النبي وأهل بيته » السیرة والتاریخ » الإمام عـلي »

نشأة الامام علي(ع)

رافق عليّ ( عليه السلام ) رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) منذ السنين الأُولى من عمره ؛ فقد عسرت الحياة على أبي طالب برهة ، وضاقت به الأُمور ، فاقترح رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) على إخوة أبي طالب أن يأخذوا منه بعض أولاده إلى بيوتهم ؛ لتخفيف عبء العيش عن كاهله .

وشاءت إرادة الله تعالى أن يكون عليّ ( عليه السلام ) في بيت رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) ، فتولّى تربيته منذ نعومة أظفاره .

وكان النبيّ ( صلى الله عليه وآله ) يحبّ هذا الطفل الصغير ؛ يضمّه إلى صدره ، ويُمِسّه عَرْفَه ، ويُلقمه الطعام ، ويرعى حياته لحظة لحظة ، وينفحه بالأنوار الإلهيّة المشعّة .

وهكذا تربّى الإمام ( عليه السلام ) في حجر النبوّة ، وارتوى من منهل فضائلها الرائق ، وأمضى أيّامه ملازماً لها ملازمة الظلّ لصاحبه .

وحين سطعت القبسات الأُولى للوحي صدّق بالرسالة المحمّديّة موقناً ؛ إذ كانت روحه قد تواشجت هي وروح صاحبها . من هنا كان أوّل من صدّقه ( صلى الله عليه وآله ) .

ونجد في الخطبة البليغة الرفيعة ” القاصعة ” أجمل تصوير لهذه الملازمة ، ولدور رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) في تربيته وإعداده ( عليه السلام ) ، وحبِّه إيّاه ، واستنارةِ الإمام ( عليه السلام ) بهذه الملازمة .

1 – كشف اليقين عن يزيد بن قعنب : ولدت [ فاطمة بنت أسد ] عليّاً ولرسول الله ( صلى الله عليه وآله ) ثلاثون سنة ، فأحبّه رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) حبّاً شديداً ، وقال لها : اجعلي مهده بقرب فراشي .

وكان ( صلى الله عليه وآله ) يلي أكثر تربيته ، وكان يطهّر عليّاً في وقت غسله ، ويُوجِره ( 1 ) اللبن عند شربه ، ويحرّك مهده عند نومه ، ويناغيه في يقظته ، ويجعله على صدره ( 2 ) .

2 – شرح نهج البلاغة عن الحسين بن زيد بن عليّ بن الحسين ( عليهما السلام ) : سمعت زيداً – أبي – يقول : كان رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) يمضغ اللحمة والتمرة حتى تلين ، ويجعلهما في فم عليّ ( عليه السلام ) وهو صغير في حِجْره ( 3 ) .

3 – أنساب الأشراف : قالوا : كان أبو طالب قد أقلّ وأقتر ، فأخذ رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) عليّاً ليخفّف عنه مؤنته ، فنشأ عنده ( 4 ) .

4 – مجالس ثعلب عن ابن سلاّم : لمّا أمعَرَ ( 5 ) أبو طالب قالت بنو هاشم : دعنا فليأخذ كلّ رجل منّا رجلاً من ولدك ، قال : اصنعوا ما أحببتم إذا خلّيتم لي عقيلاً . فأخذ النبيّ ( صلى الله عليه وآله ) عليّاً ، فكان أوّل من أسلم ممّن تلتفّ عليه خِبْطاته ( 6 ) ( 7 ) .

5 – مقاتل الطالبيّين عن زيد بن عليّ : كان رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) أخذ عليّاً من أبيه وهو صغير في سنة ( 8 ) أصابت قريشاً وقحط نالَهم ، وأخذ حمزة جعفراً ، وأخذ العبّاس طالباً ؛ ليكفوا أباهم مؤنتهم ، ويخفّفوا عنه ثقلهم ، وأخذ هو عقيلاً لميله كان إليه . فقال رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) : اخترت من اختار الله لي عليكم ؛ عليّاً ( 9 ) .

6 – المستدرك على الصحيحين عن مجاهد بن جبر أبي الحجّاج : كان من نِعَم الله على عليّ بن أبي طالب ( عليه السلام ) ما صنع الله له وأراده به من الخير ؛ أنّ قريشاً أصابتهم أزمة شديدة ، وكان أبو طالب في عيال كثير ، فقال رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) لعمّه العبّاس – وكان من أيسر بني هاشم : يا أبا الفضل ، إنّ أخاك أبا طالب كثير العيال ، وقد أصاب الناس ما ترى من هذه الأزمة ، فانطلق بنا إليه نخفّف عنه من عياله ؛ آخذ من بنيه رجلاً ، وتأخذ أنت رجلاً ، فنكفلهما عنه . فقال العبّاس : نعم .

فانطلقا حتى أتيا أبا طالب ، فقالا : إنّا نريد أن نخفّف عنك من عيالك حتى تنكشف عن الناس ما هم فيه ، فقال لهما أبو طالب : إذا تركتما لي عقيلاً فاصنعا ما شئتما .

فأخذ رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) عليّاً فضمّه إليه ، وأخذ العبّاس جعفراً فضمّه إليه . فلم يزل عليّ مع رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) حتى بعثه الله نبيّاً ، فاتّبعه وصدّقه ، وأخذ العبّاس جعفراً ، ولم يزل جعفر مع العبّاس حتى أسلم واستغنى عنه ( 10 ) .

