هل للمرأة أهلية تولّي السلطة

تمهيد:

إنّ ولاية أيّ إنسان على آخر هو خلاف الأصل الأوّلي الشرعي الذي يقول: إنّ الأصل عدم الولاية، فهل هنا تقييد لهذا الأصل الأوّلي في ولاية الإنسان على غيره؟

الجواب: نعم، ثبت هذا التقييد بولاية الأنبياء والأوصياء على المجتمع، وهو يقتضي مشروعية تشكيل الدولة والحكومة للمجتمع، والتجربة الكاملة التي شهدتها البشرية هي ولاية نبيّ الإسلام الذي شكّل دولة الإسلام، ولكن بعد رحيله إلى بارئه حدث اتّجاهان:

الاتّجاه الأوّل يقول: إنّ الذي له ولاية على المجتمع هو الإمام الذي نصّ عليه الرسول(ص)، فالإمام المنصوص عليه المعصوم هو الذي له ولاية على الناس، فهو رئيس الدولة.

الاتّجاه الثاني يقول: إنّ الذي له ولاية على المجتمع لتكوين الدولة هو ما عيّنته الشورى بواسطة الاختيار.

وأصحاب الاتّجاه الأوّل يقولون (بعد حصول الغيبة الكبرى للإمام الثاني عشر): إنّ الأوصياء نصّبوا المجتهد العادل نائباً عنهم في التصدّي للحكومة على الأُمّة.

وحينئذ يصحّ >على كلا الاتّجاهين< أن نتسائل: لو أنّ فرداً (سواء كان رجلاً أو امرأة) إذا انتُخب من قبل الأُمّة (وكان مجتهداً) على الطريقة الديمقراطية (الأكثرية)، هل يصحّ له أن يتصدّى لرئاسة الدولة؟.

والجواب على هذا السؤال متوقّف على البحث الذي سيأتي في جواز تصدّي المرأة للقضاء، فإنّ رئاسة الدولة هنا يراد منها الخلافة العامّة والسلطة المطلقة التي يمارسها الحاكم، أي أن يحكم الرئيس (المجتهد على رأي الإمامية) بما يراه من حكم الله المستنبط من القرآن والسنّة مستقلّاً، فإنّ هناك قولاً قوياً يقول لابدّية الرجل للقضاء حسب الأدلّة الشرعية، ولابدّية الذكورة فقط للخلافة العامّة والسلطة المطلقة المستندة إلى مهمّة الحكم الشرعي.

ولكن لنا أن نقول: إنّ رئاسة الدولة اليوم لا تعني أن يحكم رئيس الدولة بما يراه من حكم الشرع مستنبطاً من القرآن والسنّة، بل رئيس الدولة وحكومته لا يعدو أن يكون منفّذاً لما يصدر من مجلس الشورى من أحكام حكومية تنظيمية، ولا يعدو أن يكون منفّذاً للدستور الذي يكون قانوناً أساسياً للدولة، فهو لا يتصدّى إلى حكم حكومي في التنازع، بل لا يتصدّى لأيّ حكم شرعي أصلاً.

فهل يجوز في هذه الحالة أن تتصدّى المرأة لرئاسة الدولة، حيث تكون مقيّدة بقانون أساسي وبمجالس تشريعية حكومية بعيدة عن أيّ حكم يصدر منها بالاستقلال؟

وعلى هذا الأساس لا حاجة إلى كون رئيس الدولة مجتهداً ما دام هو رئيس القوّة التنفيذية، لإقرار القانون وما يشرّعه المجلس التشريعي.

وإذا كان الجواب بالإيجاب، فمَن الواضح يكون للمرأة الحقّ في التصدّي لأيّ منصب حكومي آخر (بشرط أن لا يكون فيه قضاء في المنازعات).

الأدلّة على الجواز:

1 ـ لا يوجد منع شرعي من ذلك المنصب بهذه القيود المقدّمة، بعد أن ثبت أنّ المرأة تتمتّع بأهلية كاملة، وقصّة بلقيس التي ذكرها القرآن من دون ردع عنها يُؤكّد عدم وجود الردع عن ذلك.

2 ـ يوجد دليل على الجواز، وهو وجوب تحمّل المرأة مسؤولية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في المجتمع، ومسؤولية الاهتمام بأُمور المسلمين، حيث ورد عن رسول الله(ص) أنّه قال: >مَن أصبح لا يهتمّ بأُمور المسلمين فليس بمسلم< (2).

