تعدد الزوجات وقاعدة العدل

وممّا استشهد به الكاتب لقاعدة العدل المذكورة تعدّد الزوجات، حيث نهى القرآن الكريم عن التعدّد في صورة عدم العدول فقال: {فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تَعْدِلُواْ فَوَاحِدَةً}(1)، وحقيقة الأمر أنّ هذا خلط بين القاعدة التي اصطنعها وبين العدل الوارد في الآية الكريمة، إذ إنّ العدل المأمور به الزوج بين زوجاته المتعدّدة هو اعطاء كلّ زوجة حقّها من المسكن واللباس والطعام والعلاج، وكلّ ما تحتاج إليه في حياتها اليومية، وهذا الأمر ليس مستحيلاً بل ممكناً، ويستطيع الرجل القيام به إذا ما راعى الضوابط، والتزم بما يمليه عليه الشرع المقدّس.

وإن عرف من نفسه أنّه لا يستطيع العدل بينهنّ، ولا يوصل إليهنّ ما يلزمهنّ من طعام وشراب وكسوة ومسكن ونحوها، فلا يجوز له الإقدام على التعدّد، والسرّ في ذلك ليس قاعدة العدل التي ذكرها الكاتب، وإنّما الزوجة تصبح عبالاً على الزوج، وهو القائم على شؤونها والقوّام عليها، يقول الباري جلّ وعلا: {الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاء}(2)، والقوّامية تعني إرادة الشؤون والقيام بمصالح المقوّم؛ لأنّه يصبح تحت إدارته وتوابعه.

لأنّ الزوجة يفرض الإسلام عليها أن تكون لزوجها طيلة الوقت، ولا تخرج عن طوعه حسب العقد الذي وقع بينهما، فلا يمكنها الخروج والعمل وتفويت حقّ الزوج في الاستمتاع، ولا يجوز لها قضاء الوطر بما تحبّ وتشاء، بحيث تهمل حقوق الزوج، وفي قبال ذلك فرض الإسلام على الزوج القيام بشؤون المرأة من المأكل والملبس والمسكن والتعليم والعلاج، وكلّ ما يلزم تأمين حياتها، فإذا ما فرّط الزوج في شيء من ذلك، أو علم بأنّه غير قادر على القيام بما أمر به، ففي هذه الحالة يكون الزواج محرّماً على الرجل، لأنّه سيؤدّي إلى تضيع حقوق المرأة ممّا قد يسبّب لها الهلاك أو الفراق المبكّر وعدم حصول الغرض المرجو منه.

وشرطية العدالة لأنّ الزوجية التصاقها بالأمر المادّي أكثر منه في الجانب المعنوي، كما أشرنا إليه، فالنفقة والمبيت من الأُمور الأساسية والضرورية في الحياة الزوجية، إضافة إلى الأُلفة والمحبّة، ولا يحقّ له أن يجحف في حقّ أيّ واحدة منهنّ من جهة الاحتياجات، فليس المقصود من العدالة المساواة، وإنّما توفير المستلزمات اللازمة لكلّ واحدة منهنّ، ولأجل ذلك نبّه الإسلام على ضرورة العدالة في هذا الأمر؛ إذ بدونه لا يتحقّق التعدّد الذي ندب الشرع إليه، لحكمة وعلّة معيّنة أشرنا إليها في أبحاث سابقة، وما هي الدواعي والملاكات الباعثة لهذا التشريع، وإذا كان الأمر كذلك، وأنّ العدالة وأنصاف الزوجة هي المقدّمة المحصّلة التعدّد الذي دعا إليه الشرع، نجد أنّ الآية الكريمة نبّهت عليه وصرّحت به عند بيان الحكم وجوازه والترغيب فيه.

والدليل على ما ذكرناه أنّ الزوج لو لم يكن مطمئنّاً من تحقيق العدالة بين الزوجتين، وأقدم على الزواج وأوقع العقد، فإنّ عقده يكون صحيحاً، وهي زوجته شرعاً، ويجب عليه توفير احتياجاتها وما يلزمها من النفقة والمسكن والمبيت ونحو ذلك، وإذا ما أخلّ الشيء منها، فإنّه يكون مأثوماً ولا تخرج عن عهدته، وكونها زوجة له.

ـــــــــــــــــ

1ـ النساء: 3.

2ـ النساء: 34.

بقلم: الشيخ لؤي المنصوري