ما هي حقوق المرأة التي أصبحت زوجته

للمرأة الزوجة حقوق وعليها واجبات، أمّا الواجبات فقد تقدّم الكلام عنها في حقوق الزوج على زوجته، وقد تقدّم أنّ حقّه عليها يتلخّص في أمرين:

الأوّل: حقّ الاستمتاع.

الثاني: حقّ المساكنة الذي يتضمّن قيادته للبيت الزوجي لجعله متماسكاً لا يشوبه التفكيك.

وكلا هذين الحقيّن مقيّد بكونهما معروفاً، ولا يجوز الخروج بهما عن حدّ الاعتدال على التحكّم والشذوذ.

أمّا حقوق الزوجة على الزوج وهي واجبات الزوج، فنقول: عندما يوجد عقد الزوجية فهو يتضمّن حقوقاً على الزوج لزوجته، وواجبات الزوج تجاه الزوجة.

والفرق بين الحقّ والواجب في:

1ـ الحقّ هو سلطنة مجعولة من قبل الشارع المقدّس للإنسان، وهو هنا الزوجة، وهو مرتبة ضعيفة من الملكية، ويمكن لصاحب الحقّ إسقاطه بالتبرّع أو مقابل عوض وهو نفله، نعم بعض الحقوق لا تسقط كالولاية.

2ـ الحكم: هو جعل واعتبار من الشارع المقدّس ـ سواء كان رخصة أم إلزاماً أم وضعاً ـ على المكلّف، فالأوّل والثاني كالأحكام الخمسة، والثالث كالصحّة والفساد، وهذا الحكم غير قابل للإسقاط.

والآن نتعرّض لحقوق الزوجة وهي:

1ـ إنّ لها حقّ الاستمتاع بالزوج وحقّ المساكنة ـ كما كان للزوج ـ لأنّ الله تعالى قال: {وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ}(1)، فهي وردت في الطلاق، إلّا أنّها تشمل ما قبل الأولوية، وقال تعالى: {هُنَّ لِبَاسٌ لَّكُمْ وَأَنتُمْ لِبَاسٌ لَّهُنَّ}(2)، فالزوج سكن للمرأة وهي سكن له، والاستمتاع حقّ الطرفين، والمساكنة حقّ لهما معاً، وهذا يقتضي تقابل الحقوق وتوازنها فهي متبادلة، وهما أكفّاء فهما متماثلان في الحقوق والأعمال، كما هما متماثلان في الذات والإحساس والشعور والعقل.

وقد روي عن ابن عباس أنّه قال: >إنّي أُحبّ أتزيّن للمرأة كما أُحبّ أن تتزّين لي، لأنّ الله تعالى يقول: {وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ}(3)، نعم إنّ الله تعالى قال: {وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ} عقيب قوله: {وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ}، فما هي تلك الدرجة للرجال على النساء في خصوص الزوجة؟

والجواب:

إنّ ابن عباس طبّق الدرجة(4) التي ذكرها الله تعالى على الصفح من الرجل لإمرأته عن بعض الواجب عليها وإغضاؤه عنه، فقد قال: (ما أُحبّ أن استنطف ـ أي آخذ ـ جميع حقّي عليها< لأنّ الله تعالى قال: {وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ}.

فكان المرأة تواجه صعوبات كثيرة للقيام بمسؤوليات الزوج والبيت، فلا ينبغي أن يتعامل معها وكأنّها شريك في تجارة، فيُحاسبها على كلّ شيء قد وقع منها يعدّ تعدّياً على حقوقه، بل يقابل ما وقع منها من تقصير في حقوقه بالصفح والغفران.

ولهذا روي أنّ امرأة جاءت إلى النبي(ص) فسألته عن حقّ الزوجة على الزوج؟ فقال: >… واذا أذنبت غفر لها…<(5)، وقال الإمام الصادق×: >كانت إمرأة عند أبي(ع) تُؤذيه فيغفر لها<(6)، وورد في وصية الإمام أمير المؤمنين× لولده محمّد بن الحنفية، إذ قال له: >ولا تملك المرأة من الأمر ما يجاوز نفسها، فإنّ ذلك أنعم لها وأرخى لبالها وأدوم لجمالها، فإنّ المرأة ريحانة وليست بقهرمانة، فدارها على كلّ حال، وأحسن الصحبة لها ليصفوا عيشك<(7).

ومن هذا نفهم أن الأوفق والأصلح لها عدم تحمّل مسؤوليات النفقة وقيمومة البيت.

