسياق ساذج لم يتمعّن في القائل وهو الإمام(ع) ولا القول وهي مفردات النصّ، فالقائل وهو الأمير× المعروف بحكمته وكماله العقلي، بل هو العقل الكامل لا يصدر منه ما يخرجه عن حكمته واعتداله، وإن كان مع ألدّ أعدائه ومبغضيه، وفي أحلك الظروف والمواقف، كيف ورجاحة عقله ونفاذ بصيرته واطمئنان نفسه مشهود معروف، يكاد يفيض من بين فيافي صفحات التاريخ، ويشهد به العدو والصديق، يذكر المؤرّخون أنّ شراباً من عسل قُدّم للإمام(ع) أثناء حرب الجمل فقال لحامله: إنّ هذا من عسل اليمن، وخطب بعد معركة الجمل قائلاً: >لو كانت عائشة طلبت حقّاً وأهانت باطلاً لكان لها في بيتها مأوى، وما فرض الله عليها الجهاد، وإنّ أوّل خطئها في نفسها، وما كانت والله على القوم إلاّ أشأم من ناقة الحجر، وما ازداد عدوّكم بما صنع الله لها حقداً، وما زادهم الشيطان إلاّ طغياناً، وقد جاؤوا مبطلين وأدبروا ظالمين<(5).

وقال أيضاً في كتاب له أرسله إلى قرضة بن كعب وأهل الكوفة: >ولاذ أهل البصرة بعائشة، فقُتل حولها عالم جمّ لا يُحصى  عددهم إلاّ الله، ثمّ ضرب الله وجه بقيّتهم فأدبروا، فما كانت ناقة الحجر بأشأم منها على ذاك المصر، مع ما جاءت به من الحوب الكبير في معصيتها ربّها ونبيّها، واغترار مَن اغترّ بها، وما صنعته من التفرقة بين المؤمنين، وسفك دماء المسلمين بلا بيّنة ولا معذرة ولا حجّة لها<(6).

فالإمام(ع) انتقد عائشة صريحاً ووصفها بأقذع الأوصاف  قبل الحرب وبعدها، فلماذا يعرض بها من دون تصريح، مع تصريحه باسمها في عدّة خطاب وبأوصاف كثيرة؟!

وما هو الداعي لأنّ يعرض بها صورة عامّة بحيث يولّد شبهة لدى السماع أنّه يذمّ عموم النسوة، ولا يريد من ذلك إلاّ عائشة التي تسبّبت بسفك الدماء، وتفريق الكلمة، وإرباك الوضع الداخلي للدولة؟!

إنّه أمر بعيد أن نحمل كلام الأمير(ع) على  إرادة التعريض بعائشة، بالخصوص مع وجود القرائن المشار إليها، فهذا الاحتمال الأوّل لا يمكن قبوله والمساعدة عليه.

وأمّا الاحتمال الثاني، وإنّ المراد من النقص العارض لا الذاتي الناشئ من النظرة الاجتماعية، والتعامل مع المرأة على نحو يوجب تجحيم دورها وانحساره ضمن إطار محدّد كما يصفه الشيخ محمّد عبدة من كونهم خُصّصن لتدبير أمر المنزل وتربية الأولاد.

فهذا الاحتمال بعيد بلحاظ أنّ الوصف الوارد في كلام الإمام(ع) ناظر إلى الطبيعة الذاتية الداخلية في تكوين المرأة، كما سيتّضح ذلك من خلال تحليل مفردات الخطبة لاحقاً، وفي إشارة عاجلة قوله: >وأمّا نقصان إيمانهن فقعودهنّ عن الصلاة والصيام في أيّام حيضهنّ<، فإنّ هذا البيان يمنع من حمل الكلام على إرادة النقصان الطارئي الناتج عن تعامل المجتمع مع المرأة؛ لأنّ الحيض أمر تكويني في خلقة المرأة، وليس عارضاً ناشئاً من تدخّلات اجتماعية أو نحوها، فهذا الحمل والبيان لتفسير كلام الإمام(ع) مخالف لصريح الكلام وإن قبله الكاتب، وأخذ بالاستشهاد عليه من خلال نقل كلام بعض العلماء، إلاّ أنّه لا ينهض ولا يساعد عليه التوضيح والتشريح في متن الخطبة.

والصحيح في بيان معنى الكلام الوارد عن الإمام من خلال البيان التالي:

تحديد المراد من أيّ كلام يكون من خلال الرجوع إلى نفس المتكلّم لمعرفة مراده إن أمكن، أو من خلال تحديد معنى المفردات والقرائن المحيط بالكلام إن وجدت.