وقال تعالى:{وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْض يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ}(3).

ومنصب رئاسة الدولة هو أهمّ منصب للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وأعلى منصب للاهتمام بأُمور المسلمين.

وأمّا عدم تصدّي أيّ امرأة لرئاسة الدولة بعد رسول الله(ص) فهو ناشئ من كون رئيس الدولة يحكم مستقلّاً، ويقضي بين المتنازعين مستقلّاً بما يستنبطه من القرآن والسنّة، وقد قلنا: إنّ مسألة القضاء يشترط فيها الذكورة كما سيأتي.

وتلك الرئاسة قد قيّدتها النصوص بالرجولة، فقد ذكرت النصوص أنّ الأئمّة والخلفاء من قريش (اثني عشر رجلاً كلّهم من قريش)، وعلى رأي الإمامية أنّهم معيّنون بالنصّ، فلا مجال لتصدّي المرأة لرئاسة الدولة بعد رسول الله(ص).

أدلّة المنع:

هناك أدلّة استدلّ بها جمع من فقهاء الإمامية المعاصرين وغيرهم على اشتراط الذكور في رئيس الدولة.

وأهم الأدلّة هي:

أوّلاً: قال تعالى: {الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاء بِمَا فَضَّلَ اللهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْض وَبِمَا أَنفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ}(4).

والاستدلال بها موقوف على أن يُستفاد من الولاية ولاية الرجل على المرأة في التصرّف في كلّ شؤون النساء، فولاية كلّ رجل على كلّ النساء; لأنّ الله فضّل الرجل عليهنّ بأُمور كثيرة، فلا تصلح المرأة أن تكون قيّمة على أيّ شيء، ومنها رئاسة الدولة; لأنّها قاصرة في قيمومتها على الرجل.

ويرد عليه:

1 ـ إنّ القوّامية هنا هي بمعنى تدبير أمر المرأة والمحافظة عليها والقيام بشؤونها، ولا يراد منها ولاية التصرّف في أموالها وشؤونها، كما تقدّم ذلك.

2 ـ إنّ هذه القوّامية هي خاصّة بالزوج على زوجته وليست عامّة، ومع هذا لا منافاة بين أن يكون عليها قيّم في الأُسرة تجب طاعته في أُمور البيت، وهي قيّمة على المجتمع، كما يمكن أن نتصوّر أنّ القيّم على المجتمع يمكن أن يكون له أبوان يجب عليه إطاعتهما، وهذا الوجوب عليه لا يقدح في أهليّته لرئاسة الدولة.

ثانياً: قوله تعالى: {وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ}(5).

والاستدلال بها متوقّف على أن نفهم منها أنّ الرجال هم أعلى من النساء، فهم أفضل مطلقاً، وهذا هو الذي يقتضي اختصاصهم بالولاية كرئاسة الدولة مثلاً وفروعاتها.

ويرد عليه:

1 ـ لا نُسلّم أنّ الرجل أفضل من المرأة; لأنّ خلقهما كامل، فكلّ واحد منهما إنسان كامل في خلقته، قال تعالى: {لَقَدْ خَلَقْنَا الاْنسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيم}(6).

وقال تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَر وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللهِ أَتْقَاكُمْ}(7).

نعم، هناك امتياز للرجل على المرأة، وامتياز للمرأة على الرجل، وهذا لا يجعل الرجل أفضل من المرأة مطلقاً.

2 ـ لقد تقدّم أنّ الأفضلية هنا هي للزوج على زوجته، حيث يقوم بأمرها ويحافظ عليها، وقد ورد أيضاً ـ كما تقدّم ـ أنّ هذا الفضل له قد يكون من ناحية عفوه عن ما يصدر منها من خطأ، فالذي يعفو هو أفضل من المعفو عنه في مورد خاصّ لا مطلقاً.

ثالثاً: وردت في السنّة الشريفة بطرق متعدّدة وألسنة مختلفة، قالوا عن بعضها بالصحيح: إنّه لمّا بلغ رسول الله(ص) أنّ أهل فارس قد ملّكوا عليهم بنت كسرى، قال: >لن يفلح قوم ولّو أمرهم امرأة< (8).

