مهر المرأة

أحد الأسباب الموجبة ليكون إرث الرجل ضعف المرأة، وجوب إعطاء المهر من الرجل إلى المرأة وليس العكس، ولهذا عوّض الشارع المقدّس للرجل بأن يكون له ضعف إرث المرأة.

لنشرح هذه المسألة:

ما المهر:

بعد تحقّق عقد النكاح هناك واجبات وحقوق تقع على الرجل والمرأة، ومنها المهر، الذي يجب على الزوج إعطاءه للزوجة، وهو مال تملكه الزوجة بسبب العقد، وواجب على الرجل دفعه إليها، ويقصد به الفريضة، بمعنى ما فرضه الله تعالى للمرأة وجعله حقّاً لها.

المهر ليس مال لشراء الزوجة، لأنّ عقد النكاح في الإسلام لا يعني بيع الزوجة فيكون المهر سعرها، بل عقد النكاح يُؤسّس علاقة بين الطرفين، يكون الزوج والزوجة فيها مكمّلين لبعضهما،  ولا يملك أحدهما الآخر.

والمهر أو الصداق بما أنّه علامة صادقة على حقيقة التعلّق والمحبّة من الرجل للمرأة فيُطلقون عليه الصداق، أي ما يُؤتى لإثبات الصدق في العلاقة.

وأيضاً يُطلق عليها النحلة، فيقول فيها الراغب الإصفهاني في المفردات: النحلة من النحل (وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ)، لأنّ النحلة تُعطي على سبيل التبرّع دون مقابل، والمهر أيضاً هو عطاء وهبة ونحلة من الزوج إلى الزوجة.

وقال بعض الفقهاء: أنّ المهر هو عوض حق الاستمتاع بالبضع.

والمهر مال للزوجة، ولا يحقّ لأحد التصرّف به دون إذنها، ويحقّ لها التصرّف به كما يحلو لها، ولا تحتاج إذن الزوج.

لم يُذكر لفظ المهر عيناً في القرآن الكريم، لكنّه أُشير إليه بلفظ (الصدقات) في الآية 4 من سورة النساء: ﴿وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً  فَإِن طِبْنَ لَكُمْ عَن شَيْءٍ مِّنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَّرِيئًا﴾.

وللمهر أنواع:

1- مهر المسمّى: وهو ما یتعیّن في عقد النکاح أو بعده بالتراضي.

2- مهر المثل: وهو مهر امرأة تُماثل الزوجة وقت العقد بمَن يساويها من أقاربها في السنّ والجمال والعلم حسب العادة والعرف، وشأنها الأُسري والاجتماعي، ومقتضيات الزمان والمكان في الحالات التالية:

ألف: إذا دخل بها ولم يُسمّ لها مهر.

ب: إنّ اشترط في عقد النكاح عدم المهر، يجب مهر المثل بعد الدخول بها.

ج: عندما يبطل مهر المسمّى بسبب ما، فإن دخل بها يجب مهر المثل.

3- مهر المتعة: إن لم يذكر المهر في عقد النكاح وطلّقها الرجل قبل الدخول بها وتعيين المهر، تستحقّ الزوجة مهر المتعة.

يُلحظ في مهر المتعة ظروف الرجل الاقتصادية واستطاعته المالية لتعيين مقدار المهر.

مقدار المهر:

لا حدّ للمهر قلّة وكثرة، قال أبو جعفر(ع) في صحيحة فضيل بن يسار: الصداق ما تراضيا عليه من قليل أو كثير، فهذا الصداق(1).

وفي صحيحة الحلبي عن أبي عبدالله(ع) قال: سألته عن المهر، فقال(ع): ما تراضى عليه الناس، أو إثنتا عشر أوقية ونش، أو خمسمائة درهم(2).

وفي سورة النساء، الآية 20: ﴿وَإِنْ أَرَدتُّمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَّكَانَ زَوْجٍ وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنطَارًا فَلَا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُّبِينًا﴾.

والمراد: إن أردتم أن تُطلّقوا بعض أزواجكم وتتزوّجوا بأُخرى مكانها، فلا تأخذوا من الصداق الذي آتيتموها شيئاً، وإن كان ما آتيتموها مالاً كثيراً، وما تأخذونه قليلاً جدّاً .

فالصداق الكثير جائز شرعاً، مع وجود توصيات في بعض الروايات بقلّة المهر.

قال رسول الله(ص): خير الصداق أيسره(3).

وأيضاً قال(ص): أفضل نساء أُمّتي أصبحهنّ وجهاً وأقلّهنّ مهراً(4).

وفي موثّقة ابن بكير عن أبي عبدالله(ع) قال: من بركة المرأة خفّة مؤونتها، وتيسير ولادتها، ومن شؤمها شدّة مؤونتها، وتعسير ولادتها(5).