وفي كلام الأمير(ع) نلحظ أنّ الإمام(ع) وضّح مراده حيث قال: >النساء نواقص الإيمان… نقصان إيمانهم فقعودهنّ عن الصلاة والصيام في أيّام حيضهنّ<، ففسّر نقص الإيمان بعدم إتيان المرأة بجملة من العبادات أثناء الحيض كالصلاة والصوم.

وإذا ما رجعنا إلى سبب ذلك نجد أنّ الشرع المقدّس نفسه حرّم على المرأة الإتيان بهذه العبادات أثناء حيضها، فهي في حقيقة الحال متّبعة لأمر الشرع وممتثلة لتكليف المولى، ومتقيّدة بما يأمر به وينهى عنه، وعندها كيف يصحّ أن نقول بأنّها ناقصة إيمان، وهي في حال طاعة وعبادة؟

النقصان ليس معناه السفه وعدم تحمّل المسؤولية كما يتوهّم، كيف وهي مكلّفة ولها القدرة على القيام بمسؤوليّتها، إنّما المراد من النقصان الاقتطاع، بمعنى أنّ الحيض قطع عليها تحصيل الثواب والكمال الحاصل بأداء العبادات من الصوم والصلاة؛ لأنّ الصلاة قربان الأتقياء، والصيام جُنّة من النار، وهذا ما يفوت الحيض على المرأة تحصيله، والرقي من خلاله في مراتب الإيمان، والسير نحو الكمالات الإلهية التي لا تحصل إلاّ من خلال العبادات المذكورة.

وهذا المعنى ليس بعزيز، وورد استخدامه في القرآن الكريم، يقول الباري جلّ وعلا: {وَإِنَّا لَمُوَفُّوهُمْ نَصِيبَهُمْ غَيْرَ مَنقُوصٍ}، وقال أيضاً: {قَدْ عَلِمْنَا مَا تَنقُصُ الْأَرْضُ مِنْهُمْ وَعِندَنَا كِتَابٌ حَفِيظٌ }، بمعنى ما تقتطع الأرض من أجسادهم وما يبقى فيها.

وهذا الأمر ليس ذمّاً للمرأة وتكبيت؛ لأنّ الحيض أمر تكويني خلقه الله تعالى فيها، لاقتضاء طبيعية وجود الإنسان وديمومة نسله ذلك، إذ بواسطته تستطيع الإنجاب والحفاظ على نوع الإنسان في الأرض وعدم الانقراض.

وكذلك قوله(ع): >نواقص الحظوظ.. نقصان حظوظهنّ فمواريثهنّ على الإنصاف من مواريث الرجل<.

وهذا الكلام يُفسّر بعضه الآخر، فالحظ وهو النصيب، منقوص في ميراث المرأة نسبته إلى الرجل، وهو ممّا شرعه الله تعالى أيضاً، وورد فيه نصّ قرآني، قال تعالى :{فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنثَيَيْنِ}(7)، وعلّل الأمة سبب ذلك، إذ ورد عن الإمام الصادق(ع) حينما سأله الفهقكي: ما بال المرأة المسكينة الضعيفة تأخذ سهماً واحداً ويأخذ الرجل سهمين؟

فقال أبو محمّد(ع): >إنّ المرأة ليس عليها جهاد ولا نفقة ولا عليها معقلة<(8)، إنّما ذلك على الرجل، فقلت في نفسي قد كان قيل لي : إن ابن أبي العوجاء سأل أبا عبد الله(ع) عن هذه المسألة فأجابه بهذا الجواب، فأقبل أبو محمّد(ع) عليّ فقال: نعم، هذه المسألة مسألة ابن أبي العوجاء، والجواب منّا واحد إذا كان معنى المسألة واحد، جرى لآخرنا ما جرى  لأوّلنا، وأوّلنا وآخرنا في العلم سواء، ولرسول الله(ص) ولأمير المؤمنين(ع) فضلهما<(9).

وروى علي بن إبراهيم عن أبيه، عن إسماعيل بن مرار، عن يونس بن عبد الرحمن، عن أبي الحسن الرضا(ع) قال: قلت له: جُعلت فداك، كيف صار الرجل إذا مات وولده من القرابة سواء، ترث النساء نصف ميراث الرجال، وهنّ أضعف من الرجال وأقلّ حيلة؟

فقال: >لأنّ الله عزّ وجل فضّل الرجال على النساء بدرجة، ولأنّ النساء يرجعنّ عيالاً على الرجال<(10).