ويرد عليه:

1 ـ إنّ لسان >لن يفلح< وما شابهه الوارد في الطرق المتعدّدة للرواية، يدلّ على أنّ القوم قد أخطأوا في توليتهم للمرأة، ولا يترتّب الغرض من تولية المرأة في قوّة الدولة مثلاً وتماسك المجتمع، وهذا غير المدّعى الذي هو عدم صحّة الولاية وضعاً، فتكون الولاية باطلة.

2 ـ إنّ مورد الرواية هو الدولة الكسروية القائمة على الاستبداد، وغير مقيّدة بقانون أساسي (دستور)، ولم تملك مجالس استشارية وقانونية، فيكون معنى ما أفلح قوم ولّو أمرهم أمرأة هو: أنّ قوماً من المحيطين بالملك هم الذين ولّو الأمر إلى بنت كسرى، وهذا غير ما نحن فيه من الانتخاب الاختياري على طريقة أكثرية الأُمّة.

وعلى هذا سيكون الرجل الذي جاء بهذه الطريقة غير صالح لجبر الناس على إطاعته; لأنّه لا بيعة له ولا تباني من العقلاء على طاعته، ولا عقل عملي يحكم بوجوب طاعته، فلا يكون هذا فلاحاً وصلاحاً; لعدم وجود مبرّر لولايته وطاعته.

رابعاً: روى الصدوق عن جابر بن يزيد الجعفي عن الإمام الباقر(ع) أنّه قال: سمعت أبا جعفر (الإمام محمّد الباقر×) يقول: >ليس على النساء أذان ولا إقامة ولا جمعة ولا جماعة، ولا عيادة المريض، ولا اتّباع الجنائز، ولا الإجهار بالتلبية، ولا الهرولة بين الصفا والمروة، ولا استلام الحجر الأسود، ولا دخول الكعبة، ولا الحلق، وإنّما يقصرن من شعورهن، ولا تولّي المرأة القضاء، ولا تلي الإمارة ولا تُستشار، ولا تذبح إلّا من اضطرار<(9).

والاستدلال بها قوله× >ولا تولّى القضاء، ولا تلي الإمارة<، فالنهي عن تولّي المرأة منصب الولاية (رئاسة الدولة وما يتفرّع منها) واضح، والنهي يقتضي الفساد، فحينئذ تقع ولايتها باطلة.

ويرد على هذا:

1 ـ إنّ الرواية ضعيفة السند بطريقيها فليست بحجّة.

2 ـ إنّ المنفي بـ(ليس) هو الحكم التكليفي، ففي جملة من الموارد نفي الوجوب، كما في الجمعة والجماعة وعيادة المريض، وهذا إرفاق بها، ولكنّها إذا فعلت الجمعة والجماعة صحّ العمل، وكذا إذا زارت المريض صح وترتّب عليه الأثر.

وفي جملة من موارد الرواية نفي الاستحباب المؤكّد، كما في الأذان والإقامة، وفي جملة من موارد الآية نفي الوجوب للفعل الذي يكون فعله محرّماً عليها، وهو الحلق (في العمرة والحجّ).

وحينئذ لا نعلم أنّ نفي الولاية عنها هل هو من قبيل نفي الوجوب أو الاستحباب، بحيث يكون صحيحاً إذا وقع منها، أو من قبيل نفي الوجوب الذي يكون فعله باطلاً فتكون ولايتها باطلة، وليس لها أن تتقدّم لها، ولا يجوز أن يقدّمها فرد لهذه الولاية؟ فهي مجملة من هذه الناحية، ولابدّ من معرفة الأمر من الرجوع إلى الأدلّة الأُخرى لولاية المرأة، لنرى أنّها صحيحة أو باطلة، حتّى نحمل هذه الجملة على ما يثبت في أدلّة أُخرى، وإلّا فإنّ هذه الجملة مجملة لا يمكن معرفة المراد منها هنا.

إذن لا يظهر من الرواية نفي الأهلية لتولّي السلطة وفروعاتها.

3 ـ إذا استظهر ففيه من جملة (ولا تلي الإمارة) عدم أهليتها لذلك، فتُحمل على الإمارة التي تكون المرأة فيها هي المتفرّدة في إصدار الأحكام بحسب فهمها، وهي المصدر للقرارات الدكتاتورية من دون تقييدها بمجالس استشارية وبدستور، فتخرج عن موضوع بحثنا هنا.

