النبي وأهل بيته » المناظرات » الإمام جعفر الصادق »

مناظرة الإمام الصادق(ع) مع عمرو بن عبيد أحد المعتزلة

(عن زرارة ، عن عبد الكريم بن عتبة الهاشمي قال : كنت قاعدا عند أبي عبد الله ( عليه السلام ) بمكة إذ دخل عليه أناس من المعتزلة فيهم عمرو بن عبيد وواصل بن عطاء وحفص بن سالم مولى ابن هبيرة وناس من رؤسائهم وذلك حدثان قتل الوليد واختلاف أهل الشام بينهم فتكلموا وأكثروا وخطبوا فأطالوا. 

فقال لهم أبو عبد الله ( عليه السلام ) : إنكم قد أكثرتم علي فأسندوا أمركم إلى رجل منكم وليتكلم بحججكم ويوجز ، فأسندوا أمرهم إلى عمرو بن عبيد ، فتكلم فأبلغ وأطال ، فكان فيما قال أن قال :

قد قتل أهل الشام خليفتهم وضرب الله عز وجل بعضهم ببعض وشتت الله أمرهم فنظرنا فوجدنا رجلا له دين وعقل ومروة وموضع ومعدن للخلافة وهو محمد بن عبد الله بن الحسن فأردنا أن نجتمع عليه فنبايعه ثم نظهر معه فمن كان بايعنا فهو منا وكنا منه ومن اعتزلنا كففنا عنه ومن نصب لنا جاهدناه ونصبنا له على بغيه ورده إلى الحق وأهله وقد أحببنا أن نعرض ذلك عليك فتدخل معنا فإنه لا غنى بنا عن مثلك لموضعك وكثرة شيعتك .

فلما فرغ قال أبو عبد الله ( عليه السلام ) : أكلكم على مثل ما قال عمرو ؟

قالوا : نعم فحمد الله وأثنى عليه وصلى على النبي ( صلى الله عليه وآله ).

ثم قال : إنما نسخط إذا عصي الله فأما إذا أطيع رضينا ، أخبرني يا عمرو لو أن الأمة قلدتك أمرها وولتك بغير قتال ولا مؤونه وقيل لك : ولها من شئت من كنت توليها ؟

قال : كنت أجعلها شورى بين المسلمين، قال : بين المسلمين كلهم ؟ قال : نعم ، قال : بين فقهائهم وخيارهم ؟ قال : نعم ، قال : قريش وغيرهم ؟ قال : نعم ، قال : والعرب والعجم ؟ قال : نعم ، قال : أخبرني يا عمرو أتتولى أبا بكر وعمر أو تتبرء منهما ؟

قال : أتولاهما ، فقال : فقد خالفتهما ما تقولون أنتم تتولونهما أو تتبرؤون منهما ، قالوا : نتولاهما .

قال : يا عمرو إن كنت رجلا تتبرء منهما فإنه يجوز لك الخلاف عليهما وإن كنت تتولاهما فقد خالفتهما قد عهد عمر إلى أبي بكر فبايعه ولم يشاور فيه أحدا ثم ردها أبو بكر عليه ولم يشاور فيه أحدا ثم جعلها عمر شورى بين ستة وأخرج منها جميع المهاجرين والأنصار غير أولئك الستة من قريش وأوصى فيهم شيئا لا أراك ترضى به أنت ولا أصحابك إذ جعلتها شورى بين جميع المسلمين .

قال : وما صنع ؟ قال : أمر صهيبا أن يصلي بالناس ثلاثة أيام وأن يشاور أولئك الستة ليس معهم أحد ابن عمر يشاورونه وليس له من الأمر شئ وأوصى من بحضرته من المهاجرين والأنصار إن مضت ثلاثة أيام قبل أن يفرغوا أو يبايعوا رجلا أن يضربوا أعناق أولئك الستة جميعا فإن اجتمع أربعة قبل أن تمضي ثلاثة أيام وخالف اثنان أن يضربوا أعناق الاثنين أفترضون بهذا أنتم فيما تجعلون من الشورى

في جماعة من المسلمين قالوا : لا .