ويُستحبّ مهر السنّة، وهو مهر نساء رسول الله(ص) وبناته وبنات آل البيت(عليهم السلام)، ومقداره إثنتا عشر أوقية ونش، أو خمسمائة درهم.

في صحيحة حسين بن خالد قال: سَأَلْتُ أَبَا الْحَسَنِ(ع) عَنْ مَهْرِ السُّنَّةِ كَيْفَ صَارَ خَمْسَمِائَةٍ  درهم؟ فَقَالَ(ع): إِنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وتَعَالَى أَوْجَبَ عَلَى نَفْسِهِ أَلَّا يُكَبِّرَهُ مُؤْمِنٌ مِائَةَ تَكْبِيرَةٍ، ويُسَبِّحَهُ مِائَةَ تَسْبِيحَةٍ، ويُحَمِّدَهُ مِائَةَ تَحْمِيدَةٍ، ويُهَلِّلَهُ مِائَةَ تَهْلِيلَةٍ، ويُصَلِّيَ عَلَى محمّد وآلِهِ مِائَةَ مَرَّةٍ، ثُمَّ يَقُولَ: اللَّهُمَّ زَوِّجْنِي مِنَ الْحُورِ الْعِينِ، إِلَّا زَوَّجَهُ اللَّهُ حَوْرَاءَ عَيْنٍ، وجَعَلَ ذَلِكَ مَهْرَهَا .

ثُمَّ أَوْحَى اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ إِلَى نَبِيِّهِ(ص) أَنْ سُنَّ مُهُورَ الْمُؤْمِنَاتِ خَمْسَمِائَةِ دِرْهَمٍ، فَفَعَلَ ذَلِكَ رَسُولُ اللَّهِ(ص)، وأَيُّمَا مُؤْمِنٍ خَطَبَ إِلَى أَخِيهِ حُرْمَتَهُ (فبذل له) خَمْسُمِائَةِ دِرْهَمٍ فَلَمْ يُزَوِّجْهُ فَقَدْ عَقَّهُ، واسْتَحَقَّ مِنَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ أَلَّا يُزَوِّجَهُ حَوْرَاءَ(6).

وقد تخطر أسئلة وشبهات في ذهن الإنسان أنّ عقد النكاح يُراعي مصالح الزوج والزوجة، وكلاهما ينتفع من ذلك بالتساوي تقريباً، فلماذا يجب على الزوج إعطاء الصداق؟ ألم يكن هذا الوجوب ظلماً للرجل؟ ألم يكن المهر ثمن الزوجة وكأنّ الرجل يشتريها به؟ ألم يُسبّب إعطاء المهر تحقيراً للزوجة؟ وبسبب هذه الشبهات نرى مَن قد عارض المهر بشدّة، وحتّى في بعض المجتمعات ـ كالمجتمعات الغربية ـ لا يُوجد أثر للمهر في عرفهم وقوانينهم.

ولكن نقول: الحكيم هو مَن تصدر كلّ أفعاله وأحكامه عن حكمة ومصلحة، وهذا الحكم كسائر أحكامه في الشرع، له حكمة ومصلحة وعلّة عقلائية.

وأمّا حكمة المهر:

أوّلاً: إنّا نُذعن أنّ عقد النكاح يُراعي مصالح الطرفين، ولكن لا يُمكن إنكار أنّه في حال الطلاق تتحمّل الزوجة خسارات وأضرار أكثر بالنسبة للزوج؛ لأنّ الزوج ـ وكما قلنا بما لديه من قوّة جسمية ـ يستطيع استئناف حياته في المجتمع، ويعمل ويُحصّل على ما يحتاجه للعيش، ولا تمتلك المرأة هذا القدر من الاستطاعة والقدرة لتستطيع استئناف حياتها وتحصيل المال وتمشية أُمورها، خصوصاً إذا كان لديها أطفال.

ولا يمكن إنكار هذه المسألة حتّى في المجتمعات الغربية التي تدّعي الحرّية للمرأة، فواضح أنّ المرأة لا تمتلك قدرة الرجل وإمكانيّاته الجسمية والمعنوية لتستطيع الحياة بوحدها دون مشكل، ولهذا نجد الإسلام يستدرك هذه الصعوبات ويُوجب المهر على الرجل، لتكون داعمة للمرأة لتمضي أيّامها الصعبة، وقد أكّد الإسلام أنّ المهر ملك للمرأة، ولا يحقّ لأحد التصرّف فيه إلّا بإذنها، وبهذا يكون الصداق ذخراً لها.

إذاً المهر ليس لتحقير المرأة، بل يمنع تحقيرها وانجرافها في طريق الفساد والانحراف.