خامساً: من وصية الإمام علي(ع) إلى ابنه الإمام الحسن(ع) أو ابنه محمّد بن الحنفية، وقد رويت بعدّة طرق، وإليك النصّ برواية الشريف الرضي وهو:

>وإيّاك ومشاورة النساء، فإنّ رأيهنّ إلى أفن(10)، وعزمهنّ إلى وهن… ولا تملك المرأة من أمرها ما جاوز نفسها، فإنّ المرأة ريحانة وليست بقهرمانة<(11) .

والاستدلال بالرواية من أمرين:

الأوّل: إنّ المرأة إذا لم تكن أهلاً للاستشارة لضعف رأيها، فعدم أهليّتها لتولّي الحكم ثابت بالأولوية.

الثاني: النهي عن تمليكها من أمرها ما جاوز نفسها، يستلزم عدم مشروعية تولّيها لأمر غيرها، فضلاً عن تولّي رئاسة الدولة.

ويرد على ذلك:

1 ـ الرواية مرسلة في بعض طرقها وضعيفة في بعضها.

2 ـ إنّ التحذير من مشاورة النساء ورد له قيد في بعض الطرق، والقيد هو >إلّا مَن جُرّبت بكمال عقل<(12)، وهذا يكشف أنّ النهي هو عن استشارة النساء غير المجرّبات بالتعقّل والحكمة لا مطلقاً.

3 ـ لا إشكال ولا ريب في أنّ المرأة تملك أمر نفسها (باستثناء زواجها إذا كانت بكراً على رأي بعض، فإنّها بحاجة إلى رضى الأب أو الجدّ للأب، وباستثناء حقّ استمتاع الزوج بها بالمعروف إذا كانت زوجة)، وتملك الأُمور التي تشترك فيها مع الرجل، كما إذا كانت شريكة له في عقار أو غيره، ولها أن تتدخّل في أمر غيرها إذا أصبحت وكيلة فيه.

نعم، ليس لها أن تتدخّل في أمر الغير، إذا لم تكن وكيلة فيه، وهذا أمر يكون الرجل فيه معها على حدّ سواء.

إذاً الفقرة الثانية غير صحيحة، فيجوز لها أن تكون وكيلة عن الغير في مجالس الشورى وتولّي السلطة، إذا كان ذلك بوكالة عن الشعب عن طريق الانتخاب كما تقدّم، مقيّدة بالمجالس الاستشارية وبالدستور.

والخلاصة: إنّ ما ورد في ذمّ المرأة من الروايات، إمّا أن يكون ضعيف السند، أو محمولاً على المرأة غير المجرّبة بعقل لا مطلقاً.

سادساً: استدلّ جماعة بالإجماع على أنّ رئيس الدولة يُشترط فيه أن يكون رجلاً.

أقول: وبما أنّ مسألة رئيس الدولة وشروطه حادثة، فلم تُبحث هذه عند الفقهاء، فلا يمكن ادّعاء الوفاق فضلاً عن الإجماع على اعتبار الذكورة في رئيس الدولة، ولكن يمكن تصوير الإجماع موقوفاً على أمرين:

1 ـ أنّ الذكورة شرط في القاضي (بالإجماع)

2 ـ توجد ملازمة بين القضاء ورئاسة الدولة، باعتبار أنّ القضاء شعبة من الولاية.

ويرد عليه:

1 ـ هناك تشكيك في شرطية الذكورة في القاضي، وهذا ما سيأتي الكلام عنه.

2 ـ على فرض اشتراط الذكورة في القاضي، فإنّه لا ملازمة بين القضاء الذي يحتاج إلى اجتهاد وحكم بين المتخاصمين، وبين رئاسة الدولة التي لا تحتاج إلى اجتهاد وحكم، بل هي صالحة لغير المجتهدين الذين يرأسون الدولة مقيّدين بالمجالس الاستشارية والدستور، فتكون رئاسة الدولة لأجل حفظ النظام لا للحكم.