ثم قال : يا عمرو دع ذا أرأيت لو بايعت صاحبك الذي تدعوني إلى بيعته ثم اجتمعت لكم الأمة فلم يختلف عليكم رجلان فيها فأفضتم إلى المشركين الذين لا يسلمون ولا يؤدون الجزية أكان عندكم وعند صاحبكم من العلم ما تسيرون بسيرة رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) في المشركين في حروبه ؟

قال : نعم ، قال : فتصنع ماذا ؟ قال : ندعوهم إلى الإسلام فإن أبوا دعوناهم إلى الجزية .

قال : وإن كانوا مجوسا ليسوا بأهل الكتاب ؟ قال : سواء ، قال : وإن كانوا مشركي العرب وعبدة الأوثان ؟ قال : سواء .

قال : أخبرني عن القرآن تقرؤه ؟ قال : نعم ، قال : اقرأ ( قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله ولا يدينون دين الحق من الذين أوتوا الكتاب حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون ) فاستثناء الله عز وجل واشتراطه من الذين أوتوا الكتاب فهم والذين لم يؤتوا الكتاب سواء ؟

قال : نعم ، قال عمن أخذت ذا ؟ قال : سمعت الناس يقولون ، قال : فدع ذا ، فإن هم أبوا الجزية فقاتلتهم فظهرت عليهم كيف تصنع بالغنيمة ؟ قال : اخرج الخمس وأقسم أربعة أخماس بين من قاتل عليه .

قال : أخبرني عن الخمس من تعطيه ؟ قال : حيثما سمى الله ، قال : فقرأ ( واعلموا

أنما غنمتم من شئ فأن لله خمسه وللرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن

السبيل قال : الذي للرسول من تعطيه ؟ ومن ذو القربى.

قال : قد اختلف فيه الفقهاء فقال بعضهم : قرابة النبي ( صلى الله عليه وآله ) وأهل بيته ، وقال بعضهم : الخليفة ، وقال بعضهم : قرابة الذين قاتلوا عليه من المسلمين ، قال : فأي ذلك تقول أنت ؟ قال : لا أدري ، قال : فأراك لا تدري فدع ذا .

ثم قال : أرأيت الأربعة أخماس تقسمها بين جميع من قاتل عليها ؟ قال : نعم ، قال : فقد خالفت رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) في سيرته بيني وبينك فقهاء أهل المدينة ومشيختهم فأسألهم فإنهم لا يختلفون ولا يتنازعون في أن رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) إنما صالح الأعراب على أن يدعهم في ديارهم ولا يهاجروا على إن دهمه من عدوه دهم أن يستنفرهم فيقاتل بهم وليس لهم في الغنيمة نصيب وأنت تقول بين جميعهم فقد خالفت رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) في كل ما قلت في سيرته في المشركين ومع هذا ما تقول في الصدقة ؟

فقرأ عليه الآية : ( إنما الصدقات للفقراء والمساكين والعاملين عليها . . إلى آخر الآية ) قال : نعم ، فكيف تقسمها ؟ قال : اقسمها على ثمانية أجزاء فاعطي كل جزء من الثمانية جزءا ، قال : وإن كان صنف منهم عشرة آلاف وصنف منهم رجلا واحدا أو رجلين أو ثلاثة جعلت لهذا الواحد مثل ما جعلت للعشرة آلاف ؟

قال : نعم ، قال : وتجمع صدقات أهل الحضر وأهل البوادي فتجعلهم فيها سواء ؟

قال : نعم ، قال : فقد خالفت رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) في كل ما قلت في سيرته ، كان رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) يقسم صدقة أهل البوادي في أهل البوادي وصدقة أهل الحضر في أهل الحضر ولا يقسمه بينهم بالسوية وإنما يقسمه على قدر ما يحضره منهم وما يرى وليس عليه في ذلك شئ موقت موظف وإنما يصنع ذلك بما يرى على قدر من يحضره منهم فإن كان في نفسك مما قلت شئ فالق فقهاء أهل المدينة فإنهم لا يختلفون في أن رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) كذا كان يصنع .

ثم أقبل على عمرو بن عبيد فقال له : اتق الله وأنتم أيها الرهط فاتقوا الله فإن أبي حدثني وكان خير أهل الأرض وأعلمهم بكتاب الله عز وجل وسنة نبيه ( صلى الله عليه وآله ) : أن رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) قال : من ضرب الناس بسيفه ودعاهم إلى نفسه وفي المسلمين من هو أعلم منه فهو ضال متكلف ).

المصدر: الكافي 5/ 23 ح1.