توضيح الروايات بأنّ الله سبحانه وتعالى عندما أخذ نصف الحصة حمّل الرجل ما لم يحمّلها، فهي ليس عليها مهر ولا نفقة لا على نفسها ولا زوجها ولا  أولادها، وليس عليها معقلة أي الدية، لأنّ العاقلة هي المكلّفة بدفع الدية.

والمتحصّل من ذلك، أنّ المرأة أكثر سهماً من الرجل؛ لأنّ المال الذي يصل إليها لا تنفقه على شيء، بل يبقى  على حاله بخلاف الرجل، فإنّه إذا ما ورث المال سينفق أضعافه على الأُمور التي قدّمنا ذكرها، فلذلك فرّق المشرّع بين حصّة الذكر وحصّة الأُنثى؛ لأنّ الالتزامات المترتّبة على الرجل أكثر من المرأة.

وهذا كما ذكرنا في مبحث الإيمان ليس قصوراً في المرأة ومن جانبها، إنّما هو من جانب المشرّع نفسه، نتيجة الاختلاف في الواجبات والالتزامات التي يطالبان بها.

وأمّا قول الإمام(ع): >نواقص العقل.. فشهادة امرأتين منهنّ كشهادة الرجل الواحد<.

الآية التي تتحدّث عن شهادة المرأة قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا تَدَايَنتُم بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى فَاكْتُبُوهُ وَلْيَكْتُب بَّيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ وَلاَ يَأْبَ كَاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ اللّهُ فَلْيَكْتُبْ وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ وَلْيَتَّقِ اللّهَ رَبَّهُ وَلاَ يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئًا فَإن كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهًا أَوْ ضَعِيفًا أَوْ لاَ يَسْتَطِيعُ أَن يُمِلَّ هُوَ فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ وَاسْتَشْهِدُواْ شَهِيدَيْنِ من رِّجَالِكُمْ فَإِن لَّمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّن تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاء أَن تَضِلَّ إْحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الأُخْرَى}(11).

ومن المعلوم أنّ الآية تتحدّث عن الإشهاد لا الشهادة، والإشهاد هو الذي يقوم به صاحب الدين للاستيثاق والمحافظة على دينه، وليست واردة في الشهادة أمام القضاء في فضّ النزاعات والخلافات.

بل الآية تتحدّث عن إشهاد خاصّ وليس عن عمومه، فهي تأمر بعض الدائنين من كتابة الدين والإشهاد عليه على نحو اللزوم، وذلك في صورة عدم الاطمئنان إلى المدين والاستيثاق منه من الإنكار وعدم الإقرار، وأن يكتب الدين من قبل عدل، وأن يكون رجلان شاهدين، أو رجل وامرأتين.

إذن يمكننا القول بأنّ الآية لم تذكر الشاهدين والرجل والمرأتين في طرق الحكم التي يحكم بها الحاكم، وإنّما ذكرت الصنفين من البينة في طريقة حفظ صاحب الدين حقّه، فأمرهم تعالى بأن يحفظوا حقوقهم عن طريق الكتابة، وأمر مَن عليه الحقّ أن يملي الكاتب، فإن لم يكن ممّن يصحّ إملاؤه أملى عنه وليّه، ثمّ أمر مَن له الحقّ أن يستشهد على حقّه رجلين، فإن لم يجد فرجل وامرأتين، ثمّ نهى الشهداء المتحمّلين للشهادة عن التخلّف عن أدائها إذا طلب منهم ذلك، ثمّ رخصّ لهم في التجارة الحاضرة أن لا يكتبوها، ثمّ أمرهم بالإشهاد عند التبايع… كلّ هذا نصيحة لهم، وتعليم وإرشاد لما يحفظون به حقوقهم، وما تحفظ به الحقوق شيء وما يحكم به الحاكم شيء آخر، فإنّ طرق الحكم أوسع من الشاهد والمرأتين، ويدلّ على ذلك جملة من النصوص الواردة، روى داود بن الحصين عن أبي عبد الله× أنّه قال: >وكان أمير المؤمنين(ع) يجيز شهادة المرأتين في النكاح عند الإنكار، ولا يجوز في الطلاق إلاّ شاهدين عادلين.

قلت: فأنّى ذكر الله تعالى قوله: {فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ} فقال: ذلك في الدين خاصّة، إذا لم يكن رجلان فرجل وأمرأتان، ورجل واحد ويمين المدّعي إذا لم يكن امرأتان، قضى بذلك رسول الله(ص) وأمير المؤمنين(ع) من بعده عندكم<(12).