نعم، تُوجد ملازمة بين ثبوت القضاء والحاكمية، بمعنى الحكم في المجتمع الذي يكون برأي رئيس الدولة وما يفهمه من الإسلام بالاستقلال، حيث يُعتبر الاجتهاد في الأمرين معاً، ولكن هذه الملازمة ليست من الطرفين، بل هي عموم وخصوص من وجه، بمعنى أنّ كلّ حاكم ورئيس للدولة هو قاض، ولكن ليس كلّ قاضي هو رئيس دولة، وإن كانا يشتركان في الاجتهاد كشرط فيهما، فيكون حالهما كحال رئيس القضاء (رئيس القوّة القضائية) مع القاضي، فليس كلّ قاضي هو رئيس للقوّة القضائية، ولكن كلّ رئيس للقوّة القضائية فهو قاض واقعاً، وإن كانا يشتركان في الاجتهاد.

إذاً لا دليل على شرط الذكورة والاجتهاد معاً في رئيس الدولة القائمة على مؤسّسات الشورى والدستور لأجل حفظ النظام.

هذه هي أهمّ الأدلّة التي ذُكرت لاشتراط الذكورة في رئيس الدولة، ونكتفي بها عن بعض الوجوه الاستحسانية التي لم تصمد أمام المناقشة ولم تثبت صحّتها، مثل كون الرجل أكثر عقلاً وتدبيراً من المرأة، أو أنّ وجوب الحجاب وعدم الخروج من البيت إلّا بإذن الزوج ينافي حضور محافل الرجال والحديث معهم ممّا يحتاجه رئيس الدولة لإقرار النظام.

هل يشترط الذكورة في القاضي؟

نعم، لقد اشترط الفقهاء في القاضي الذكورة، وذلك لعدّة أدلّة، أهمّها هو موثقة أبي خديجة التي يرويها الصدوق محمّد بن علي بن الحسين بإسناده عن أحمد بن عائذ، عن أبي خديجة (سالم بن مكرّم الجمّال) (وأبو خديجة سالم بن مكرّم ثقة بشهادة النجاشي+) عن الإمام الصادق(ع) أنّه قال: >إيّاكم أن يحاكم بعضكم بعضاً إلى أهل الجور، ولكن انظروا إلى رجل منكم يعلم شيئاً من قضايانا فاجعلوه بينكم، فإنّي قد جعلته قاضياً فتحاكموا إليه<(13).

وقد ذكر السيّد الخوئي(رحمه الله): إنّ هذا الحديث راجع إلى قاضي التحكيم (لا القاضي المنصوب)، لأنّ قوله× >قد جعلته قاضياً< متفرّع على >فاجعلوه بينكم< وهو القاضي المجعول(14).

ولكن الصحيح أنّه وارد في القاضي المنصوب; لأنّ >فاجعلوه بينكم< هو أمر بالجعل للرجل أن يكون حكماً بينهم وإلزام بذلك، وقد علّل هذا الإلزام بأنّه قد جعله قاضياً، وهذا يعني ثبوت النصب في المرتبة السابقة على جعل الرجل بينهم قاضياً، وأنّ جعل الرجل بينهم واجب على أساس النصب السابق.

وعلى كلّ حال، فإنّ حمل هذا الحديث على قاضي التحكيم، ثبتت الرجولة في القاضي المنصوب بطريق أولى، وإن حمل على القاضي المنصوب >كما هو الظاهر منه<، ثبت في القاضي المنصوب اعتبار الذكورة.

ويُؤيّد هذا الحكم برواية الإمام الباقر(ع) عن آبائه(عليهم السلام) في وصيّة النبي(ص) لعلي(ع) قال: >يا علي ليس على المرأة جمعة ـ إلى أن قال ـ ولا تولّي القضاء<; لضعف الرواية، مع إمكان حملها على عدم الوجوب، لا شرط الذكورية في القاضي، بحيث يكون جعلها قاضياً باطلاً.

وهناك دليل آخر يُستفاد من مسيرة المسلمين من أوّل رسالة الرسول مروراً بالأئمّة سلام الله عليهم والصحابة والتابعين، حيث كانت هناك نساء في أعلى مراتب الكمال والفضل ولم تُجعل واحدة منهنّ قاضية لإنهاء التخاصم والتنازع، وهذا العمل من المسلمين يكشف عن رأي الشريعة.