وعلى كلّ حال، فإنّ الدرجة في الآية الكريمة إمّا أن تكون بمعنى الصفح والغفران فيما لو تعدّت على بعض حقوق الزوج، أو تكون بمعنى القيام بأمرها والمحافظة عليها، كما لوكان هو المتبادر من الدرجة التي للرجال على النساء، وهذا أمر طبيعي، فإنّ كلّ مَن يغفر للآخر تعدّيه عليه، أو يقوم بمساعدة الآخرين فهو له فضل درجة على الآخر.

ولهذا نقول: بما أنّ الآية واردة في مقام التماثل بين الزوجين في الحقوق ـ لا في حقوق الرجال على النساء مطلقاً ـ فلا يناسب أن يكون معنى الدرجة هو مسؤوله أو حقوق الميراث كما روي ذلك أيضاً، لأنّ هذا إن كان فضلاً عليها فليس هو مختص بالتماثل في حقوق الزوجية التي كانت الآية بصددها.

وعلى هذا نرى أنّ الظاهر هو ندب الشارع الرجال إلى الأخذ على النساء بالفضل، وماذا إلّا العفو عنها، كما أنّها إن عفت عن تقصيره لها الفضل في ذلك، ولكن الشارع أراد الفضل للزوج فندب إليه، كما يظهر من تطبيق ابن عباس عليها، أو أنّ الشارع أخبر عن فضل الرجال على زوجاتهم لقيامهم بتدبير أُمورهنّ ورعايتهنّ وحفظهنّ، فهذا عبارة عن فضل للزوج على زوجته بالقيام بأمرها، ولوكان هذا الفضل بسبب إيجاب الشارع النفقة والمسكن والقيمومة على الزوج.

1ـ تجب المعاشرة الجنسية كلّ أربعة أشهر مرّة:

إذا كان للمرأة الحقّ في المعاشرة فما مقدار هذا الحقّ؟ قد يُقال بحكم التماثل بالحقوق الواردة في قوله تعالى: {وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ} يكون لها كما له، أي كما أنّ للزوج حقّ المعاشرة متى شاء، وفي أيّ وقت، كذلك للزوجة هكذا قد يُقال.

ولكن يُقال: إنّ الروايات من طرق الفريقين أوجبت على الزوج المعاشرة الجنسية في كلّ أربعة أشهر مرّة واحدة، والواجب عليها إدخال مقدار الحشفة فقط.

ففي صحيحة صفوان بن يحيى عن الإمام الرضا× أنّه سأله عن رجل يكون عنده المرأة الشابّة فيمسك عنها الأشهر والسنة ولا يقربها، ليس يريد الإضرار بها، يكون لهم مصيبة، يكون في ذلك آثماً؟ قال×: >إذا تركها أربعة أشهر كان آثماً بعد ذلك<(8).

وصحيحة حفص ابن البختري عن أبي عبد الله× قال: >إذا غاضب الرجل امرأته فلم يقربها من غير يمين أربعة أشهر استعدّت عليه، فإمّا أن يفيء، وإمّا أن يُطلّق، فإن تركها من غير مغاضبة أو يمين فليس بمولي<(9).

وقد روى أهل السنّة، ان عمر بن الخطّاب عندما سمع شيئاً من زوجة أحد الصحابة الذاهبين للجهاد، فسأل ابنته حفصة عن أقصى ما تستطيع المرأة أن تصبر عن زوجها، فقالت: أربعة أشهر، فأمر أن لا يزيد فراق الزوجات، وإن كان للجهاد عن أكثر من أربعة أشهر.

أقول: وأنت ترى الروايات والقصّة كلّها واردة في حالات استثنائية لا يمكن سريانها إلى الحالات الاعتيادية، فلا تبقى إلّا المعاشرة بالمعروف. فلاحظ.

2ـ لا يجب على الزوجة الخدمة المنزلية:

>من كنس أو طبخ وترتيب البيت< بمقتضى عقد الزوجية، بل الواجب ـ كما تقدّم ـ مقدّمات الاستمتاع بها من تنظيف وإزالة للمنفّر والاستحداد والمساكنة مع الزوج، وذلك:

1ـ لعدم وجود أيّ دليل على وجوب الخدمة المنزلية على الزوجة في الروايات.

2ـ الأصل الأوّلي هو عدم سلطة أحد على أحد في عمل ما، سواء كان زوجاً على زوجة أم أجنبياً على آخر.