وروى الصيرفي قال: >كتبت إلى الكاظم في رجل مات وله أُمّ ولد، وقد جعل لها سيّدها شيئاً في حياته، ثمّ مات.

فكتب: لها ما آتاها سيّدها في حياته معروف ذلك لها، يُقبل على ذلك شهادة الرجل والمرأة والخدم وغير المتّهمين<(13).

حيث إنّه وإن كان وارداً >في الوصية وظاهر في إرادة ثبوتها بشهادة جنس الرجل وجنس المرأة، لأنّها وصية<(14).

وروى جميل بن درّاج في الصحيح عن أبي عبد الله(ع) أنّه قال: >أتجوز شهادة النساء في الحدود؟ فقال: في القتل وحده، إنّ عليّاً(ع) كان يقول : لا يبطل دم امرئ مسلم<(15).

وعن الحلبي عن أبي عبد الله(ع) قال: إنّ رسول الله(ص) أجاز شهادة النساء في الدين وليس معهنّ رجل<(16).

فهذه النصوص شاهدة على أنّ اشتراط تعدّد المرأة في الشهادة في دين خاصّ، وفي بعض الأحكام المعيّنة، لخصوصية ما أشارت إليها الآية المباركة من خوف النسيان والذهول عمّا وقع في حضورها أثناء كتابة الدين، وهذا معنى نقصان العقل، وليس المراد منه النقص التكويني في عقل المرأة خلافاً للرجل.

والعقل في اللغة يُستخدم بمعنى الحبس، قال ابن فارس: >عقل: العين والقاف واللام أصل واحد منقاس مطرد، يدلّ عظمه على حبسه في الشيء، أو ما يقارب الحبسة، ومن ذلك العقل، وهو الحابس عن ذميم القول والفعل<(17).

وهذا المعنى هو الذي يظهر من الآية القرآنية حيث قالت: {فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الأُخْرَى} إذ إن المرأة لا تستطيع حبس ما عرفته وعلمته في نفسها والإبقاء عليه، لأنّ طبيعة بنيتها الفسلجية والسيكولوجية فنحو هذا الاتّجاه، والتأثيرات النفسية التي تواجهها من ذلك تنعكس على ذاكرتها وقدرتها في الاحتفاظ على المعلومات الواردة.

ولا نغفل عن جانب آخر، إنّ هذا من جهة أغلبية، وليست دائمة مطلقة، فلا ينقض علينا بوجود ذاكرة ومعرفة عند بعض النساء أكثر من الرجال، وذلك لما بينّاه من أنّ الأحكام الشرعية تلحظ الغالبية والأكثرية، ولا نشترط الكلّية والعموم.

والخلاصة التي نصل إليها: إنّ ما ورد في كلام الإمام(ع) عبارة عن توصيفات تكوينية وشرعية خارجة عن إرادة المرأة ودخلها في إيجادها، إنّما البعض منها سببه البناء الفسلجي والبنيوي في ذات المرأة، والبعض الآخر نابع من المشرّع، وهو الله سبحانه وتعالى، والمدح والذمّ إنّما يعرضان على الأفعال الاختيارية لا الاضطرارية(18)، ومعه لا معنى لحمل الكلام على الذمّ بعد إن كان خارجاً عن الاختيار.

ـــــــــــــــــــ

1ـ مباني ضرورت تجديد نظر واصلاح پاره اي از قوانين مربوط به زنان: 48 ـ 50.

2ـ نهج البلاغة 1: 129، شرح محمّد عبدة.

3ـ شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد: 215.

4ـ نهج البلاغة 1: 129، شرح محمّد عبدة.

5ـ الجمل: 215.

6ـ الجمل: 215 ـ 216.

7ـ النساء: 176.

8ـ المعقلة: تعني الدية، أي لا تصير عاقلة في دية الخطأ.

9ـ الكافي 7: 85، ح2.

10ـ لكافي 7: 84 ـ 85، ح1.

11ـ  البقرة: 282.

12ـ وسائل الشيعة 27: 360، الباب 24 من باب الشهادات.

13ـ وسائل الشيعة 18: 268، الباب24 من باب الشهادات.

14ـ كتاب الشهادات الأوّل، السيّد الكلبايكاني: 300.

15ـ وسائل الشيعة 27: 350، الباب24، من أبواب الشهادات.

16ـ وسائل الشيعة 27: 356، الباب 24 من أبواب الشهادات.

17ـ معجم مقاييس اللغة 4: 69.

18ـ تكملة شوارق الإلهام : 25، الفصل الثالث، المسألة الأُولى.

بقلم: الشيخ لؤي المنصوري