وبعبارة أُخرى: إنّ الجو التشريعي في ذلك الزمان الذي لم يجعل للمرأة صلاحية إمامة الرجال في الصلاة يمنع من انعقاد الإطلاق في أدلّة القضاء الشامل للنساء لو كان هناك إطلاق، وقلنا: إنّ كلمة >الرجل< في معتبرة سالم بن مكرّم هي من باب الغلبة لا التعبّد، وإذا مُنع الإطلاق في ذلك الجو التشريعي فحينئذ لا يكون عندنا إطلاق يدلّ على صحّة قضاء المرأة.

وعلى كلّ حال، فاحتمال وجود ارتكاز متشرّعي على أنّ القاضي يجب أن يكون رجلاً، يمنع من التمسّك بإطلاق أدلّة القضاء للرجل وللمرأة; لأنّ احتمال ما يصلح للقرينة يبطل الإطلاق كما حُقّق ذلك في الاُصول، وحينئذ لا يوجد عندنا دليل على جواز تولّي المرأة القضاء(15).

هل حرمان المرأة من منصب القضاء يُعدّ توهيناً وظلماً لها؟

الجواب:

1 ـ إنّ الإسلام بعد أن اعترف بمساواة المرأة للرجل في الإنسانية والكرامة والحقوق والواجبات الفطرية، آمن أنّ المرأة تضعف عن مقاومة الضغوط والمشاكل، وأنّ عاطفتها غالبة على الجانب العقلي فيها، فأعفاها عن القضاء والجهاد لما فيهما من مشاكل كثيرة لا تتحمّلهما المرأة، وهذا الإعفاء عن المخاطر لا يُعدّ توهيناً ولا ظلماً، بل احتراماً وتوقيراً.

2 ـ إنّ مَن يتربّى بتربية الإسلام لا ينظر إلى الجهاد والقضاء على أنّه مغنم من المغانم، بل ينظر إليهما كمسؤولية عظمى، كثيراً ما تزلّ فيها الأقدام، وقد يخرج منهما الداخل مهزوزاً منكسراً، فأُعفيت المرأة من هذه المسؤوليات والأعباء، غاية الأمر الإعفاء في الجهاد رخصة، وفي القضاء عزيمة.

ـــــــــــــــــــــــــ

1ـ أقول: إنّ الانتخاب الشعبي (الذي يُسمّى بالديمقراطية) يجعل ولاية للمنتخب على الأُمّة بواسطة أحد أُمور أربعة:

الأوّل: بواسطة تباني العقلاء على طاعة مَن يفوز بالانتخاب.

الثاني: قد يُقال: إنّ العقل العملي يحكم بلزوم طاعة مَن يفوز بالانتخاب.

الثالث: كما يمكن أن يُقال: إنّ وجوب طاعة مَن يفوز بالانتخاب بحيث تكون له ولاية على الأُمّة داخل تحت البيعة، فكأنّ الأُمّة بايعت هذا الشخص وتعهّدت على أن تكون مطيعة له بمجرّد فوزه في الانتخاب.

الرابع: إنّ مرجع الأُمّة الناظر في الحلال والحرام قد يحكم بأنّ مَن يُنتخب من قبل الأكثرية يكون هو الأفضل، لحفظ النظام وإجراء الدستور والقيام بتنفيذ الأحكام الحكومية النابعة من المجالس الاستشارية.

2ـ أُصول الكافي 2: 163 ح1.

3ـ التوبة: 71.

4ـ النساء: 34.

5ـ البقرة: 228.

6ـ التين: 4.

7ـ الحجرات: 13.

8ـ صحيح البخاري، كتاب المغازي/ باب كتاب النبي(ص) إلى كسرى وقيصر 3: 90، الخلاف للشيخ الطوسي 3: 311.

9ـ الخصال للصدوق 2: 585 ح12، وراجع وسائل الشيعة 14: باب 117 من مقدّمات النكاح ح6، وباب 123 ح1.

10ـ الأفن: النقص، ورجل أفين ومأفون: أي ناقص العقل (لسان العرب).

11ـ وسائل الشيعة 14: باب 96 من مقدّمات النكاح ح2.

12ـ راجع بحار الأنوار 100: 253 باب أحوال الرجال والنساء ح56.

13ـ وسائل الشيعة 18: باب 1 من صفات القاضي ح5.

14ـ راجع مباني تكملة المنهاج 1: 8.

15ـ وسائل الشيعة 18: باب 2 من صفات القاضي ح1.

بقلم: الشيخ حسن الجواهري