ثانياً: بعد انفصال الرجل عن المرأة والطلاق، يستطيع الرجل بسهولة أن يتزوّج بأُخرى، ولكنّ المرأة لا تستطيع الزواج مرّة أُخرى بنفس سهولة ما يفعله الرجل.

خصوصاً إذا لاحظنا تقدّم سنّ المرأة وفقدان شبابها وجمالها ونشاطها، وقد يكون الزواج الثاني مستحيل لها، وفي هذه الحالة ستواجه مشاكل كثيرة في حال عدم وجود رجل ينفق عليها، وقد عوّض الشارع هذه المشاكل بوجوب دفع المهر على الرجل.

ثالثاً: كثيراً ما يعتبر البعض المهر بأنّه مانع للطلاق دون دليل، أو حتّى الطلاق الذيله دليل، الحقيقة أنّ المهر يمنع الطلاق بسبب المشاكل والخلافات البسيطة بين الرجل والمرأة، وهو باعث لتحكيم الأُسرة ومانع للطلاق، وما يتبعه من أثرات مدمّرة على المجتمع.

وربما لو لم يجب المهر على الرجل، كان الرجال يُطلّقون نسائهم لأتفه الأسباب، كما نرى في المجتمعات الغربية النساء المشرّدات اللاتي طلّقهنّ أزواجهنّ، ومصير أكثرهنّ الفساد والانحراف.

إذاً المهر ليس في مصلحة المرأة فقط، بل إنّه في مصلحة المجتمع.

إشكال:

وإن سلّمنا بأنّ المهر في مصلحة المرأة ولحفظ حرمتها، لكنّه من ناحية أُخرى نعم إنّه ظلم، نعم إنّه ظَلَم الرجل، لأنّه كما ذكرنا فإن عقد النكاح يُراعي مصالح الطرفين وكلاهما يستمتع به، فلماذا يُفرض على الرجل إعطاء المهر، وربّما يكون كثيراً وخارج استطاعته، فهذا ظلم واضح في الحكم للرجل!

الجواب:

هذا ما أردنا الوصول إليه منذ البداية، فهنا وبعد ما بان ماهية المهر وأنواعه وفلسفته، نقول:

قلنا: أنّ المرأة لا يُمكنها تأمين حياتها بعد الطلاق، ولا تستطيع الزواج بسهولة عكس الرجل، ولهذا فجعل الشارع المقدّس حكم المهر ليمنع الضرر والخسران للمرأة، ولكن بما أنّ الشارع هو أعدل العادلين، ولا يظلم أحداً أبداً، عوّض ذلك للرجل بأن يكون له ضعف إرث المرأة.

بعبارة أُخرى: إذا كان المهر واجب على الرجل، من جانب آخر له ضعف الإرث، وبما أنّ المرأة لا يجب عليها إعطاء المهر، بل هي التي تأخذه، فلها إرث أقل من الرجل، فيُعوّض هذا بهذا.

وفي رواية عبدالله بن سنان عن أبي عبدالله(ع) قال: قلت: لأيّ علّة صار الميراث للذكر مثل حظّ الأُنثيين؟ قال(ع): لما جُعل لها من الصداق(7).

وهذا أحسن جواب لهذه الشبهة والسؤال.

وإن قلت:

إن كان أخذ المهر إحدى الحكم في أن يكون إرث المرأة نصف الرجل، لماذا يطبّق هذا الحكم على الرجل الذي لم يتزوّج طيلة حياته ولم يعطي مهراً، ويكون له ضعف ما يكون للمرأة من الإرث؟ وأيضاً لماذا يطبّق هذا الحكم على امرأة لم تتزوّج طيلة حياتها ولم تأخذ مهراً، ويكون لها نصف ما يكون للرجل من الإرث؟

نقول:

الأحكام تكون على المصالح النوعية دون الشخصية، ونوع الرجال والنساء يتزوّجون طيلة حياتهم لمرّة واحدة على الأقل إلّا ما شذّ وندر، والأحكام تجعل لهما بحسب نوعهما دون الشذوذ والنوادر، إضافة إلى ذلك، إنّا ذكرنا مسألة المهر كحكمة لحكم الإرث وليس علّة له، والحكمة تكون في أغلب الحالات وليس كلّها.

ـــــــــــــــــــ

1ـ وسائل الشيعة 21 /240، الباب 1من أبواب المهور، ح3.

2ـ نفس المصدر.

3ـ المستدرك على الصحيحين 2 /198.

4ـ الكافي 5 /324.

5ـ وسائل الشيعة 21 /250، باب 15، أبواب المهور، ح3.

6ـ وسائل الشيعة 21 /245، باب4 من أبواب المهور، ح2.

7ـ علل الشرائع 2 /57.

بقلم: السيد علي علم الهدى