3ـ روايات تدلّ على استحقاق الأُمّ الأجرة على إرضاع ولدها إذا طلبتها، فضلاً عن الآية الكريمة وهي {فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ وَأْتَمِرُوا بَيْنَكُم بِمَعْرُوفٍ وَإِن تَعَاسَرْتُمْ فَسَتُرْضِعُ لَهُ أُخْرَى}(10)، وهذه الآية وإن وردت في الطلاق، إلّا أنّها لا تُفرّق من ناحية أخذ الأُجرة  على الأرضاع إن طلبتها الأُم، سواء كانت المرأة مطلّقة أم لا، لأنّ محلّ الورود لا يخصص الوارد كما حُرّر في الأُصول.

4ـ يجب على الزوج الإنفاق على الزوجة، حيث جُعل قيّماً على تدبير أُمور الزوجة والمحافظة عليها بقوله تعالى: {الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاء بِمَا فَضَّلَ اللّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنفَقُواْ}(11).

ولذا قال صاحب الجواهر+، معبّراً عن الرأي المشهور بين الإمامية فقال: >أوجبوا على الزوج لزوجته نفقة الخادمة إن كانت الزوجة من أهل الإخدام لشرف أو حاجة، والمرجع فيه العرف، فإن كانت من أهل بيت كبير ولها شرف وثروة لا تخدم بنفسها، فعليه إخدامها وإن تواضعت في الخدمة بنفسها<(12).

نعم يُستحبّ لها الخدمة في بيت الزوج من باب إعانة الزوج وإدخال السرور عليه، وقد ورد في ذلك ما رواه الصدوق مسنداً عن أبي عبد الله× عن رسول الله(ص) أنّه قال: >أيّما إمرأة رفعت من بيت زوجها شيئاً من موضع إلى تريد به صلاحاً نظر الله إليها، ومَن نظر الله إليه لم يُعذّبه<(13).

نعم قد يوجد عرف خاصّ فيحصل منه ارتكاز ذهني بوجوب قيام الزوجة بأعمال المنزل، وعندئذٍ يكون هذا الارتكاز شرطاً ضمنياً عند قيام عقد الزواج، فيجب على الزوجة القيام بها، ويقتصر في وجوب الخدمة على القدر المتيقّن، وهذا أمر خارج عن مقتضى العقد، نعم هو نشأ من الارتكاز الذهني عند عرف خاصّ.

3ـ حقّ الزوجة في الإرواء الجنسي:

إنّ الشريعة المقدّسة تعتبر الممارسة الجنسية ليست علاقة غريزية حيوانية محضة، بل هي ممارسة عاطفية وأخلاقية وجمالية، كما أنّها ليست امتيازاً للزوج، بحيث لا يكون للزوجة فيها نصيب، بل الزوجة شريكة الرجل، فيتفاعلان في الممارسة الجنسية، ويشتركان في تأهيل نفسيهما لها، فقد ورد عن أبي عبد الله(ع): >إذا جامع أحدكم فلا يأتيهنّ كما يأتي الطير ليمكث وليلبث<(14).

وعن أبي عبد الله(ع) أنّه قال رسول الله(ص): >إذا أراد أحدكم أن يأتي أهله فلا يعجّلها<(15)، وعن الصدوق في حديث الأربعمائة: >إذا أراد أحدكم أن يأتي أهله فلا يعجّلها، فإنّ للنساء حوائج<(16)، فهذه الروايات وإن لم تفد حكماً إلزامياً وجوبياً، لأنّها مقيّدة بإرادة الإنسان، ولو كان واجباً لما قُيّد بالإرادة، إلّا أنّه يُستفاد منه الإرشاد إلى قضية حقّ المرأة في الإرواء الجنسي، فالزوج وإن كان له حقّ المبادرة للعملية الجنسية وعلى الزوجة الاستجابة، إلّا أنّ كيفية العملية الجنسية تعود فائدتها للطرفين.

وأمّا حقّ العزل عن المرأة، فقد وردت روايات تمنع من العزل عن الحرة إلّا بإذنها، وهناك روايات أنّ الماء هو ماء الرجل يضعه حيث شاء، فالأُولى تُحرّم العزل دون إذن الحرّة، والثانية تُجيز العزل، فحمل الفقهاء روايات إلّا بإذن الحرّة على الكراهة.

ولكن إذا ثبت أنّ العزل عن المرأة يضرّها، لعدم استيفاءها حاجتها من الارتواء الجنسي، أو ثبت أنّ العزل يوجب ضرراً لها كالخلل النفسي والعصبي، فسوف يكون الجمع بين الروايات المانعة والمجوّزة هو حمل روايات الجواز على العزل الذي لا تتضرّر به الزوجة، وأمّا روايات المنع إلّا بالإذن فتُحمل على تضرّرها بالعزل، فيكون حراماً إلّا إذا وافقت على ضررها ولو لمصلحة عدم حملها، كأن يكون حملها أكثر ضرراً من ضررها النفسي والعصبي.