7 – الإمام عليّ ( عليه السلام ) – في خطبته المسمّاة بالقاصعة – : أنا وضعت في الصغر بكَلاكِل ( 11 ) العرب ، وكسرت نَواجِم ( 12 ) قرون ربيعة ومضر ، وقد علمتم موضعي من رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) بالقرابة القريبة ، والمنزلة الخصيصة ؛ وضعني في حجره وأنا ولد يضمّني إلى صدره ، ويكنفني في فراشه ، ويُمِسّني جسدَه ، ويُشِمّني عَرْفَه ( 13 ) ، وكان يمضغ الشيء ثمّ يُلقِمنِيه ، وما وجد لي كذبة في قول ، ولا خَطْلة ( 14 ) في فعل .

ولقد قرن الله به ( صلى الله عليه وآله ) من لدن أن كان فطيماً أعظم ملك من ملائكته ؛ يسلك به طريق المكارم ، ومحاسن أخلاق العالَم ، ليلَه ونهاره . ولقد كنت أتّبعه اتّباع الفَصِيل ( 15 ) أثر أُمّه ، يرفع لي في كلّ يوم من أخلاقه علَماً ، ويأمرني بالاقتداء به .

ولقد كان يجاور في كلّ سنة بحِراء ، فأراه ولا يراه غيري . ولم يجمع بيتٌ واحد يومئذ في الإسلام غير رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) وخديجة وأنا ثالثهما ، أرى نور الوحي والرسالة ، وأشمّ ريح النبوّة ( 16 ) .

8 – السيرة النبويّة عن ابن إسحاق : كان ممّا أنعم الله به على عليّ بن أبي طالب أنّه كان في حِجر رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) قبل الإسلام ( 17 ) .

9 – شرح نهج البلاغة عن الفضل بن عبّاس : سألت أبي عن ولد رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) الذكور ، أيّهم كان رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) له أشدَّ حبّاً ؟ فقال : عليّ بن أبي طالب ( عليه السلام ) ، فقلت له : سألتك عن بنيه ! فقال : إنّه كان أحبّ إليه من بنيه جميعاً وأرأف ، ما رأيناه زايَله يوماً من الدهر منذ كان طفلاً ، إلاّ أن يكون في سفر لخديجة ، وما رأينا أباً أبرّ بابن منه لعليّ ، ولا ابناً أطوع لأب من عليٍّ له . . . .

وروى جبير بن مُطعِم قال : قال أبي مُطعِم بن عديّ لنا ونحن صبيان بمكّة : ألا ترون حبّ هذا الغلام – يعني عليّاً – لمحمّد واتّباعه له دون أبيه ؟ ! واللات والعُزّى ! لوددتُ أنّ ابني بفتيان بني نوفل جميعاً ! ( 18 ) .

ــــــــــــــــــ

( 1 ) وَجَرْته الدواءَ : جعلته في فِيه ( لسان العرب : 5 / 279 ) .

( 2 ) كشف اليقين : 32 / 12 .

( 3 ) شرح نهج البلاغة : 13 / 200 ؛ بحار الأنوار : 38 / 323 .

( 4 ) أنساب الأشراف : 2 / 346 .

( 5 ) أمْعَرَ : افتقر ( النهاية : 4 / 342 ) .

( 6 ) الخِبطَة : القطعة من البيوت والناس ( لسان العرب : 7 / 284 ) .

( 7 ) مجالس ثعلب : 1 / 29 .

( 8 ) السَّنَة : الجَدْب ، يقال : أخذتْهم السَّنة : إذا أجدَبوا وأُقحِطوا ( النهاية : 2 / 413 ) .

( 9 ) مقاتل الطالبيّين : 41 ، شرح نهج البلاغة : 1 / 15 نحوه .

( 10 ) المستدرك على الصحيحين : 3 / 666 / 6463 ، السيرة النبويّة لابن هشام : 1 / 262 ، تاريخ الطبري : 2 / 313 ، الكامل في التاريخ : 1 / 484 ، تاريخ الإسلام للذهبي : 1 / 136 ، دلائل النبوّة للبيهقي : 2 / 162 ، المناقب للخوارزمي : 51 / 14 ، البداية والنهاية : 3 / 25 والأربعة الأخيرة نحوه ؛ علل الشرائع : 169 / 1 ، المناقب لابن شهر آشوب : 2 / 179 ، إعلام الورى : 1 / 105 كلاهما نحوه ، روضة الواعظين : 98 .

( 11 ) الكَلْكَل : الصدر من كلّ شيء ( لسان العرب : 11 / 596 ) .

( 12 ) نَجَم النبتُ : إذا طَلَع ، وكلّ ما طَلَع وظَهَر فقد نجم ( النهاية : 5 / 24 ) .

( 13 ) العَرْف : الريح . . . وأكثر استعماله في الطَّيِّبة ( تاج العروس : 12 / 375 ) .

( 14 ) خَطِلَ في منطقه ورأيه خَطَلا : أخطأ ( المصباح المنير : 174 ) .

( 15 ) الفَصيل : ولد الناقة إذا فُصِل عن أُمّه ( لسان العرب : 11 / 522 ) .

( 16 ) نهج البلاغة : الخطبة 192 .

( 17 ) السيرة النبويّة لابن هشام : 1 / 262 ، تاريخ الطبري : 2 / 312 ، تاريخ الإسلام للذهبي : 1 / 136 ، أُسد الغابة : 4 / 89 / 3789 وفيه ” رُبّي في حِجْر ” ، دلائل النبوّة للبيهقي : 2 / 161 ، المناقب للخوارزمي : 51 / 13 ، البداية والنهاية : 3 / 24 ؛ روضة الواعظين : 98 .

( 18 ) شرح نهج البلاغة : 13 / 201 ؛ بحار الأنوار : 38 / 324 .

المصدر: موسوعة الإمام علي(ع) في الكتاب والسنة والتاريخ / الشيخ محمد الريشهري