4ـ حقّ الزوجة في المضاجعة:

والمضاجعة هو حق المبيت عندها في المكان الذي تنام فيه ليلة من كلّ أربع ليال، وهذا حقّ آخر غير حقّ الوطأ، فالزوج له أن يكتفي بالمبيت فقط، كما له الحقّ في المجامعة، فقد ورد عن أبي عبد الله× قوله: >إنّما عليه أن يبيت عندها ليلتها، ويظلّ عندها إلى صبيحتها، وليس عليه أن يجامعها إذا لم يرد ذلك<(17).

وقد عرّف صاحب الرياض المضاجعة بقوله: >وهي أن ينام معها قريباً منها عادة، معطياً لها وجهه دائماً أو أكثرياً، بحيث لا يُعدّ هاجراً، وإن لم يتلاصق الجسمان<(18).

5ـ حقّ الزوجة في التكريم والعفو عنها إذا أخطأت:

ويجب على الزوج أن يتصرّف معها بكرامة إنسانية، ومودّة عاطفية، وإذا أخطأت غفر لها وسامحها، وهذا هو المعنى المتقدّم للمعاشرة بالمعروف، وإنّ الزوج له عليها درجة في مسامحتها والغفران لها.

فقد ورد في معتبرة صفوان عن إسحاق بن عمّار، قال: قلت لأبي عبد الله×: ما حقّ المرأة على زوجها الذي إذا فعله كان محسناً؟ قال: >يشبعها ويكسوها، وإن جهلت غفر لها<(19)، وفي رواية الصدوق عن الإمام زين العابدين× في رسالة الحقوق قال: >وأمّا حقّ الزوجة فأن تعلم أنّ الله عزّ وجل جعلها سكناً وأنيساً، وتعلم أنّ ذلك نعمة من الله عزّ وجل عليك، فتُكرمها وترفق بها…<(20).

ويؤيّد ما تقدّم من روايات أهل السنّة عن حكيم بن معاوية القشيري قال: قلت: يا رسول الله، ما حقّ زوجة أحدنا عليه؟ قال: >أن يُطعمها إذا طعمت، ويكسوها إذا اكتسيت، ولا تضرب الوجه، ولا تقبّح ولا تهجر إلّا في البيت<.

أي لا تقل لها قبيحاً ولا تهجرها إذا فعلت ما يوجب التقبيح والهجر إلّا في البيت، وهذا من مصاديق التكريم حتّى إذا أخطأت وفعلت ما يوجب الهجر من دون سبب من الزوج.

ثمّ إنّ الغفران هنا واجب على الزوج؛ لأنّه وارد في جواب السؤال عن حقّ الزوجة، وفي سياق النفقة الواجبة.

ـــــــــــــــــــــ

1ـ البقرة: 228.

2ـ البقرة: 187.

3ـ الكشّاف 1: 207.

4ـ راجع التبيان للطوسي 2: 241 وراجع الجامع لأحكام القرآن للطبري 2: 453.

5ـ الوسائل: 14، باب84، من مقدّمات النكاح، ح3.

6ـ الوسائل: 14، باب88، من مقدّمات النكاح، ح1.

7ـ وسائل: 14، باب87، من مقدمات النكاح، ح3.

8ـ الوسائل: 14، باب71، من مقدّمات النكاح، ح1.

9ـ الوسائل: 15، باب1، من الإيلاء، ح2.

10ـ وسائل الشيعة: 15، باب1، من الإيلاء، ح2.

11ـ الطلاق: 6.

12ـ راجع جواهر الكلام 31: 336 ـ 338.

13ـ الوسائل باب67، من أحكام الأولاد، ح1.

14ـ الوسائل باب56، من مقدّمات النكاح، ح1.

15ـ الوسائل باب56، من أحكام مقدّمات النكاح، ح2.

16ـ الوسائل باب56، من أحكام مقدّمات النكاح، ح4.

17ـ الوسائل، باب5، من النشوز، ح1.

18ـ الشرح الصغير على المختصر النافع 2: 394.

19ـ الوسائل، باب88، من مقدّمات النكاح، ح1.

20ـ مَن لا يحضره الفقيه 3: 278.

بقلم: الشيخ حسن الجواهري